غادة السمان تنتهك «السرية» العاطفية

من التالي على قائمة الرسائل بعد غسان كنفاني وأنسي الحاج؟

غادة السمان
غادة السمان
TT

غادة السمان تنتهك «السرية» العاطفية

غادة السمان
غادة السمان

ليست الكتابة في عمقها سوى رسائل من نوع ما يبعث بها الكتّاب إلى جهات متعددة العناوين، دون أن يتلقوا بالضرورة إجابات عنها. وهذه الجهات قد تكون أنفسهم بالذات، وقد تكون بشراً أو أماكن وأزمنة مفقودة. قد تكون مسدّدة باتجاه المرئي الذي يهمنا أن نبوح له بمكنوناتنا ونتبادل معه الشجون والهواجس ووجيب القلب، أو باتجاه المجهول واللامرئي المستتر وراء غموضه الملغز، كما هو شأن الحياة والحب والموت ومعنى الوجود وأسئلته المرهقة. على أن ثمة فوارق غير قليلة بين الرسائل العامة التي تقارب شتى مناحي الحياة ووجوهها والمعَدّة أصلاً للنشر، وبين الرسائل الشخصية التي يكتبها العاشقون على نحو خاص من دون أن يضعوا في حسبانهم إمكانية تعميمها ودفعها إلى النشر في يوم من الأيام. فحيث يحرص الكاتب في النوع الأول، ومن ضمنه المذكرات والاعترافات وأدب السيرة، على إخفاء قدْر قليل أو كثير من سلوكياته وعيوبه وعوالمه الداخلية، يتخلى في النوع الثاني عن تحفظاته وأقنعته، ويقدم للطرف الآخر كشف حساب تفصيلي عن كل مكابداته وهواجسه ومشاعره المتأججة. وإذا كانت وسائل التواصل الشخصي بين البشر، بدءاً من الحمام الزاجل وعلَب البريد وسعاته ووصولاً إلى الرسائل الإلكترونية، قد حفلت بملايين الرسائل الركيكة أو البليغة، فإن بعض الرسائل العاطفية التي تبادلها عبر الزمن مبدعون ومبدعات متميزون، ترقى من حيث أساليبها التعبيرية العالية وعمقها الدلالي إلى مستويات الأدب الرفيع الذي يتجاوز طابعه العلاقات الثنائية المغلقة على نيرانها ليلامس الأغوار الأخيرة للنفس الإنسانية والهواجس المشتركة بين البشر. لا بل إن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز يذهب إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن «كل كتابة هي رسالة حب من نوع ما، وأن على المرء ألا يموت إلا بواسطة هذا الحب، وبواسطته يكتب أو يكفّ عن الكتابة».
تبدو الرسائل الأدبية من بعض وجوهها نوعاً من التعازيم التي تهدف إلى الانصهار بالآخر، أو ردم الهوة التي تفصلنا عنه، أو لاستعادته من عهدة الفقدان. كذلك كان حال تيد هيوز الذي أهدى لزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث ديوانه الشعري «رسائل عيد الميلاد»، بعد انتحارها المأساوي بسنوات، أو حال جمال الغيطاني الذي حاول في «رسالة في الصبابة والوجد» أن يربط بين حضارة سمرقند الغائرة في قلب التاريخ، وبين الجمال الأنثوي الذي ثُلم قلبه بين قبابها. ومع ذلك فإن الرسائل العاطفية المباشرة تكتسب نكهة خاصة لأنها أقرب إلى البوح الداخلي وهتْك الأحشاء منها إلى الرصانة والحذر وحسابات الرقابة الاجتماعية والأخلاقية. وهي إذ تُنشر على الملأ بعد ذلك، توفر للقارئ النهِم متعة الفضول والتلصص على الحيوات الغامضة لكبار المبدعين وما يكتنفها من تناقضات وشوائب وتصدعات داخلية عميقة. ولهذا تلقف القراء بشغف بالغ الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، أو تلك التي تبادلها هنري ميلر وإنييس نن، أو سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر. إن كاف المخاطبَ التي يعتمدها العشاق في رسائلهم تتجاوز الاسم الشخصي للمرسل إليه لتتحول إلى أداة للتقريب بين كل من لفحتهم رياح العشق، أو من ينتظرون بلا طائل حبيباً أرهقهم صدوده أو غيابه الطويل...
