تفكيك الرأسمالية... نسائياً

فيدريشي تكتب عن الساحرات والنميمة والأدوار الجندرية

تفكيك الرأسمالية... نسائياً
TT

تفكيك الرأسمالية... نسائياً

تفكيك الرأسمالية... نسائياً

ربما يكون كارل ماركس، بإقرار أعدائه قبل مريديه، أهم المفكرين على الإطلاق الذين ينبغي الرّجوع إليهم عند الرّغبة في تحليل وتفكيك وفهم آليّات عمل النّظام الرّأسمالي، ذلك النّظام الذي أنتجه الغرب لحظة خروجه من عصوره الوسطى، ونجح بفرضه على العالم إلى راهن الوقت، وإن في أشكال أكثر تعقيداً من أيّام نشأته الأولى، مجارياً مآلات العيش البشري، كما انتهينا إليها في القرن الحادي والعشرين. لكن «رأس المال»، نصّ ماركس الأهمّ، لا يساعد القارئ كثيراً إن هو أراد استكشاف آليات عمل ذلك النظام، عندما يتعلّق الأمر بالنساء تحديداً، وطبيعة الدّور الذي لعبته الرأسماليّة تجاه صياغة تموضعهن في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، إذ يكتفي المفكّر بتقديم مبادئ وتعميمات جافّة بهذا الشأن، دون أن يتسنى له رسم صور دقيقة.
هنا تماماً تأتي أهميّة المفكّرة النسويّة الإيطاليّة سيلفيا فيدريشي، التي وفي سلسلة من النّصوص والأعمال المفصليّة نشرتها عبر ما يقرب من الخمسين عاماً الأخيرة قدّمت ما يمكن اعتباره الدّليل المرافق لـ«رأس المال» حول أقدار النّساء في ظل الرأسماليّة، والجذور التاريخيّة للإطارات الاجتماعية والثقافيّة التي تحكم عيشهنّ.
كتاب فيدريشي الأخير «السّاحرات: عن النساء وصيد الساحرات»، الصادر حديثاً بالإنجليزيّة (112صفحة)، يمثل مدخلاً موجزاً وتحديثاً لمجمل الأفكار الرئيسة التي قدمتها في كتبها السابقة، لا سيّما نصها الضخم (الكاليبان وصيد الساحرات - 1998) الذي فككت فيه ظاهرة صيد الساحرات، كما شهدتها المجتمعات الأوروبيّة بدايات صعود الرأسماليّة، بوصفها أداة المنظومة في إعادة قولبة نصف المجتمع الناعم لمصلحة الشكل الجديد من النظام العائلي، خدمة لأغراض دورة الإنتاج الصناعي الجديدة. هذه القولبة المستجدة أتت بعد عقود طويلة من تعايش بين النّصفين كان يتسم - في سواد المجتمع الفلاحي الطابع وخارج إطار الأسر الأرستقراطية - بالعلاقات المتوازنة، واستقلاليّة اقتصاديّة مشهودة للنسّاء، قبل ظهور مبدأ تقسيم العمل، بغرض سحب الذّكور إلى المصانع عمالاً، بينما تتفرغ النساء للإنجاب وإنجاز الأعمال المنزليّة. وبحسب فيدريشي، فإن ذلك ترافق مع استخدام وصمة السّحر - ضد النساء حصراً - لإرهاب كل من تسوّل لها نفسها التمرد على تلك الصّيغة المستجدة للأدوار الجندريّة، وللتخلص ممن ليس لهن قيمة اقتصاديّة غير القادرات على إنجاب عمّال زهيدي الأجرة جدداً، ويكتفين بإثارة المتاعب للنظام البطريركي، عبر تأثيرهن (غير المستحبّ) على النساء الخاضعات. ووفق فيدريشي - دائماً - فإن الرأسماليّة حوّلت الإنجاب من فعل حبّ بين شريكين متعادلين إلى مهمّة اقتصادية محضة، وممر إجباري لاكتساب رضا المجتمع. لقد «تحوّل جسد المرأة في المجتمع الرأسمالي إلى أدوات إنتاج أخرى، تماماً كما تحوّل الذكور إلى عمال مأجورين لإدارة المصانع»، ولذا فإن الاستغلال والمواجهة أيضاً كان مكانهما جسد المرأة والمصنع.
وتسجل فيدريشي هذه الانعطافة التاريخيّة من خلال قراءة نصوص قانونيّة كانت تتيح للنّساء الإيطاليات في القرن الرابع عشر الميلادي مثلاً الادعاء بصفتها الشخصيّة على شريكها، إن هو تعرض لها بالضرب أو الاعتداء، بينما تعاونت المؤسسة الرسميّة للكنيسة والقوانين التي استحدثها الأثرياء الجدد، كما المنتجات الثقافيّة من أدب ومسرحيّات وأغانٍ شعبيّة، مع أساطير الساحرات، على تجريم المرأة التي لا تطيع زوجها، وتخرج عن أوامره، بل وشرّعت بعض المجتمعات استخدام أقنعة توضع على رؤوس النساء قويّات الشكيمة، فتمنعهن من الكلام - وهذه الأقنعة تذكر فيدريشي أنها بقيت قيد الاستخدام مع العبيد في الولايات المتحدة لغاية نحو العام 1800.
