نحو الثورة «الكوبرنيكية» الثانية

كوبرنيكوس
كوبرنيكوس
TT

نحو الثورة «الكوبرنيكية» الثانية

كوبرنيكوس
كوبرنيكوس

لقد أحدث العالم البولندي «نيكولاس كوبرنيكوس» ثورة حقيقية في تاريخ العلوم، وسط سخط ورفض المؤسسات الدينية والعلمية كافة في القرن السادس عشر، فوضع اللبنة الأولى ليس فقط لعلم الفلك الحديث، ولعل الأهم أنه غرس بذرة العمل على فصل الدين عن العلم، باعتبار الأول له مجاله الإنساني، وأهدافه العقائدية النبيلة، بينما الثاني له ناموسه المبني على قواعد وقوانين الطبيعة التي خلقها المولى، عز وجل.
لقد كان العالم يعتنق حتى القرن السادس عشر المنظومة النظرية التي أرساها العالم الروماني «بوتولوميك» في القرن الثاني الميلادي، والتي كانت تتمحور حول «مركزية الأرض»، أي أن الأرض ثابتة، وهي مركز الكون، فتدور حولها الشمس والكواكب، وثبات الأرض هنا بُني على عدد من النظريات والحسابات الإغريقية القديمة «لفيساغورس» و«أرسطو». ومع التسيد غير المبرر للكنيسة الكاثوليكية للمشهد في مجال العلوم، فقد أضفت على هذه النظرية قدسية دينية، استناداً إلى تفسيرات الكتاب المقدس، ومنها «المؤسس الأرض على قواعدها، فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد»، وغيرها من النصوص، فكان من الصعب مع مرور القرون أن يأتي أحد فيعارض ما تم وصفه بـ«الحقيقية».
ولكن العالم البولندي «كوبرنيكوس» كان له رأيه، فلقد انتابه الشك في النظرية، رغم كونه شخصية دينية وعلمية على حد سواء، وأستاذاً في عدد من الجامعات الأوروبية، مما وضعه في صراع مع الذات امتد لسنوات، ولكنه بلور نظريته على أسس رياضية وتجريبية، بمتابعة حركة الكواكب والشمس، فوضع الأساس العلمي للمنظومة الفلكية السائدة اليوم، المعروف بـ«مركزية الشمس» (Heliocentricity)، أي أن الشمس هي مركز الكون، وتدور حولها الكواكب، فضلاً عن كونها تلف حول نفسها بسرعات عالية، فكتب كتابه الشهير «حول دوران الأجسام السماوية»، ولكن شجاعته خذلته فلم ينشره، فظل قابضاً عليه خشية الصدام مع الكنيسة والعلماء، والتشهير والسجن، أو حتى التعذيب أو الموت حرقاً باعتباره مهرطقاً، فظل هكذا حتى جاءه أحد التلاميذ المهتمين بعلم الفلك، وأقنعه وهو على فراش الموت بطباعة الكتاب ونشره، ويقال إنه تسلم نسخة من كتابه قبيل مماته مباشرة.
وعلى الفور، اندلعت الثورة العلمية التي أطلقها «كوبرنيكوس»، فغضبت الكنيسة، وتم وضع الكتاب على «قائمة الكتب المحرمة»، وتم تحريم نظريته على المستوى العلمي، والملاحظ أيضاً أن هذا العداء لم يكن من قبل الكنيسة وحدها، بل امتد لرجال حركة الإصلاح الديني أنفسهم، لأن النظرية تعارضت مع تفسيراتهم نفسها للكتاب المقدس، وانضم لهذا التوجه أيضاً أغلبية القيادات العلمية في الجامعات التي رفضت قبول فكرة أنهم كانوا على ضلالة علمية لأكثر من ألفية ونصف. وهكذا، حاربوا فكر الرجل بعد موته، كلٌ لأسبابه، فكانت ضمن الحجج التي ساقها العلماء أنه لو تحركت الأرض بسرعات عالية فلسوف نتطاير في الهواء، وأنه لو صحت الفرضية فإننا إذا ما رمينا بشيء في الهواء فحركة الأرض ستجعله يسقط في مكان آخر. ومع ذلك، فقد اعتنق بعض العلماء، وعلى رأسهم «جاليليو»، هذه النظرية، وطورها فكانت المحاكمات الكنيسة وراءه، حتى اضطر إلى نكص آرائه أمام إرهاب المحكمة الكنسية، ويقال إنه بعد أن «تاب» أمامها، قال بصوت خافت للغاية «ولكنها تتحرك»، وقد اضطر العالم لانتظار «نيوتن» لدحض هذه الفرضيات، بعد قرن ونصف، من خلال نظرية «الجاذبية الأرضية» التي تبقينا في أماكننا رغم دوران الأرض.
لقد أحدثت نظرية «كوبرنيكوس» الثورة العلمية التي لم تكن في الحسبان، فتفجرت بعد ذلك النظريات المختلفة في العلم والطبيعة، وبدأ العالم يدرك أهمية عدم ربط التفسيرات الدينية بمجالات العلم، فللعلم مداره وللدين مجاله، وهما مثل المجرتين اللتين قد يتلاقيا، ومن ثم أهمية عدم وضع المؤمن في صدام بين دينه وعلمه، فالاثنان للمؤمن يجب أن يكونا حقيقتين، وكما قال المعلم الثاني «ابن رشد»، فإن الحقيقتين لا يتناقضان أبداً «فالله لا يمكن أن يعطينا عقولاً، ويعطينا شرائع مخالفة لها». وهنا، يكون حسم الأمر في تفسير النص، وليس صدقه، فالله - سبحانه وتعالى - صدق عندما قال إنه ثبت الأرض، ولكن ذلك تم بموجب قانون الجاذبية، وليس بثبات حركتها، كما اعتقد العلماء ورجال الدين على حد سواء.
وإذا كان «كوبرنيكوس» قد صاغ الثورة العلمية في زمنه، فتقديري أننا بحاجة لثورة ثانية على غرار الثورة «الكوبرنيكية»، لا تقل عنها ضرورة أو عمقاً، فلقد آن الأوان لأن ندرك بوضوح أن صدق العقيدة لا يجب أن يقترن بفرضيات أو متغيرات علمية، فعظمة الدين تكون في ما يمثله من قيم إنسانية راقية، ونمط رفيع للحياة الإنسانية، حتى وإن كانت هناك تفسيرات علمية تؤيد النص، فالتفكر فريضة بنص إلهي، والاجتهاد لا يقل عنه، والاثنان وجهان لعملة واحدة، وقد أثبتت بعض الاكتشافات العلمية صدق «تفسيرات» قائمة لنصوص إلهية، ولا بأس في ذلك، ولكننا لا يجب أن نجعل النص الإلهي بوابة للعلم، فللدين أركانه وللعلم مجاله، خصوصاً أن السعي لربط النص بفرضيات علمية قد يثبت عدم دقتها في ضوء التفسيرات القائمة ستكون له تبعات خطيرة للغاية في يقين المؤمنين، فلله ما أنزل ولله ما خلق.



«أرواح في المدينة» تنعش ذاكرة المصريين بألحان محمد فوزي

محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)
محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)
TT

«أرواح في المدينة» تنعش ذاكرة المصريين بألحان محمد فوزي

محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)
محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)

استعادت لقاءات «أرواح في المدينة» ضمن مبادرة «القاهرة عنواني» سيرة وألحان الموسيقار والمطرب المصري محمد فوزي في الذكرى الستين لرحيله (1918 – 1966) في أجواء رمضانية بدار الأوبرا المصرية، الثلاثاء، حيث استضاف مسرح معهد الموسيقى العربية أمسية أعدها وقدمها الكاتب الصحافي محمود التميمي، بعنوان «محمد فوزي... 60 سنة من الحضور».

وخلال اللقاء استعرض التميمي رحلة محمد فوزي الإبداعية بوصفه من رموز الموسيقى والغناء الذين تركوا بصمات عميقة في الوجدان المصري والعربي، وتناول أبرز محطاته منذ ثلاثينات القرن العشرين، مروراً ببداياته الفنية في الثلاثينات والأربعينات، وصولاً إلى تأسيسه شركة «مصر فون» الشهيرة، ومساهمته الكبيرة في تطوير الأغنية العربية بما أضافه من لمسات حديثة آنذاك، إلى جانب ألحانه الخالدة التي تغنى بها كبار المطربين مثل ليلى مراد ومحمد عبد المطلب وهدى سلطان ونازك ونجاح سلام وفايزة أحمد، ووردة، وصباح وغيرهم، وتضمن اللقاء عرض مقاطع صوتية نادرة لأغانٍ وتسجيلات وصور فوتوغرافية تروي جوانب من حياة فوزي الشخصية والفنية.