قد لا تكون الرسائل الشخصية والعاطفية التي يعمد كتّاب الغرب وساسته وفنانوه إلى نشرها على الملأ مدعاة للدهشة أو الاستهجان، لأن هؤلاء ليسوا محكومين بالتابوهات الاجتماعية والأخلاقية التي تجعل من كل اعتراف حميم أو بوح متجرئ نوعاً من الفضيحة الشخصية المجلجلة. وحيث يتحول أدب السيرة الغربي إلى شهادة صادقة عن الحياة الفعلية التي عاشها الكاتب، فإن معظم النماذج التي قدمها أدب السيرة العربي يعتمد على تمويه الحقائق والتستر على العيوب، وتقدم الحياة كما يرغب الكاتب في عيشها، لا كما حدثت بالفعل. وقد تكون غادة السمان من هذه الزاوية هي إحدى الرائدات الأكثر جرأة على انتهاك المحظورات، والأكثر إسهاماً في دحض المفاهيم الذكورية السائدة في بلاد العرب. ولعله من باب الإنصاف بالطبع أن نذكر نساء مماثلات، من أمثال ليلى بعلبكي في روايتها «أنا أحيا»، وأمل جراح في «الرواية الملعونة»، وصولاً إلى حنان الشيخ ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهن. لكن ما يميز غادة السمان، فضلاً عن الأهمية البالغة للسبق الزمني، هو ثراؤها الإبداعي الصادر عن شغف بالحياة قلّ نظيره، وعن شرر داخلي لا يتردد في توزيع نفسه بين الرواية والقصة والمقالة والشعر. وحتى في حواراتها الصحافية التي صدر آخرها في كتاب جامع تحت عنوان «تعرية كاتبة تحت المجهر»، نعثر على الكثير من اللقى والإصابات اللماحة التي لا تكف صاحبة «السباحة في بحيرة الشيطان» عن تسديدها إلى عقول القراء وقلوبهم في آن. فهي من تقول في إجابتها عن سؤال يتعلق بلغة الرواية وواقعها الحالي: «الرداء لا يصنع الراهب، والإناء الكريستالي لا يحتوي بالضرورة أجمل الأزهار». وهي من تصف فيروز بأنها «حنجرة الما وراء». وهي من تعبّر عن صعوبة مهمة التغيير المنوطة بها في عالم عربي بائس بالقول: «إنني لست سوى صَدَفة تحاول أن تُفرغ بحر الأحزان من مياهه».
لم يكن بالأمر المستهجن تبعاً لذلك أن تبادر غادة السمان، وبجرأة نادرة، إلى أن تنشر على الملأ الرسائل العاطفية المؤثرة التي سبق لغسان كنفاني أن بعث بها إليها في منتصف ستينيات القرن الفائت. وإذ تؤكد الكاتبة على عدم امتلاكها لأي من الرسائل التي بعثت بها إلى غسان، وتناشد من يحتفظون بها أن يفرجوا عنها، تبدو مقدمتا الكتاب كافيتين تماماً لإشعارنا بأن ذلك الحب لم يكن أبداً من طرف واحد، وأن علاقة بذلك الألق والبهاء لا يجب أن تكون مدعاة للخجل، أو أن تلفها غياهب النسيان: «نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، يقرع باب ذاكرتي ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين وإبرة (أنسولينه) وصخبه المرح، يجرني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة والفرح بلا أقنعة... والرسائل أيضاً». ولم يكن بالأمر المفاجئ في الوقت عينه أن تواجه صاحبة «لا بحر في بيروت» كل هذا القدر من الغبار والضجيج في عالم عربي تقوم معظم أدبياته على التقية الاجتماعية والأخلاقية، وعلى جعل الكتابة شأناً ذكورياً بامتياز، وأداة لإعادة إنتاج السائد في السياسة والدين والأخلاق ونظام القيم. وليس صحيحاً بأي حال الزعم بأن تقديم كنفاني في صورة العاشق المتيم يسيء إلى صورة الرجل المقاوم الذي يمثله، بل الصحيح أنه يقدم الوجه الإنساني المترع بالرقة لذلك المناضل الصلب الذي يرى في الأنوثة المحتجبة والوطن المغيب وجهين لحلم واحد، ويرى في المرأة، أنثى ومبدعة، رمزاً للجمال الأيقوني الذي يشع من وراء قبح العالم وفظاظته. ثم ألم يكن الافتتان بالمرأة المعشوقة هو الوجه الآخر للفروسية عند العرب، منذ خطر لعنترة أن يتوئم بين لمعان السيوف وبريق الشفاه، وحتى القولة الشهيرة «نحن قوم تذيبنا الأعين النجل\ على أننا نذيب الحديدا»، التي ينسبها البعض لأبي فراس الحمداني وينسبها آخرون لسواه. ولن يضير كنفاني في شيء قوله لغادة: «قيل في الهورس شو إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد»، ففي لغة العشق ليس ثمة من مجال للشعور بالمهانة، وإلا كيف نقرأ قول بابلو نيرودا لحبيبته: «أريد أصابع قدميك العشرة لكي آكل واحداً كل يوم»! ثم إن في الرسائل من جهة ثانية لغة مشدودة العصب ومترعة بالصور والمجازات: «كيف لم أتمسك بك يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوك؟ أيتها المرأة التي مثلكِ لا يُرى، أيها الشعر الذي ولد تحت جفني مثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح، أيتها العينان اللتان تمطران خبز القلب وملح السهول الجديبة. يا طليقة، كيف انخلعتِ هكذا عني؟ دونك لستُ إلا قطرة مطر ضائعة في سيل».
تبدو رسائل أنسي الحاج من ناحية ثانية، التي نشرتها السمان بعد رحيله، مفاجئة تماماً لقراء الشاعر الذي كان شديد التكتم على علاقاته وحياته الشخصية. فقد كان أنسي من الخارج غيره من الداخل. كما لو أنه كان يحشو جنونه وفوضاه داخل لغته المباغتة في تشكّلها وتمردها على السائد، فيما كانت ملامحه وسلوكه ينضحان بالرقة والخشوع الخفر. ولعل نعته بالقديس الملعون كان الترجمة المختزلة لمثل هذه المفارقة. على أن ما يلفتنا قبل كل شيء ليس فقط تنويه السمان بأنها لم تكتب لأنسي أي رسالة، بل اكتفاؤها في الآن ذاته بتقديم «حيادي» وشديد الإيجاز تشير فيه إلى مقاهي بيروت القديمة التي كان يلتقي فيها الكتاب والمثقفون، ولم يعد لها اليوم من أثر. أما الإشارة إلى عجزها عن تمزيق الرسائل لما تحمله من قيمة أدبية عالية، فتبدو بمثابة إقرار ضمني بأن علاقتها بأنسي لم تتجاوز حدود إعجابها بتجربته الإبداعية الرائدة. وما يلفت الانتباه أيضاً هو توضيحها للقراء أن أنسي لم يكن متزوجاً لدى كتابة رسائله إليها، فيما لم نجد في تقديمها لرسائل كنفاني مثل هذا التوضيح، كما لو أن الحب عندها لا سواه هو ما يعطي للعلاقات مسوغها ومشروعيتها الأخلاقية. واللافت هنا أن رسائل الحاج السبع كُتبت جميعها في الشهر الأخير من عام 1963 ثم انقطعت بعد ذلك، بما يشير إلى احتمالين اثنين، أولهما انتصار الكاتب لكرامته حين لم يلق من المرأة المعشوقة أي استجابة، وثانيهما أن يكون ما أقدم عليه مجرد مغامرة عاطفية جامحة سرعان ما خمدت نيرانها حين لم تجد سبيلاً إلى التحقق. «إنني بحاجة إليك» يقول أنسي لغادة في غير مناسبة. ولأنه ليس متأكداً من العكس فهو يبذل كل طاقته لكي يثبت لها صدق مشاعره نحوها ووطأة مكابداته. وحيث لا تأتي من الطرف المعشوق إشارات كافية للاطمئنان، تنفلت اللغة من عقالها لتتحول إلى حمى هذيانية ونداءات بلا عناوين: «اذهب أنت. اخرجوا من هنا بسرعة. خذوا الكراسي معكم. كُلوني في الخارج. لا أريد أن أرى أحداً. أحرقوا الكتب جيداً وفلّتوا الذئاب. اتركوا المفاتيح أمامي». وفي خطاب العشق الهذياني هذا ثمة دائماً حالات متناقضة تختلط فيها مشاعر الخجل والانسحاق والندم وتأنيب الذات وصولاً إلى هواجس الجنون والموت. وإذا كان هلدرلن قد رأى الحب بوصفه نوعاً من المرض المخجل، فإن أنسي يعتبر نفسه «مريضاً بسرطان الزمن والخيبة»، في استشراف حدسي مبكر للمرض الذي قتله بعد أكثر من خمسة عقود.
لقد وعدتنا غادة السمان أخيراً بكشف المزيد من المستور، وبنشر المزيد من الرسائل المودعة في مكان من قلبها شديد الظمأ إلى الحب، وفي مكان من عقلها بالغ الاستنارة. وإذا كان هذا الوعد موضع ترحيب واسع من قبَل الأوساط الثقافية العربية، كما يتراءى لي، فإن من حقنا جميعاً أن نطالب الكاتبة التي جعلت من البومة شعارها الأثير أن تُخرج رسائلها العاطفية من ظلمة الأدراج، ليس فقط لكي تقف مع الذين عشقوها على أرض الاعتراف المتبادل والجرأة المتكافئة. بل لكي تميط لقرائها اللثام عن أكثر وجوهها الأدبية التصاقاً بالقلب والتوتر التعبيري والمغامرة الإنسانية.



عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
TT

عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)

في سنّ الـ82، سيكون على المغنّي خوليو إغليسياس أن يواجه إحدى أصعب مراحل حياته، بعد اتهامات بالتحرّش الجنسي من عاملتَيْن كانتا تشتغلان في منزله في جزر الكاريبي. والجمعة، خرج المغنّي الإسباني عن صمته ونشر كلمة على حسابه في «إنستغرام»، نفى فيها تهمة «التحرّش أو الاستغلال أو التعامل بقلّة احترام مع أيّ امرأة». وأضاف أنّ الاتهامات الموجَّهة له من امرأتَيْن سبق لهما العمل في خدمته «كاذبة تماماً»، وقد سبَّبت له حزناً عميقاً.

وتعود القضية إلى عام 2021. ووفق معلومات نشرتها صحيفة «إل دياريو» الإسبانية وقناة «أونيفيزيون نوتيسياس»، فإنّ المدّعية الأولى كانت تبلغ 22 عاماً في وقت الحادثة، وزعمت أنها تعرّضت للعنف اللفظي والجسدي، وكانت مُجبرة على إقامة علاقة مع المغنّي الذي سحر ملايين النساء في أنحاء العالم في ثمانينات القرن الماضي بأغنيات الحبّ الرومانسي. وأضافت: «كنتُ أشعر بأنني عبدة له ومجرّد شيء يستخدمه كلّ ليلة تقريباً». أما المدّعية الثانية فكانت تعمل معالجة نفسية لدى المغنّي، وتزعم أنه «قبَّلها في فمها ولمس جسدها لمسات غير مقبولة، وعانت إهانات في جوّ من المراقبة والتحرُّش والرعب».

وفي منشوره، قال المغنّي المُعتزل إنه لا يزال يمتلك القوة ليكشف للناس عن الحقيقة ويدافع عن كرامته ضدّ هذا الهجوم الخطير. كما أشار إلى عدد الرسائل التي وصلته من أشخاص يعربون عن دعمهم له ويؤكّدون فيها ثقتهم به.

بعد خروج القضية إلى العلن، ظهر على السطح تسجيل مصوّر لخوليو إغليسياس يعود إلى عام 2004. ويبدو المغنّي في الشريط المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يقبّل بالقوة مذيعة تلفزيونية في برنامج يُبثّ على الهواء. وتُشاهد المذيعة وهي تحاول صدّه وتذكيره بأنه متزوّج، لكن كلامها لم يؤثّر في المغنّي الذي باعت أسطواناته ملايين النسخ. ووفق صحيفة «الصن» البريطانية، فإنّ القضاء الإسباني يُحقّق في الشكويين المقدّمتين من المدّعيتين إلى محكمة في مدريد.

