شلل في مدارس الجزائر ومحاكمها تنديداً بـ«تمديد العهدة الرابعة»

لعمامرة يؤكد أن الحكومة مستعدة للحوار مع المعارضة... والإبراهيمي يناشد المواطنين عدم استعجال الانتخابات الرئاسية

مسيرة لمعلمات جزائريات في وسط العاصمة أمس (إ.ب.أ)
مسيرة لمعلمات جزائريات في وسط العاصمة أمس (إ.ب.أ)
TT

شلل في مدارس الجزائر ومحاكمها تنديداً بـ«تمديد العهدة الرابعة»

مسيرة لمعلمات جزائريات في وسط العاصمة أمس (إ.ب.أ)
مسيرة لمعلمات جزائريات في وسط العاصمة أمس (إ.ب.أ)

في حين قاطعت كل المدارس الجزائرية والكثير من المحاكم، أمس، العمل، تنديداً برفض الرئيس بوتفليقة التنحي عن الحكم، نفى الأخضر الإبراهيمي، مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا سابقاً، أخباراً تحدثت عن تكليفه بالإشراف على «ندوة وطنية»، تعهّد الرئيس بتنظيمها قبل نهاية العام لتحديد تاريخ رئاسية جديدة، وتعديل الدستور عن طريق استفتاء شعبي.
ونظم الآلاف من أساتذة وموظفي القطاع التعليمي مظاهرات ومسيرات، تلبيةً لنداء بالإضراب والاحتجاج، صدر عن «التكتل النقابي لقطاع التعليم»، الذي تعوّد على شل المدارس في إطار مواجهات طويلة سابقة مع وزارة التعليم. وتجمع بساحة «البريد المركزي» في العاصمة المئات من المنتسبين إلى التعليم، رافعين شعارات تستنكر «مراوغات النظام ومناوراته، التي تهدف إلى الالتفاف على مطالب الشعب». في إشارة إلى رحيل بوتفليقة عن الحكم، وألا يكون له أي دور في ترتيب شؤون السلطة في المرحلة المقبلة.
وكان الرئيس قد أعلن، الأحد الماضي، عن تأجيل الرئاسية التي كانت منتظَرة في 18 من أبريل (نيسان) المقبل، وتعهّد بعدم الترشح لعهدة خامسة. غير أنه أظهر عزماً على البقاء في الحكم، كما أعلن أنه سينظم «ندوة وطنية»، تشارك فيها المعارضة وأحزاب السلطة، بغرض الاتفاق على رئاسية جديدة من دون أن يترشح لها، وعلى مضمون تعديل للدستور. وعُد ذلك بمثابة تمديد لعهدة الرئيس الرابعة، التي تنتهي قانونياً في 28 من أبريل المقبل، على اعتبار أنه أدى القسم الدستوري في نفس التاريخ من عام 2014، إيذاناً يومها ببدء ممارسة فترة رئاسية جديدة.
وتوقفت محاكم قسنطينة وميلة وجيجل بالشرق، عن العمل، وخرج القضاة وكتاب الضبط والمحامون إلى الشارع للتظاهر ضد رفض الرئيس التنحي. كما عبروا عن رفضهم «عودة الحرس القديم»، ممثلاً في وزير الداخلية نور الدين بدوي، الذي عيّنه الرئيس رئيساً للوزراء خلفاً لأحمد أويحيى المرفوض من طرف المتظاهرين، ورمضان لعمامرة وزير الخارجية سابقاً، الذي عُيِّن نائباً لرئيس الوزراء، والأخضر الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق، الذي استنجد به الرئيس في إطار ترتيب جديد للسلطة.
وأوضح الإبراهيمي في مقابلة مع التلفزيون الحكومي، أن ما أُشيع عن أن الرئيس عهد إليه رئاسة «الندوة الوطنية» المنتظرة «غير صحيح». وقال بهذا الخصوص: «أنا لست بحاجة إلى المناصب، ولم يتم تكليفي برئاسة الندوة الوطنية التي دعا إليها الرئيس، الجزائر... أنا عجوز أبلغ من العمر 85 عاماً، وبيروقراطي سابق. لكن من حقي التعبير عن رأيي في الأوضاع التي تعيشها البلاد لأنني مواطن جزائري. البلد مثلما قلت في وضع خطير، يدعو إلى التفاؤل والخوف في الوقت نفسه». مشيراً إلى أن لقاءه مع بوتفليقة بعد عودته السبت الماضي من رحلة علاج إلى جنيف، «كان في إطار زيارة مجاملة». مشدداً