ويقول محمود التميمي لـ«الشرق الأوسط» إن «مشروع حفظ الذاكرة الوطنية يقوم على استدعاء الرموز الفنية والثقافية وفي مجالات كثيرة أخرى، فالعام الماضي تذكرنا أم كلثوم بمناسبة مرور 50 سنة على رحيلها الذي لا أعتبره رحيلاً وإنما أعتبرها 50 سنة من الحضور الملهم».

جانب من لقاء «أرواح في المدينة» (وزارة الثقافة)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في 2026 تمر 60 عاماً على رحيل الفنان محمد فوزي، فهل ما زلنا نتذكره ونستدعي ألحانه، هل ما زال موجوداً بفنه في حياتنا اليومية؟ هذا ما طرحناه في اللقاء. نتذكر الرموز المصرية عن طريق طرح الأسئلة وليس فقط الاحتفاء والتكريم، كما نحاول اكتشاف مساحات غامضة وربما مظلمة في تاريخ الشخصية تفتح لنا آفاقاً واسعة على فهمها وفهم أنفسنا وفهم طبيعة تطور هذا الشعب والمجتمع».

وقدم فوزي مئات الألحان الموسيقية لأغانيه ومطربين آخرين وأغاني وموسيقى الأفلام، ومن أعماله الشهيرة «شحات الغرام» و«فين قلبي» و«عوام» و«طمني»، وعرف بإنشائه شركة «مصر فون» التي حققت نجاحاً لافتاً في الخمسينات، وقدم من خلالها أعمالاً للعديد من المطربين حتى تم تأميم الشركة في الستينات.

ويلفت التميمي إلى أن فوزي قدم العديد من الأعمال لفنانين كبار وما زالت أعماله موجودة بيننا، ويوضح: «ربما لا يعرف الكثيرون أن أغنية مثل (ساكن في حي السيدة) للمطرب محمد عبد المطلب من ألحان محمد فوزي»، ويتابع: «كما أننا تناولنا العديد من جوانب حياة محمد فوزي وحتى قصة تأميم شركته (مصر فون) وعلاقته بجمال عبد الناصر، وتساءلنا هل تعرض للاضطهاد أم أنه خضع لقانون عام تم تنفيذه على الجميع في ذلك الوقت ولم يكن الأمر شخصياً».

لقاء «أرواح في المدينة» حول محمد فوزي في معهد الموسيقى العربية (وزارة الثقافة)

وقام فوزي ببطولة العديد من الأعمال السينمائية جسد خلالها أدواراً مختلفة مثل «الولد الشقي» و«ابن الذوات» و«الفتى المدلل»، ومن أفلامه «ورد الغرام» و«الآنسة ماما» و«فاطمة وماريكا وراشيل» و«بنات حواء» و«الزوجة السابعة»، كما قدم ألحان وموسيقى العديد من الأفلام الأخرى مثل «تمر حنة» و«شياطين الجو» و«الغائبة»، وفق موقع «سينما دوت كوم».

ويشير مؤسس مبادرة «القاهرة عنواني» إلى أن المبادرة عادة ما تبحث عن «شخصيات وأماكن وتواريخ مهمة، وربما أحداث غيرت وجه البلد، وإلقاء الضوء عليها باعتبارها تمثل جزءاً من روح المدينة وتطور ملامحها وشخصيتها عبر مزيج من الفن والثقافة والشخصيات الاجتماعية المؤثرة وغيرها».

وتابع: «الجمهور لا يعرف الكثير عن أحلام محمد فوزي، ومسيرته من بلدته كفر أبو جندي في الغربية (دلتا مصر) إلى معهد الموسيقى العربية في القاهرة حيث تعلم ووقف على خشبة هذا المسرح، وهنا يأتي ارتباط الحدث والذكرى بالمكان الذي أقيم فيه لقاء (أرواح في المدينة) حول محمد فوزي».

وتستهدف سلسلة لقاءات «أرواح في المدينة» حفظ الذاكرة الوطنية للمصريين، وأطلق من خلالها مشروع «القاهرة عنواني» برعاية وزارة الثقافة وبالتعاون مع دار الأوبرا المصرية.


المتحف السعودي للفن المعاصر يحتفل بليلة العمر

«الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)
«الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)
TT

المتحف السعودي للفن المعاصر يحتفل بليلة العمر

«الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)
«الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)

حلت ليلة العمر في حي جاكس بقلب الدرعية ضمن معرض ازدان بسبعة وثلاثين عملاً فنياً لفنانين معاصرين من السعودية، والمنطقة العربية، والعالم، وذلك بتنظيم هيئة المتاحف، وتحت إشراف القيميين الفنيين، آلاء طرابزوني، وفيليب كاسترو. ويستمر المعرض حتى الـ18 من أبريل (نيسان) 2026.