يُذكر أنّ المغنّي كان قد وقَّع عقداً مع منصّة «نيتفليكس» لإنتاج فيلم عن حياته، على أنه أول فنان غير إنجليزي يدخل الأسواق الأميركية والآسيوية، وليُصبح واحداً من أفضل 5 بائعي التسجيلات في التاريخ. فخلال أكثر من 55 عاماً من مسيرته الفنّية، أدّى خوليو إغليسياس أغنيات بـ12 لغة، محقّقاً شهرة لم يبلغها فنان من مواطنيه.


موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
TT

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)

شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 موجةً واسعة من الحنين إلى الماضي على الإنترنت، حيث اتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استعادة ذكريات سابقة من خلال نشر صور قديمة مُعدّلة بفلاتر بسيطة، مرفقة بتعليق شائع يقول: «2026 هي 2016 الجديدة».

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، لاحظ مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، أثناء تصفحهم «إنستغرام» أو «تيك توك»، منشورات تُظهر حواجب مرسومة بعناية مع فلتر «سناب شات» على شكل جرو، أو صوراً رديئة الجودة التُقطت بهواتف «آيفون» لأشخاص يلعبون لعبة «بوكيمون غو»، في مشاهد تعبّر عن رثاء للعقد الماضي، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

ومنذ بداية العام الجديد، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصورٍ تُظهر أشخاصاً ينبشون أرشيفاتهم الرقمية التي تعود إلى ما قبل عشر سنوات، ويشاركون صوراً مُجمّعة ومقاطع فيديو منخفضة الجودة توثّق تلك المرحلة الزمنية.

وأفادت منصة «تيك توك» بأن عمليات البحث عن مصطلح «2016» ارتفعت بنسبة 452 في المائة خلال الأسبوع الأول من العام، كما تم إنشاء أكثر من 56 مليون مقطع فيديو باستخدام فلتر ضبابي مستوحى من أجواء ذلك العام.

وانضم المشاهير والمؤثرون إلى هذه الموجة أيضاً؛ إذ نشرت النجمة سيلينا غوميز صوراً قديمة لها من جولتها الغنائية في تلك الفترة، بينما نشر تشارلي بوث مقطع فيديو له وهو يغني أغنيته الشهيرة من عام 2016 «We Don't Talk Anymore».

إذاً.. لماذا عام 2016؟

إلى جانب كونه الذكرى السنوية العاشرة، كان عام 2016 حافلاً بظواهر ثقافة البوب؛ فقد أصدرت بيونسيه ألبوم «Lemonade»، وظهرت تايلور سويفت بشعرها الأشقر في مهرجان كوتشيلا. كما هيمنت أغاني ذا تشينسموكرز ودريك على الإذاعات، وظلت منصة الفيديوهات القصيرة «فاين» تحظى بشعبية جارفة قبل إغلاقها في يناير (كانون الثاني) عام 2017.

لكنّ الأمر لا يقتصر فقط على جماليات المبالغة والرموز الثقافية التي تقف خلف عبارة «2026 هو 2016 الجديد». إذ يبدو أن مستخدمي الإنترنت يستغلون هذه اللحظة لاستعادة ذكريات عالم كان أبسط وأقل تعقيداً من عالمنا الحالي.

ففي عام 2016، كانت جائحة «كورونا» لا تزال بعيدة الاحتمال. ولم تكن ولايتا دونالد ترمب الرئاسيتان قد بدأتا بعد، كما لم تكن المعلومات المضللة التي يولدها الذكاء الاصطناعي قد غزت منصات التواصل الاجتماعي.

وكتب أحد مستخدمي تطبيق «إكس» تعليقاً على هذه الظاهرة: «أتمنى لو أعود إلى عام 2016.. يا له من زمن رائع كنا نعيشه!».

لكن في المقابل، وبينما قد تُصوّر هذه الظاهرة المتفائلة عام 2016 على أنه الهدوء الذي سبق العاصفة، جادلت الكاتبة كاتي روسينسكي من صحيفة «إندبندنت» بأن المشاركين في هذه الموجة يتغاضون عن حقيقة أن ذلك العام شهد صعوبات مثل غيره من الأعوام، من بينها وفاة رموز ثقافية بارزة مثل برينس، وديفيد باوي، وكاري فيشر.

