جمال سنان: بعد لبنان ومصر «إيغل فيلمز» تدق أبواب دراما الخليج

يحضّر «سفر برلك قصة ستي» ليُحدث الفرق في عام 2020

جمال سنان يتوسط عبد الله السيف وهدى حسين
جمال سنان يتوسط عبد الله السيف وهدى حسين
TT

جمال سنان: بعد لبنان ومصر «إيغل فيلمز» تدق أبواب دراما الخليج

جمال سنان يتوسط عبد الله السيف وهدى حسين
جمال سنان يتوسط عبد الله السيف وهدى حسين

يعدّ المنتج جمال سنان صاحب شركة «إيغل فيلمز» للإنتاج، ابن مصلحة ورث حبّها من والده أحمد سنان. فهذا الأخير كان يقف خلف شاشات صالات السينما التي يملكها في بيروت ليؤدي بصوته أدوار أبطال فيلم صامت.
وبين سينما «بيغال» و«تياترو» وغيرهما في ساحة البرج وسط بيروت وضواحي العاصمة، نشر الوالد حب ثقافة السينما لدى أهل العاصمة. فعرّفهم على الشاشة الذهبية وأبطالها وزرع فيهم شغف متابعة أفلام عربية وغربية بعد أن أخذ على عاتقه توزيعها في لبنان.
ولأن الطفل جمال كان يرافق والده في تنقلاته هذه تشرّب منه حبّ المهنة وقواعدها وأصولها، لم ينتظر كثيراً حتى برهن على أن فرخ البط عوّام، عندما سافر إلى أميركا إبان الحرب اللبنانية ليحقق حلمه. هناك تعرّف إلى عالم السينما عن كثب وراح يعمل في توزيع أفلام أميركية في لبنان والعالم العربي كما شارك في إنتاج بعضها فكانت له تجارب لا يستهان بها في هذا المضمار.
«من هناك بدأت الحكاية، وعندما عدت إلى لبنان في عام 2000 شعرت بأن هناك حلقة مفقودة في عالم السينما والدراما في لبنان». يقول جمال سنان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، ويضيف: «وجاء لقائي مع زوجتي ماغي بوغصن ليشد من عزيمتي، إذ شجعتني على دخول مجال الإنتاج خصوصاً أنها ممثلة وعلى علم بما يحتاج إليه لبنان في هذا الإطار».
يتمتع جمال سنان بعين ثاقبة ساهمت في تثبيت رؤيته المستقبلية المتعلقة بعالم الدراما والسينما. كما أن اطلاعه على الثغرات التي يعاني منها لبنان في مجال السينما والدراما دفعه إلى التخطيط وتسلّقه السلّم درجة درجة. «قررت جديّاً دخول هذا المعترك وعندما فاتحت صديقي صادق الصباح وافقني الرأي وكان أول مولود بكر لنا في الدراما اللبنانية مسلسل (لو). كان ذلك منذ نحو 5 سنوات وبعدها كرّت السبحة لتتوالى إنتاجات (إيغل فيلمز) وتتصدّر الدراما العربية بعد أن أصابت الهدف. وعندما عاد جمال سنان إلى لبنان من أميركا كانت الإنتاجات التركية المدبلجة تغزو الساحة العربية. يومها وعندما سافرت إلى مصر كانت قنواتها تعرض هذا النوع من الأعمال بعد أن شهد إنتاج الأعمال المصرية تراجعاً مع بداية ملامح (الربيع العربي). وكما في مصر كذلك في لبنان كانت الأعمال التركية تتصدّر برامج التلفزيونات المحلية. استفزني هذا الأمر لا سيما أن لبنان استوديو في حد ذاته وتجتمع فيه جميع العناصر الفنية المطلوبة للنجاح».
