تحليل... مراوغات الميليشيات تهوي بـ«استوكهولم» إلى هاوية الفشل

وزير الخارجية اليمني خالد اليماني (غيتي)
وزير الخارجية اليمني خالد اليماني (غيتي)
TT

تحليل... مراوغات الميليشيات تهوي بـ«استوكهولم» إلى هاوية الفشل

وزير الخارجية اليمني خالد اليماني (غيتي)
وزير الخارجية اليمني خالد اليماني (غيتي)

لم يعد لدى المتابعين للشأن اليمني على مدى 3 أشهر أي بصيص للأمل في نجاح تنفيذ اتفاق السويد بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية، وهو الاتفاق الذي وصف منذ لحظة وجوده بأنه ولد ميتاً، ولا يمكن لحلفاء إيران و«حزب الله» الانصياع له.
وعلى الرغم من أن الحكومة الشرعية ذهبت إلى استوكهولم بحسن نية، وفي سياق التعاون مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة، لإيجاد مخرج للبلاد، عبر التوصل إلى اتفاق تمهيدي لبناء الثقة، فإنها في قرارة نفسها كانت تدرك استحالة تطبيق مثل هذا الاتفاق، وهو ما تبدى في تصريحات كثير من المسؤولين اليمنيين، ابتداء من الرئيس عبد ربه منصور هادي، وانتهاء بوزير خارجيته خالد اليماني.
وفي حين تبدت نتيجة الفشل متوقعة بالنسبة للشرعية، بقي فقط بحسب المراقبين أن تنعى الأمم المتحدة رسمياً الاتفاق، وتضع كل أوراقها التي ذهبت أدراج الرياح في الحديدة مجدداً على طاولة مجلس الأمن، الذي يبدو أنه ليس بالحماسة الكافية من أجل اتخاذ قرار حازم يردع الحوثيين وحلفاءهم الإقليميين.
وقد حاول وزير الخارجية اليمني خالد اليماني أن يعترف في أحدث مقالاته، التي نشرها موقع «العربية نت» في نسخته الإنجليزية، بأن اتفاق السويد فشل، كما حاول أن يتطرق إلى مقدمات الفشل وأسبابه الإقليمية والدولية والأممية.

لعب إيراني بالورقة اليمنية

يقول اليماني إنه خلال لقاءاته في بروكسل، مطلع فبراير (شباط) الماضي، أفصح كثير من الوزراء الأوروبيين بأن إيران لعبت دوراً لإنجاح مشاورات السلام في اليمن، وأنها وجّهت الحوثيين للقبول بالاتفاقات التي تم التوصل إليها مع وفد الحكومة اليمنية في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2018، وكان رده المباشر عليهم قوله: «إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم توجههم إيران، الدولة الراعية للميليشيات الحوثية في اليمن، للقيام بتنفيذ تلك الاتفاقات؟!».
وكان الرد من قبل هؤلاء الوزراء، أن السبب هو حدوث تغيير «في موازين القوى في المنطقة»، إلى جانب «الضغوطات التي شكلتها العقوبات الأميركية على إيران»، وكلها أفضت إلى دفع نظام الملالي لعدم التعاون في الملف اليمني.
ويعتقد اليماني «أن إحجام الحوثيين عن تنفيذ اتفاقات السويد، وتعنتهم، يؤكد التزامهم بتكتيكات التفاوض الإيرانية، التي تبدأ بالموافقة الضمنية على مجمل الحلول التفاوضية، ثم التراجع عنها جملة وتفصيلاً، لانتزاع مزيد من التنازلات من المجتمع الدولي، وفرض واقع على الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية، للسير في طريق الحرب، الذي وفق رؤيتهم يشكل النصر لمشروعهم».
ويستغرب اليماني من أن العالم «كأنه لا يدرك أن هذه الميليشيات المدعومة من إيران هي من انقضت على اليمن، وسرقت أحلام اليمنيين، وأشعلتها حرباً في كل مكان، لفرض أجندة إيران في اليمن، كما فرضتها في أماكن أخرى في منطقة الشرق الأوسط».
ويعتقد أن هناك أجندة تقف وراء سياسة بعض الدول الغربية، بالنسبة للملف اليمني، مستشهداً بإحدى الدول التي كانت راعية لاتفاق السويد وحاضرة أثناء صياغة الاتفاق، والتي بدأت - حسب قوله - في الآونة الأخيرة «لترويج فكرة أن بنود الاتفاق كانت ضبابية، وهي حمالة لتفسيرات مختلفة». ويؤكد «على الأجندات الخفية التي تحرك الدول في الملف اليمني، والتي تبتغي مصالح لدولها، ضاربة عرض الحائط بمعاناة ومأساة أبناء اليمن، الذين خرجوا دفاعاً عن وطنهم قبل أن تلتهمه إيران، التي تشدقت بأن العاصمة العربية الرابعة باتت تحت قبضتها».