يصحبنا المعرض في رحلتين متباينتين. في الجانب الأول تبرز بهجة الزفاف (ليلة العمر)، حيث تستقبلنا الستائر المذهبة لتقودنا إلى أعمال تعكس تقاليد الأفراح، وزي العروس، والزينة، وأجواء الاحتفال. وفي الجانب الآخر يخيم الظلام، ويمضي بنا إلى حيث تصطدم التوقعات مع تحديات الواقع. وسواء تجولت في الجانب المبهج أو المظلم، فستأخذك الأعمال الفنية إلى ما خلف الأضواء، وزخم العواطف، وإلى ما هو أبعد من المفهوم النمطي عن ليلة العمر.

التقينا ثلاثة من الفنانين المشاركين في معرض «ليلة عمر» للحديث عن أعمالهم، ومدلولات اختياراتهم الفنية، وسألنا كلاً منهم: ماذا تمثل لك ليلة العمر؟

«الأخوات السبع» ريم الناصر (الشرق الأوسط)

«الأخوات السبع»

تأخذنا الفنانة ريم الناصر في عملها «الأخوات السبع» إلى أحد التقاليد البارزة للأفراح في منطقة جازان في السعودية. يتكون العمل من سبعة تيجان متدلية ومرصعة بزهور الفل في تنسيقات مختلفة، يعكس العمل الارتباط العميق بين الإنسان وزهور الفل منذ القدم، تعلق الفنانة: «الفل في الجنوب ليس مجرد زهرة، بل هو طقس، وهوية، وذاكرة جمعية».

تمثل التيجان السبعة التحولات العميقة لقصص زواج مختلفة، وترمز إلى «بنات نعش» وهي سبع نجوم اكتسبت هذا الاسم في الذاكرة الشعبية العربية لارتباطها بأسطورة تدور حول الزواج، والثأر: «جسدت من خلالها سبع طاقات أنثوية، في إسقاط رمزي على حكاية (بنات نعش) باعتبارها قصة مرتبطة بالنجوم، والزواج، والتراث العربي، حيث يتحول التاج من زينة إلى مجرّة، ومن طقس اجتماعي إلى سرد سماوي عن القدر، والعبور، والاكتمال».

هذه ليست المرة الأولى التي تستعين فيها الناصر بالرائحة على أنها وسيط في أعمالها، تقول عن ذلك: «أنا فنانة مهتمة بمواضيع الزمن، والتحوّل. وسيط الفل يمنحني بلاغة خاصة، لأنه كائن زمني بامتياز، يزهر ويفوح ثم يذبل ويتحوّل. تتبدّل الرائحة مع مرور الوقت، تماماً كما تتبدل المشاعر، والذكريات». ترى الناصر أن الرائحة تضع الزائر في تجربة حسّية كاملة، ومتغيرة: «هي استدعاء لحالة زمنية عابرة، تجعل كل زيارة للعمل مختلفة، لأنها لن تكون هي ذاتها في كل مرة».

أيمن ديدبان «واقف» (الشرق الأوسط)

أيمن يسري ديدبان... «واقف»

في عمله «واقف» قدم الفنان أيمن يسري ديدبان 5 صور شخصية في لقطات متعددة، ومن دون ألوان يرتدي فيها قميصاً كتب عليه عبارة «أبغا أتزوج» بأحرف متباعدة. إحدى الصور أنتجت عام 2026، ووضعت في إطار حديث، بينما تعود باقي الصور إلى عام 2012، وموضوعة داخل إطارات بزجاج ضبابي باهت، وحواف خشبية تظهر عليها آثار خدوش. ما سبب اختياره لهذه الإطارات؟ يجيب: «الإطار هنا شاهدٌ على الزمن. اهتراؤه يوحي بأن الصور لم تعد معاصرة، بل نجت من طبقات من النسيان. الخدوش والضبابية تضع مسافة بين المتلقي والمشهد، كأن الذاكرة نفسها لم تعد صافية. الإطار القديم هو وثيقة عن زمنٍ شخصي واجتماعي مضى لكنه لم يُحسم».