على أنه لم يتلقَّ أي دعوة من أي جهة بخصوص ترتيب شؤون البلاد في المرحلة المقبلة. وزاد موضحاً: «لقائي مع الرئيس لم يكن استدعاءات كما ادّعى البعض. افتراء وكذب من يقول إنه يرسل لي طائرات لأظهر في صور مع الرئيس... لقد تحدثت مع الرئيس بوتفليقة ووجدت قواه العقلية سليمة مائة في المائة. وعندما تكلّمت معه كان صوته ضعيفاً جداً، هو لا يستطيع قراءة خطاب، ومن باب الصداقة قلت له أَعِد ما قلت لأنني لا أسمعك جيداً، فكرر ما قال. أؤكد لكم أنه يستطيع تحريك يديه بينما رجلاه عاطلتان». مشيراً إلى أن «كل مَن قال بأن الرئيس مهدد بالموت، أقول له: مَن منّا ليس مهدداً بالموت؟ ليس هناك خطر على صحة الرئيس».
وأثنى الإبراهيمي على المظاهرات الشعبية، التي خرج إليها مئات الآلاف من الجزائريين، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. مبرزاً أن «المسيرات الشعبية أبهرت الداخل والخارج بسلميتها».
ورداً على ذلك، نشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو للإبراهيمي، يعود إلى 2012، ذكر فيه أن جيله وجيل بوتفليقة «انتهى»، وأنه لا بدّ من تسليم المشعل للشباب. أما الصحافي المدوّن عادل صياد، فقد علق على ذلك بقوله: «اليوم في 2019 وبوتفليقة مقعد ومريض، يأتي الإبراهيمي لإنقاذ حكمه ويقول إن عقله سليم مائة في المائة. إنّك تكذب يا سيّد الأخضر الإبراهيمي!».
وبسؤال الإبراهيمي عن تصريحات سابقة لأويحيى، جاء فيها أن مظاهرات الجزائر قد تنزلق بالبلاد إلى ما آلت إليه سوريا، رد الإبراهيمي موضحاً: «ما ذكره أويحيى صحيح. فسوريا بدأت سلمية، قادها عدد من الطلاب. ولكن انظروا للأزمة إلى أين وصلت اليوم، حيث استعمل السلاح بسرعة».
واعتبر الدبلوماسي الأممي السابق أن رفع المتظاهرين شعارات منادية بعدم التدخل الأجنبي «دليل وعي للجيل الجديد، فالتدخل الخارجي حطم البلدان، وبالتالي فإن رد فعل الناس العفوي هو محل فخر». وزاد موضحاً: «ليس لديَّ تصور كامل عن الجمهورية الثانية (يطالب بها المتظاهرون)، لكننا مطالَبون بأن نمشي في اتجاهها بحذر، ونستفيد من تجاربنا السابقة... فالتغيير مطلوب».
وحذر الإبراهيمي من «تحطيم دولتنا كما حُطمت ليبيا وسوريا من قِبل الأجانب. نعم للتغير... ونعم لمحاربة الفساد الموجود. لكن لا لتحطيم البلاد والدولة، يجب علينا البحث عن الأمور التي تستدعي التغيير ونغيّرها. والتغيير الشامل اليوم يجب أن يكون بالسرعة الممكنة، وليس بالسرعة غير الممكنة». مشدداً في هذا السياق على أن «الجزائر في منعرج كبير، والأخطار حقيقية وكثيرة. لكن أيضاً الفرصة ذهبية»، ومحذراً من أنه «يوجد داخل البلد وخارجها مَن يتربص باستقرارها».
من جهته، أكد رمطان لعمامرة، نائب رئيس الوزراء الجزائري، للإذاعة الحكومية، أن الندوة الوطنية ستُعقد وتنتهي قبل نهاية العام الجاري، وأن الحكومة مستعدة للحوار مع المعارضة، وقال بهذا الخصوص: «يمكن أن نخرج بقرارات نهائية خلال الصيف المقبل، والأكيد أن الجميع سيعمل على أن تتم الأمور في أقرب الآجال الممكنة». مبرزاً أنه سيتم إشراك المواطنين في تعديل للدستور من خلال تنظيم استفتاء شعبي.
وعن احتمال عزوف المعارضة عن المشاركة في الندوة الوطنية، قال لعمامرة إنه «متفائل بحماسة كل مكونات المجتمع الجزائري، بمختلف توجهاته، باعتبار أن الندوة قائمة أساساً على لمّ الشّمل لصالح الوطن. وسنعمل على إقناع أكبر عدد ممكن من الجزائريين، بهذه الورشة الوطنية الضخمة».