وتابعت روسينسكي: «إن إعادة ابتكار عام 2016 بوصفه ذروة مبهجة، تُثبت قدرتنا المستمرة على الحنين إلى الماضي، وقدرتنا على تحويل حتى الأوقات الصعبة إلى لحظات جديرة بالذكرى بعد مرور بضع سنوات فقط».


لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
TT

لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)

كشفت دراسة حديثة أن قضاء أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو قد يكون له تأثير ملحوظ على النظام الغذائي، وجودة النوم، ووزن الجسم لدى فئة الشباب.

وتوضح الدراسة أن اللعب بشكل متقطع أو معتدل لا يبدو ضاراً إلى حد كبير، غير أن التأثيرات الصحية السلبية تبدأ في الظهور بشكل واضح فور تجاوز مدة اللعب حداً معيناً، بحسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كورتين في مدينة بيرث الأسترالية، حيث شملت دراسة استقصائية 317 طالباً من خمس جامعات أسترالية، بمتوسط أعمار بلغ 20 عاماً.

وقسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث فئات، اعتماداً على عدد الساعات التي أفادوا بقضائها أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو. وضمت الفئة الأولى «لاعبين قليلين» ممن يقضون من صفر إلى خمس ساعات أسبوعياً، بينما شملت الفئة الثانية «لاعبين متوسطين» يقضون ما بين خمس وعشر ساعات، أما الفئة الثالثة فكانت «لاعبين كثيرين» ممن يمارسون الألعاب لأكثر من عشر ساعات أسبوعياً.

ولم يرصد فريق البحث فروقاً تُذكر بين اللاعبين القليلين ومتوسطي الوقت فيما يتعلق بجودة النظام الغذائي أو النوم أو وزن الجسم. إلا أن النتائج اختلفت بشكل واضح لدى الطلاب الذين يقضون أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في اللعب، إذ أظهرت هذه الفئة مؤشرات صحية أسوأ بصورة ملحوظة.

وقال البروفسور ماريو سيرفو، الباحث في مجال صحة السكان والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، في بيان: «ما لفت انتباهنا هو أن الطلاب الذين يمارسون ألعاب الفيديو لمدة تصل إلى عشر ساعات أسبوعياً بدوا متشابهين للغاية من حيث النظام الغذائي والنوم ووزن الجسم».

وأضاف: «لكن الاختلافات الحقيقية ظهرت لدى أولئك الذين تجاوزوا عشر ساعات أسبوعياً، حيث برز تباين واضح بينهم وبين بقية العينة».

وأشارت النتائج إلى تراجع كبير في جودة النظام الغذائي لدى اللاعبين الذين يقضون الكثير من الوقت على الألعاب الإلكترونية، كما كانوا أكثر عرضة للتصنيف ضمن فئة السمنة.

ووفقاً للباحثين، ارتبطت كل ساعة إضافية يقضيها المشاركون في ممارسة ألعاب الفيديو أسبوعياً بانخفاض ملحوظ في جودة النظام الغذائي، حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل مستويات التوتر، والنشاط البدني، وأنماط الحياة المختلفة.

أما جودة النوم، فكانت ضعيفة نسبياً لدى جميع المشاركين، إلا أن اللاعبين الذين يقضون ساعات متوسطة أو مرتفعة في اللعب أبلغوا عن نوم أسوأ مقارنةً بأولئك الذين يقضون وقتاً أقل. كما أظهر التحليل وجود علاقة وثيقة بين فترات اللعب الطويلة واضطرابات النوم، خصوصاً عندما يمتد اللعب إلى ساعات متأخرة من الليل.

ورغم أن الدراسة لم تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإن الباحثين وصفوا هذه النتائج بأنها مثيرة للقلق.

وأوضح المؤلفون أيضاً أن ألعاب الفيديو في حد ذاتها ليست ضارة بالضرورة، بل يمكن أن تقدم فوائد اجتماعية أو معرفية. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في الإفراط في ممارستها، إذ يؤدي ذلك إلى إهمال عادات صحية أساسية، مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول وجبات متوازنة، والحصول على قدر كافٍ من النوم.