السياق القانوني

يشير الوزير إلى وجود تلكؤ واضح لدى الأمم المتحدة، على الرغم من سعي الحكومة الشرعية الحثيث إلى تجلية الفهم القانوني للاتفاق، وبيانها «مفهوم المسارات القانونية للسلطة، بما في ذلك مسألة الأمن وإدارة الموانئ والإيرادات وفرع البنك المركزي». ويقول إن الأمين العام للأمم المتحدة أكد للرئيس هادي في الساعات الأولى من صباح يوم 13 ديسمبر 2018 «أن الهدف في النهاية لهذا الاتفاق يتلخص في انسحاب الحوثيين والقوات الحكومية من موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى ومدينة الحديدة، وعودة سلطات الدولة الدستورية، ضمن جدول زمني وخريطة انتشار عسكري، أرفقتا بالاتفاق».
وكشف اليماني أن الاتفاق «خصص 4 أيام لانسحاب الميليشيات الحوثية من موانئ الحديدة، تحت إشراف لجنة تنسيق إعادة الانتشار، التي أنشئت بقرار مجلس الأمن 2451. وهي لجنة مكونة من الأمم المتحدة والحكومة اليمنية والميليشيات الحوثية، وقد فوّضها القرار حق التدقيق والمتابعة لتنفيذ اتفاق الحديدة»، مضيفاً: «العالم شهد المسرحية التي أنتجها الحوثي في ميناء الحديدة بعد أسبوعين من دخول الاتفاق حيز النفاذ، ليقوم بالانسحاب الصوري، ويسلم عناصره إدارة الميناء، ولما كشف الجنرال باتريك كومارت الأمر اعتُبر بنظر الحوثيين شخصاً غير مرغوب فيه، وفقد تدريجياً وظيفته، وما كان من الأمم المتحدة إلا البحث عن مخرج يليق بالمنظمة الدولية، حينما قالت إن عقد الجنرال كومارت كان قصيراً للغاية».

فرصة تلو أخرى

ولأن الحكومة الشرعية كانت حريصة على التعاطي الجاد مع الأمم المتحدة، استمرت في التعاون معها، حتى بعد انقضاء المدة الأولية المحددة لتنفيذ الاتفاق، وقامت بالموافقة على تمديد مهلة تنفيذ اتفاق الحديدة، الذي كان من المفترض الانتهاء منه مع نهاية ديسمبر 2018، وقدّم الرئيس هادي عرضاً للمبعوث الدولي في اجتماعه معه يوم 7 يناير (كانون الثاني) الماضي حول ضرورة تقديم خريطة طريق مزمنة لاتفاق الحديدة، وفق بنودها الأصلية، حتى يتم التضييق على الميليشيات للتنفيذ.
وبعد مرور شهر دون تنفيذ الاتفاق، وافقت الحكومة اليمنية - بحسب اليماني - «على تقدم البنود الإنسانية لاتفاق الحديدة على بنود إعادة الانتشار، بناء على طلب المبعوث الخاص؛ حيث أبرز برنامج الغذاء العالمي الحاجة للوصول إلى مطاحن البحر الأحمر، حيث تخزن كمية كبيرة من القمح، تساوي 51 طناً مترياً من القمح، أي 10 في المائة من كامل ميزانية البرنامج في اليمن للعام 2018، ما يكفي لتغذية 3.7 مليون نسمة طوال شهر كامل».
وفيما يشير اليماني إلى قصف الميليشيات الحوثية لمخازن القمح، وإتلاف نحو 20 في المائة من المخزون، قال إن الحكومة الشرعية بادرت «بحسن نية بإبلاغ برنامج الغذاء العالمي في 26 فبراير باستعدادها للتعاون، لإخراج كميات القمح عبر الطرق الآمنة في المناطق المحررة تحت سيطرة الجيش الوطني، لنقل الكميات وتوزيعها بحسب خطط البرنامج الإنسانية، وذلك بعد فشل كل من الجنرال كومارت، وتلاه الجنرال لوليسغارد، في فتح ممر آمن عبر شارع الستين، المعروف بشارع صنعاء، لنقل المواد الإغاثية».
وفي تعاون حكومي آخر مع الأمم المتحدة، وافقت الشرعية في 31 يناير على طلب الأمم المتحدة بتغيير رئيس لجنة تنسيق إعادة الانتشار، الذي كانت له تصريحات قوية عقب مغادرة المنصب، وجّه فيها الاتهام للميليشيات الحوثية بعرقلة جهود تنفيذ اتفاق استوكهولم حول الحديدة. إلا أن الميليشيات الحوثية أبدت تعنتها على الرغم «من كل المواقف المرنة التي أبدتها الحكومة، واستعداد الفريق الحكومي للمخاطرة بحياة أعضائه والذهاب لاجتماعات لجنة تنسيق إعادة الانتشار في مناطق سيطرة الانقلابيين، وتعرضهم للاستهداف المباشر في أكثر من مناسبة، وبشهادة الأمم المتحدة، ورفض الطرف الانقلابي المشاركة في الاجتماعات التي دعا إليها رئيس اللجنة الجنرال لوليسغارد في مناطق سيطرة الجيش الوطني».
وأوضح اليماني في مقاله، أن الوفد الحكومي عمل بجدّ مع الجنرال لوليسغارد، الذي قضى شهر فبراير في صياغة خطة بسيطة لمباشرة المرحلة الأولى من إعادة الانتشار، في خروج واضح عن الصيغة التي تمخضت عن اتفاقات استوكهولم، التي تلخصت في انسحاب الميليشيات الحوثية من موانئ الصليف ورأس عيسى، فيما تنسحب القوات الحكومية من مثلث الكيلو 8 الاستراتيجي.
وقال إن الحكومة «قبلت الانسحاب لما يقارب 4 كيلومترات من منطقة حيوية في عمق المدينة، فيما يشكل انسحاب الميليشيات من موانئ الصليف ورأس عيسى انسحاباً ضمن مساحتهم العملياتية العسكرية».
وفي 10 مارس (آذار) الحالي - كما يقول اليماني - وبعد اجتماعات متكررة للمبعوث الخاص خلال 6 زيارات إلى صنعاء للقاء قيادة الميليشيات، التي دأبت على إرسال التطمينات وتقديم الموافقات، فيما تترك للميليشيات في الحديدة رفض كل خطوة باتجاه تنفيذ الاتفاق، قدمت الحكومة اليمنية رؤية لحل إشكاليات الأمن في المناطق التي سيتم الانسحاب منها ريثما يتم حسم الأمر في المرحلة الثانية. وتتلخص الفكرة التي تنطلق من صلب القرارين 2451 و2452 في قيام لجنة مشتركة من الأطراف الثلاثة للرقابة على الانسحابات من موانئ الصليف ورأس عيسى ومثلث الكيلو 8.
وبعد أن قام الجنرال لوليسغارد - بحسب اليماني - بإبلاغ الأطراف لمباشرة التنفيذ، طلب الجانب الحوثي منحه مزيداً من الوقت للتشاور، ولم يأت الرد الحوثي إلا قبيل ساعتين من عقد جلسة مجلس الأمن المغلقة، التي دعت لها المملكة المتحدة في 13 مارس الحالي، فكان رد الحوثيين برفض المقترح الدولي والتهديد بتنفيذ الانسحاب من طرف واحد، في تكرار لمسرحية ميناء الحديدة في 29 ديسمبر 2018، وهي التسمية التي أطلقها الجنرال كومارت على مهزلة الانسحاب الحوثي.