أما بخصوص مفهوم «الجمهورية الثانية»، فقال لعمامرة إن «الجزائر ستبقى دائماً جمهورية ديمقراطية بأبعادها الثلاثة: الإسلامية والعربية والأمازيغية... ونحن مطالبون على غرار الجيش الوطني الشعبي ومؤسسات الأمن، بالتجنيد لخدمة الوطن، خصوصاً أننا نمر بمرحلة تتطلب منا جميعاً توخي الحذر، واليقظة والالتزام بتنفيذ توجيهات الرئيس بوتفليقة».
بدوره، قال أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش الجزائري ونائب وزير الدفاع، لتلفزيون «النهار»، أمس، إن الجيش سيحافظ على أمن البلاد «مهما كانت الظروف والأحوال». مشدداً على أن «أمن الجزائر وسيادتها أمانة غالية لدى أفراد الجيش».
في غضون ذلك، قال «معهد واشنطن» في دراسة عن أحداث الجزائر، إنه «على الولايات المتحدة أن تستعد لاحتمال استمرار الاضطراب في الجزائر، وأن تعمل بهدوء مع الحلفاء العرب والأوروبيين على حث الجزائر على وضع خريطة طريق موثوقة للخروج من المأزق».
وجاء في الدراسة أيضاً: «على واشنطن أن تأخذ في الاعتبار بشكل مناسب هواجس المحتجّين، كما عليها النظر في توسيع قنوات الالتزام لتشمل المحادثات بين قيادة الولايات المتحدة في أفريقيا (أفريكوم) ورئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، الذي سبق أن تعهد بالحفاظ على استقرار البلد وأمنه».
وأوضحت الدراسة أن «المظاهرات ليست غريبة على الجزائر. ففي السنوات الأخيرة، شهد البلد آلاف الاحتجاجات الصغيرة النطاق حول مسائل محلّيّة مثل الحصول على الإسكان والوظائف. غير أن الموجة الأخيرة هي الأكبر والأوسع انتشاراً منذ سنة 2011، حين اجتاحت مجموعة من الانتفاضات جزءاً كبيراً من الشرق الأوسط، وتمكّنت الجزائر من تفادي الأسوأ من ذلك الصراع، ويعود جزءٌ من السبب إلى ذكريات حربها الأهلية التي دامت لعقد من الزمن في التسعينات، والتي يبدو أنها ثبّطت العزيمة على زيادة التعبئة، وأيضاً إلى إسراع الحكومة في استخدام مواردها لزيادة منافع الرعاية الاجتماعية. لكن لا يبدو أن أياً من الرادعَيْن ينفع اليوم».
مشيرةً إلى أن السبب الرئيسي لانفجار الشارع هو ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، «أما الأسباب الأعمق، فتعود إلى تصلّب النظام السياسي وتدهور الاقتصاد. فمنذ الحصول على الاستقلال من فرنسا في سنة 1962، حكم الجزائر تحالفٌ غامض من القادة العسكريين والمسؤولين الاستخباراتيين ونخب رجال الأعمال والسياسيين. وعلى مر العقود، انبثقت شرعية هذه الفصيلة إلى حد كبير من واقع أن الكثيرين من أعضائها شاركوا في النضال من أجل الاستقلال».
في سياق ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أمس، أنها تأمل أن تجد الجزائر التي تواجه حركة احتجاج غير مسبوقة لنظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تسوية عبر «الحوار الوطني» تضمن «الاستقرار».
وفي بيان للوزارة قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا: «نأمل أن تتم تسوية المشكلات التي تبرز بشكل بنّاء ومسؤول عبر الحوار الوطني». كما أعربت عن الأمل في أن تكون هذه التسوية «موجهة بوضوح نحو ضمان الاستقرار والشروط المواتية لتقدم الجزائر التدريجي على طريق الإصلاحات السياسية والاجتماعية - الاقتصادية في مصلحة كل شعب الجزائر».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.