ويتسم النص الفيدريشي بنظرته الشديدة العمق خلف الظواهر التي اعتدنا عليها، رجالاً ونساءً، حتى كدنا نعتقد أنها أصل الأشياء وطبيعتها المقدّسة، وهو ينجح في كل صفحة تقريباً في إزالة الظلال، ومسح الغبار المتراكم عن جرائم هائلة ارتكبت عبر الأجيال، من خلال هيمنة الرأسمال المستمرّة على حياة غالبية البشر.
ورغم أن وحدة التحليل الأساسيّة فيه تنحو إلى مركزيّة أوروبيّة لا يمكن إخفاؤها، فإن كثيراً من الاستنتاجات قابلة للاستخدام والتطبيق والعبرة في مختلف التجمعات البشريّة خارج النسق الغربي، على نحو يؤهله ليكون قراءة لازمة لكل من يتصدى للدفاع عن النسويّة قبل أن يطلق عنان الكلام.
وبعكس النصّ الماركسي الذي يصعب عبوره أحياناً على غير المتخصص وغير المطلّع على المناخ التاريخي الذي وضع في إطاره، فإن فيدريشي قادرة أن تحقق الصّدمة والإمتاع معاً. خذ مثلاً مقالتها عن «النميمة». في أيامنا تعد النميمة - حتى بقلب أكثر المجتمعات الغربيّة تحضراً اليوم - نوعاً من هذر فارغ ذي مضمون سلبي، ومضيعة تامّة للوقت. لكن فيدريشي تقول إن فكرة تواصل النساء مسألة في غاية الأهميّة لديمومة المجتمعات البشريّة، إذ هنّ بما يصفه البطريركيون بالثرثرة يصغن ذاكرة المجتمعات، وينقلن ثقافتها الجمعيّة عبر الأجيال، ويسجلن التاريخ الذي غالباً ما يسهو التاريخ الرسمي عن تسجيله، ويشكلّن بذلك هويّة المجتمع وشخصيته وحكمته وخبراته المتوارثة. وحتى على الصعيد العملي، فإن تلك الأحاديث تبقى وسيلة بقاء وتضامن بين النساء، يتبادلن فيها الأفكار حول مشاكل القلوب، وتفسير السلوك الاجتماعي للآخرين، ومشاركة التجارب المشكلّة لوعيهن، بعيداً عند أسماع المتلصصين، هذا دون عظم قيمتها بنقل خبرات الأجيال في العناية بالصحّة والأطفال والمنازل. وتستحضر فيدريشي بدايات هذه (الحرب) القاسية على نميمة النساء إلى بدايات العصر الرأسمالي كذلك، وتورد أمثلة مذهلة من أعمال مسرحيّة شعبيّة كانت تمولها اتحادات البنائين والمحترفين الثريّة، وتقّدم صوراً مبتذلة عن المرأة المستقلّة التي لا تقبل الخضوع للرجل، وتظهرها شريرة سيئة الخلق، وأن الرجل الذي يحترم زوجته ويتعامل معها بنديّة لا يستحق لقب الرّجولة، وكثيراً ما صوّرته تلك المسرحيّات بأشكال مهينة تثير السخريّة، بينما وضعت النميمة النسويّة داخل إطار الشيطنة والإفساد والحسد، وقلة الاهتمام بمصالح العائلة.
وتنقّب الكاتبة في أصول كلمة النميمة عبر اللغات الأوروبيّة، كما نصوص أدبيّة وأهازيج وأحكام كنسيّة، لتظهر كيف تحولت الكلمة من وصف إيجابي حول منظومة تواصل أساسيّة إلى صفة سلبيّة، مع نشوء الحاجة لتمتين الهيمنة البطريركيّة على مجتمعات ما بعد العصور الوسطى الأوروبيّة، في حين أن النميمة كانت سر إنتاج حراكات المواجهة والتحرر الأخيرة التي قادتها نساء كنّ ضحايا مواجهة العبث الأخلاقي والجنسي في هوليوود وغيرها، وتَعِدُ اليوم بمستقبل أكثر عدالة نسبياً لهن.
تقسو فيدريشي على نساء الطبقات المخمليّة، وتعتبرهن أسوأ حالاً من نساء الطبقات الشعبيّة، لناحية خضوعهنّ التاريخي لعبوديّة المنظومة الرأسماليّة التي تطلب منهن كزوجات إنجاب الأبناء، بغرض ضمان ديمومة الثروة والنفوذ، بينما تتسامح مع الرّجال الذين يتخذون عشيقات، وهو ترتيب مريح للذّكور المهيمنين ما دامت الزّوجة مطيعة خاضعة وتنجب، والعشيقة مُجَرَّمة وسريّة وخائفة، وتدفعهن على مستوى ما للتنافس دائماً على قلب الرجل - الملك. وهي لا ترحم الرجل المعاصر الذي ترى أن ممارسته الهيمنة على زوجته - وعشيقاته إن وجدن - إنما هي ردّة فعل طبيعيّة للقهر الذي يتعرّض له هو في مطحنة الأرواح التي تسمى الرأسماليّة.
بالطبع، قراءة فيدريشي قد تكون مهمّة قاسية على العقول التي تشربت الأوضاع القائمة، وتربّت عليها، ولم تعتد النظر في أصول الأشياء، لكنها قسوة لا بدّ منها، إذا رغب المرء بالخروج من أوهام كهفنا المعاصر.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً