يشكل الحرس الوطني شبكة عريقة من الاحتياطيين تعود إلى عدة قرون، ولعبت مرارا دورا حاسما في مدن أميركية كبيرة شهدت اضطرابات أو كوارث طبيعية أو في الخارج، كما وقع في العراق وأفغانستان. والوحدات التي وصلت أول من أمس إلى ميزوري (وسط) لمساعدة الشرطيين في شوارع فيرغسون المتوترة، هي آخر نقطة ساخنة ينتشر فيها الحرس الوطني. لعب الحرس الوطني أدوارا مهمة في عدة مناسبات؛ من مساعدة ضحايا الإعصار «كاترينا» في نيو أورلينز في 2005، إلى تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب في الخارج، أو مواجهة متظاهرين يعارضون الحرب خلال السبعينات.
وتعود جذوره إلى فترة سبقت ولادة الولايات المتحدة، عندما تشكلت ميليشيات في القرن السابع عشر لمكافحة البريطانيين. وحصلت تلك القوات على مزيد من الصلاحيات عبر الدستور، وحارب الكثير من عناصرها خلال الحرب الأهلية والحرب العالمية الأولى وغيرهما من النزاعات.
وفي 1933 جمع الكونغرس تلك القوات في نظام وطني يشبه قاعدة عسكرية احتياطية.
ويضم الحرس الوطني اليوم 460 ألف رجل معظمهم من الاحتياط ويعملون في الأيام العادية أساتذة ومزارعين ومهندسين.. لكنهم يلتزمون الخدمة «في عطلة نهاية أسبوع في الشهر وأسبوعين في السنة». لكن هؤلاء الاحتياطيين استدعوا بأعداد كبيرة منذ 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في مهمات تدوم أحيانا سنة كاملة، وتطور دورهم وأصبحوا لا يشكلون فقط قوة احتياطية فحسب، بل قوة عملانية في المعركة.
وقام أكثر من 70 ألف رجل منهم بمهمات في أفغانستان والعراق، وقتل 497 من الحرس الوطني في «الحرب على الإرهاب».
وقال تشارلز دانلاب مدير مركز القانون والأخلاقيات والأمن الوطني في كلية الحقوق في جامعة ديوك، إن «الكثير من عناصر الحرس الوطني قضوا نفس الوقت في الخدمة الفعلية منذ 11 سبتمبر إلى حد أنه لا يمكن تقريبا أن تفرق بينهم وبين الجنود العاديين من حيث الكفاءات العسكرية». وحتى الحرس الوطني ذاته فإنه يشدد على كون وحداته مهيأة للحرب.
وقال ريك برايتنفيلتد الناطق باسم الحرس الوطني إن «تقنيات الحرب والتجهيزات الضرورية لكتيبة مقاتلة من أجل تحقيق نتائج في أفغانستان تسمح أيضا بمواجهة كارثة طبيعية في الولايات المتحدة». وثبتت تلك الكفاءات في 2005 عندما اجتاح الإعصار «كاترينا» لويزيانا (جنوب) وانتشر هناك أكثر من 50 ألفا من رجال الحرس الوطني أتوا من خمسين ولاية فيما شكل أكبر ساحة عمليات في تاريخ الأراضي الأميركية. وأنجزوا مهمات بحث وإغاثة وتنظيف الطرق وتوزيع الطعام ومساعدة أجهزة الشرطة على استعادة النظام بعد أن زرع الإعصار الفوضى في نيو أورلينز. وقبل ذلك بسنوات كانت تلك الوحدات اكتسبت شهرة خلال المواجهات من أجل الحقوق المدنية. وفي 1957 استعمل حاكم أركنساس (جنوب) عناصر الحرس الوطني لمنع الطلاب السود من دخول الثانوية المركزية في ليتل روك.
وعكس الرئيس دوايت أيزنهاور الأوامر بإضفاء النظام الفيدرالي على الحرس الوطني في أركنساس، وباستعماله عكس ذلك لإنهاء التمييز العنصري في المدارس. كذلك ساعد الحرس الوطني في استعادة الهدوء خلال اضطرابات لوس أنجليس في 1964 وواشنطن في 1968 بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ، وفي 1992 أيضا في لوس أنجليس بعد اضطرابات عرقية. وشهد الحرس الوطني أحلك ساعاته في 1970 عندما قتل عناصره أربعة طلاب عزلا من جامعة كنت في أوهايو كانوا يحتجون على الحرب في فيتنام. وشدد دانلاب على أن الحرس الوطني سيلعب في فيرغسون دور السند وسيمتنع عن تأجيج التوتر بين الأعراق.
واستخدام الحرس الوطني لقمع الاضطرابات المدنية، ولا سيما تلك الاضطرابات المتعلقة بالعرق كما هو الحال في فيرغسون، له تاريخ طويل في الولايات المتحدة الأميركية؛ حيث يعود تاريخ الحرس الوطني، في شكله الحديث، إلى عام 1903، عندما مرر الكونغرس قانونا لتنظيم ميليشيات الولاية، والتنسيق بينها وبين الجيش النظامي، وذلك في أعقاب الحرب الإسبانية - الأميركية، والعصيان الفلبيني الذي تلا ذلك.
ولكن كانت الميليشيات نفسها موجودة تقريبا منذ بداية الاستيطان الأوروبي، وأصبح مفهوم «الحرس الوطني» شائعا بالنسبة لهم قبل اندلاع الحرب الأهلية؛ حيث أشار مقال بصحيفة «نيويورك تايمز» يعود لعام 1855 إلى «الحرس الوطني» باعتباره إحدى الوحدات العسكرية التي قمعت أحد أعمال الشغب التي قام بها المقيمون الألمان في شيكاغو، ممن كانوا يعترضون على قانون يقضي بغلق الأندية يوم الأحد، وزيادة الرسوم على تراخيص بيع الخمور.
كانت أعمال الشغب التي شهدتها مدينة نيويورك عام 1863 واحدة من بين أكبر الاضطرابات المدنية التي تعاملت معها وحدات الحرس الوطني في القرن الـ19 رغم نشر ميليشيا ولاية نيويورك ضد الكونفدرالية عندما اندلعت أعمال العنف.
وبينما لا يمكن اعتبار أرشيف صحيفة «التايمز» بمثابة مصدر شامل للمعلومات حول تورط الحرس الوطني في مثل هذه الصراعات، إلا أنها لم توضح أن المواجهات التي حدثت جراء الاضطرابات العمالية كانت موضع اهتمام الحرس الوطني في العقود الأخيرة من القرن الـ19؛ حيث كان عمال المناجم وكذلك عمال السكك الحديدية من بين هؤلاء الذين نظموا أنفسهم للإضراب، مما دفع الحكام إلى استدعاء وحدات الحرس الوطني، وجرى أيضا استدعاء ميليشيات الولاية لإخماد الاضطرابات العرقية في - من بين أماكن أخرى - ويلمنغتون عام 1898، ووسبرينغفيلد عام 1908.
لعبت قوات الحرس الوطني أيضا دورا في صراعات الحقوق المدنية في الخمسينات وأوائل الستينات؛ فقد دعا حاكم ولاية أركنساس لتدخل الحرس الوطني لكبح جماح الطلاب السود بمدرسة ليتل روك الثانوية عام 1957 (وجرى سحبهم في وقت لاحق تحت ضغط من الرئيس أيزنهاور)، ولكن قامت قوات الحرس الوطني التي تخضع للسيطرة الفيدرالية بإلغاء الفصل العنصري في جامعة ميسيسيبي عام 1962، وجامعة ألاباما عام 1963، وقامت بحماية مسيرات المتظاهرين في سيلما لولاية ألاباما عام 1965.
وفي وقت لاحق من هذا العقد، قد يعود الحرس الوطني إلى دوره التقليدي في قمع الإضرابات، مثلما كان الحال في حي واتس بلوس أنجليس في 1965، وفي كليفلاند ودايتون وأوهايو عام 1966، وديترويت ونيوآرك عام 1967 وتقريبا في كل الأماكن بالدولة، عقب اغتيال الدكتور مارتن لوثر كينغ في 1968.
ومن خلال البحث في أرشيف صحيفة «التايمز» عن مصطلح «الزنوج» (مثلما كان يشار إلى الأفريقيين - الأميركيين في ذلك الوقت) و«الحرس الوطني» على مدى السنوات الست الأكثر اضطرابا أثناء تلك الحقبة، وُجد أن 655 مقالا، يتناول الكثير منها الاضطرابات العرقية أو إلغاء الفصل العنصري داخل الحرس الوطني نفسه.
ويتضمن أرشيف صحيفة «التايمز» في السنوات الست الأخيرة فقط 30 مقالا عن مصطلحات مثل «الحرس الوطني» و«الأفارقة الأميركيين» أو «السود»، ولم يشر أي منها إلى المواجهات ذات الدوافع العنصرية الراهنة، باستثناء تلك الموجودة في فيرغسون.
«الحرس الوطني» في الولايات المتحدة لعب أدوارا حاسمة في الداخل والخارج
يضم 460 ألف رجل معظمهم من الاحتياط.. ويعملون في الأيام العادية أساتذة ومزارعين ومهندسين
رجال شرطة يواجهون المتظاهرين مساء أول من أمس في فيرغسون..والصورة مأخوذة بعدسة مصورة وكالة «غيتي» سكوت أولسون الذي اعتقل أمس لساعات عدة (أ.ف.ب)
«الحرس الوطني» في الولايات المتحدة لعب أدوارا حاسمة في الداخل والخارج
رجال شرطة يواجهون المتظاهرين مساء أول من أمس في فيرغسون..والصورة مأخوذة بعدسة مصورة وكالة «غيتي» سكوت أولسون الذي اعتقل أمس لساعات عدة (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