نعي الاتفاق

يبدو أن الشرعية اليمنية توصلت إلى قناعة مطلقة بعدم جدوى الجهود المبذولة مع الميليشيات الحوثية، خاصة بعد أن أفشلت الجماعة جهود الجنرال كومارت، وأفشلت خطته لإطلاق قافلة إنسانية، ثم رفضت خطته لإعادة الانتشار، ثم أفشلت خطة لوليسغارد للوصول إلى المطاحن، ثم رفضت خطته لإعادة الانتشار.
يقول اليماني: «في كل هذه الخطوات، كانت الجماعة توافق وتستهلك الوقت، ثم ترفض أخيراً، دون أي اعتبار للجهود الدولية، ولا بمعاناة الشعب، ولا بضحايا الحروب التي تختلقها مع كل فرصة للسلام».
ويتساءل وزير الخارجية اليمني: «هل سيكون بمقدور السيد مارتن غريفيث، والجنرال لوليسغارد تنفيذ أي خطوة في اتفاق الحديدة، في الوقت الذي يرفض الحوثي فكرة الانسحاب، التي يرتكز عليها اتفاق الحديدة، بل يرتكز عليها مفهوم قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي يؤكد على ضرورة انسحاب الميليشيات الحوثية وتسليم الأسلحة؟!».
وأمام تعنت ورفض هكذا من الطرف الحوثي، يتساءل أيضا اليماني: «ماذا بقي لفرص السلام في اليمن، بعد أن جرّب المبعوث الخاص الخوض في تجربة الخطوات الصغيرة لبناء الثقة، التي فشلت بسبب تصلب موقف الحوثيين، ومن ورائهم إيران؟!».
ويعترف، فيما أشبه ما يكون ببيان نعي لأي عملية مشاورات جديدة مع الحوثيين، فضلاً عن كونها نعياً لاتفاق استوكهولم، بعدم جدوى أي مساعٍ لتجربة الحل الشامل، مستشهداً بفشلها في الكويت بعد أكثر من 100 يوم من المشاورات التي أنجزت الشق الأمني من الاتفاق الشامل، الذي وقّعت عليه الحكومة اليمنية، فيما هرب الطرف الحوثي من طاولة المشاورات.
وتساءل مجدداً: «هل الأفكار التي عرضت مؤخراً للقفز إلى الحلول النهائية ستجدي نفعاً مع طرف حوثي مغامر لا يعرف القانون الدولي، ولا يعي أهمية احترام التعهدات والاتفاقات؟!».


مقالات ذات صلة

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.