وكما في الدراما انشغل جمال سنان أيضاً في أفلام السينما اللبنانية. «وجدت أن إنتاجاتنا ضعيفة في هذا المجال مع احترامي للمنتجين في تلك الفترة وعندما طرحنا فيلم (Bebe) في الصالات بدأنا نلمس حاجة اللبنانيين إلى الخروج من قوقعة الموضوعات التي كانت تسوّد السينما. فساهمت (إيغل فيلمز) في إجراء قفزة نوعية على هذا الصعيد حرّكت العجلة السينمائية. فرغبتي الأساسية كانت تكمن في صناعة أفلام تشبهنا وتخرج بموضوعاتها عن الروتين الذي يقيّدها منذ سنوات».
أنتجت «إيغل فيلمز» أفلاماً سينمائية عديدة شهدت نسبة مشاهدة عالية بعد أن استقطبت جميع الشرائح الاجتماعية في لبنان فبعد «Bebe» كرّت السبحة لتشمل «السيدة الثانية» و«ولعانة» وصولاً إلى «تايم آوت» الذي يُعرض حالياً في صالات السينما اللبنانية.
يصف جمال سنان أجواء الساحة الإنتاجية بينه وبين شركة «الصباح إخوان» التي تنافسه في الإنتاجات التلفزيونية الضخمة بالراقية، ويقول: «هناك جو سليم وصحي بيننا، فصديقي صادق الصباح يفرح لإنتاج ناجح أنفّذه، والعكس بالعكس».
ولكن السوق اللبنانية ضيّقة وهو ما دفعهما لإنتاج دراما عربية مختلطة تسهم في انتشارها في العالم العربي كما يقول. «لقد خططنا وأنجزنا منذ البداية أعمالاً لاقت رواجاً كبيراً في مصر ولبنان بالتعاون مع شركة (بيلنك) للزميل محمد مشيش، والتي أسفرت نتائج لافتة ضمن أعمال دراما ناجحة مثل (طريقي) لشيرين عبد الوهاب و(السيدة الأولى) مع غادة عبد الرازق إضافة إلى (ونوس) و(غراند أوتيل) و(حلاوة الدنيا) وغيرها». ولكن كيف يصف وضع لبنان حالياً في مجال الدراما بشكل عام؟ يرد: «إنه جيد كي لا نقول جيداً جداً بعد أن تجاوز انتشار هذه الأعمال العالم العربي وباتت تضعه على الخريطة العالمية. فهناك تعاون جدّي بيننا وبين منصة (نتفليكس) الإلكترونية، وهو ما يجعلني أقول بأن عام 2020 سيشهد انفلاشاً مدوياً لأعمالنا على هذا الصعيد».
وكان مسلسل «ثورة الفلاحين» الذي عُرض عبر شاشة «إل بي سي آي» في الموسم الفائت قد لفت القيمين على هذه المنصة الإلكترونية، فاختاروه ليندرج على لائحة أعمال الدراما اللبنانية لديها. «عندما شاهدوا (ثورة الفلاحين) وضخامة إنتاجه اعتقدوا للوهلة الأولى أنه عمل أجنبي فتلقفوه بسرعة كونه يلبي شروطهم الرفيعة المستوى في هذا الإطار». يوضح جمال سنان في سياق حديثه. ويضيف: «اليوم نستعد لتعاون أكبر مع منصة (نتفليكس) وعندما نقول تعاوناً فذلك يعني أن أعمالنا ترتقي إلى الأفضل، وهو ما آثرنا الوصول إليه منذ اللحظة الأولى».
ومع المنتج محمد مشيش صاحب شركة «بيلنك»، وجمال سنان صاحب «إيغل فيلمز» تشهد عجلة الإنتاجات الدرامية أوجّها اليوم بين مصر ولبنان. «لم نكتفِ بنجاحاتنا هذه ونحن اليوم ندخل الدراما الخليجية من بابها العريض. وحالياً يتم عرض (غصون في الوحل) على الشاشة الكويتية كما أننا بصدد تصوير 5 أعمال أخرى ستنافس غيرها في موسم رمضان المقبل وبينها المسلسل السعودي (وصية بدر الأربعيني). ومن المسلسلات الكويتية التي ستُعرض في رمضان المقبل (أمنيات بعيدة)، بطولة هدى حسين وإخراج محمد القفاص، و(لا موسيقى في الأحمدي)، بطولة جاسم النبهان وإخراج محمد دحام، و(عشاق رغم الطلاق)، من بطولة إيمان الحسيني وإخراج خالد جمال، وستُعرض على الشاشات السعودية والخليجية».
أما في لبنان فيشهد موسم رمضان سلسلة أعمال رمضانية من إنتاج «إيغل فيلمز» ستنافس بموضوعاتها وضخامة إنتاجها أعمالاً أخرى يحضّر لها على الساحة، وهي «أسود» من كتابة كلوديا مرشيليان، وإخراج سمير حبشي وبطولة باسم مغنية وورد الخال وداليدا خليل. و«بروفا» وهو من نوع الكوميديا من بطولة ماغي بو غصن وأحمد فهمي وإخراج رشا شربتجي. إضافة إلى ثالث بعنوان «الكاتب» من تأليف ريم حنا وإخراج رامي حنا ومن بطولة الثنائي باسل خياط ودانييلا رحمة.
أما العمل الدرامي المصري الذي ستنافس معه «إيغل فيلمز» في الموسم الرمضاني فهو من تأليف مريم نعوم وإخراج كاملة أبو ذكري ومن بطولة دينا الشربيني ومن المقرر أن يُعرض على شاشة «إم بي سي». «لقد أصبح هناك ثقة بالمنتج اللبناني وهو ما جاهدنا للوصول إليه طيلة السنوات الخمس السابقة» يقول جمال سنان. وعما إذا كانت أجور الممثلين النجوم في لبنان تتجاوز كما يتردد الـ500 ألف دولار يوضح: «هذا رقم مبالَغ به، فكل ممثل يأخذ حقه دون شك والأجور في لبنان لا تتجاوز الـ300 ألف دولار. وعندما سنصل إلى نصف المليون أو المليون دولار فذلك يعني أن أعمالنا حقّقت انتشاراً ضخماً مما يخول لنا القيام بهذه الخطوة».
ويضيف: «ليس هناك من ممثل في استطاعته حمل نجاح عمل درامي على أكتافه وحده، ولذلك نلاحظ اليوم البطولات الجماعية. فمع نص جيد ومخرج محترف وفريق تمثيلي ناجح وعملية إنتاج لائقة يأتي العمل الصحيح والسليم بالنتائج المرجوة».
ولكن مَن صاحب القرار الأخير في الإنتاجات هذه؟ «لا شك أن هناك فريقاً كاملاً يعمل على تنفيذ فكرة عادةً ما أطرحها بنفسي، ولكن في النهاية القرار لي».
وما دور قنوات التلفزة في هذا الموضوع؟ «هي أيضاً تلعب دوراً ريادياً، إذ نتفق معها على خطوط المسلسل الذي سينفّذ ويُعرض على شاشتها».
وعن الأسعار التي تتلقاها شركات الإنتاج من منصات إلكترونية كـ«نتفليكس» يقول: «إذا كان العمل من نوع عرض أول فالأسعار تكون مرتفعة أما إذا كان سبق وعُرض فسعر الحلقة الواحدة هو أقل من 30 ألف دولار».
وعن العمل الذي يحضّر له ويتوقع له نجاحاً مدوياً يرد: «هناك عمل تكتبه حالياً كلوديا مرشيليان بعنوان (سفر برلك قصة ستي). وهو من الأعمال الضخمة التي تحكي قصة من تاريخنا القريب أيام الحكم العثماني في لبنان وبلاد الشام. وهذا العمل أتوقّع أن يشكل مفاجأة الدراما العربية عند عرضه في عام 2020، فهو إضافة إلى إنتاجه الضخم يضم مجموعة من الممثلين السوريين واللبنانيين الذي سيجسدون شخصيات مختلفة وفقاً لأحداث القصة التي تتحدث عن تلك الحقبة من مجاعة وحروب ورومانسية وغيرها، وسنبدأ في تصويره في موسم رمضان المقبل ويتألف من 60 حلقة».



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.