يتفق معنا الفنان في أن عبارة «أبغا أتزوج» توحي بمشهد فكاهي، مع هذا ملامحه الصارمة في الصور تضع المشاهد في حالة من الإرباك. يوضح ديدبان أن مرور الزمن (13 عاماً التي تفصل بين الصورتين) جعل العبارة قادرة على ترك تأثير مختلف: «هذا التناقض بين خفة النص وصرامة الصورة يسهم في صنع المسافة المقصودة بين ما يبدو دعابة في الزمن الأول وما يصبح سؤالاً عن التغير الاجتماعي في الزمن الثاني. الرسالة هنا ليست عن الزواج بوصفه حدثاً احتفالياً، بل عن الفارق الزمني بين ثبات الرغبة في الاعتراف، والمشاركة، وفي ألا يظل الإنسان معلقاً خارج السرد الاجتماعي».

لماذا يقرر الفنان أن يكون هو العمل الفني؟ أجاب ديدبان: «لأن الجسد هو المادة الوحيدة التي لا يمكن فصلها عن الزمن، حيث تتحول الذات إلى وثيقة عن العمر، والتغيرات، وعلاقة الفرد بالمجتمع، وتزال المسافة بين التجربة وتمثيلها، وبدل أن يقدم الفنان فكرة عن الحياة، يعرض حياته نفسها بوصفها مادة قابلة للتحليل، والفحص».

ميساء شلدان «هضبة العروس» (الشرق الأوسط)

ميساء شلدان و«هضبة العروس»

زارت الفنانة ميساء شلدان النقوش الحجرية في «هضبة العروس» قرب منطقة عسير، حيث سمعت الأسطورة المرتبطة بها، وهي حكاية عروس كانت تسافر بقافلتها لأميرها، فلما جن عليها الليل قضت ليلتها في تلك الهضبة، وحين لاح الصباح اختفت العروس، وقافلتها، وكل حاجياتها. بحث عنها الأمير، واستوطن الهضبة، ونقش رسماً لعروسه وقافلتها كتوثيق لحكايتهما. تعكس هذه الأسطورة في رأي شلدان أهمية المرأة، ومكانتها في تراث المنطقة، وكانت مصدر إلهام لعملها «هضبة العروس». استوحت الفنانة تصميم العمل من «الرشرش» وهي قلادة ذهبية ترتديها العروس. يتكون العمل من قطع معدنية قرمزية مرتبطة ببعضها بحلقات نحاسية، «اخترت أن تكون القطع المعدنية على شكل ثمرة التين الشوكي، والتي قال عنها أجدادنا إن أي أرض تنمو عليها هذه الشجرة تختبئ تحتها حضارة. وعن أكسدة المعادن، وتلوينها، استعنت بدودة (الكوشنيال)، وهي الطريقة التي كانت تستخدمها جداتنا لاستخراج الصبغ القرمزي». ما هو السبب وراء اختيارها قصة حزينة لتشارك بها في عمل عن ليلة العمر؟ تجيب: «الأسطورة عادة ما تحمل رسائل مرتبطة بالحكمة، وتعزيز القيم، والعادات، والدوافع الإنسانية. لم يكن المقصود أن يعكس العمل جانباً حزيناً، وإنما يبعث برسائل عن حماية تراثنا وثراء إرثنا الحضاري، وأهمية التقاليد في ترسيخ وبقاء هذه الحضارة».

من أعمال سلطان بن فهد «إلى تراب» (الشرق الأوسط)

ليلة العمر

كان هذا السؤال حاضراً في ثنايا الحوار فوجهناه للفنانين، ما الذي تمثله لك ليلة العمر؟ أجابت الناصر: «هي نقطة تحوّل حقيقية، لكنها تصبح كذلك فقط إذا كانت مع الشخص الصحيح، وفي المكان الصحيح. ليلة العمر ليست حدثاً احتفالياً فحسب، بل لحظة عبور من طور إلى طور، ومن اسم إلى اسم، ومن هوية إلى هوية، تماماً كما تتحول الزهرة، وكما يتحول النجم في السماء». وترى الفنانة شلدان أن مسمى ليلة عمر بحاجة إلى إعادة نظر: «كل يوم في حياتنا يحمل فرحة جديدة لعمرنا، ويستحق أن يكون ليلة عمر. ما يدعو حقاً للاحتفال في هذه الليلة هو العقد الذي يوثق أن الله تعالى هو شريك في هذه العلاقة، والاحتفال أيضاً بـ(السكن) الوصف القرآني للشريك، وبالتيسير، وكذلك بالطقوس الجميلة والمهمة المرتبطة بالزواج». أما الفنان ديدبان فيقول: «الزواج بالنسبة لي ليس نهاية قصة حب، بل بداية عملية مستمرة لإعادة تعريف المسافة بين شخصين، مسافة قريبة بما يكفي للحب، ومسافة بعيدة بما يكفي للتنفس. وفي كلتا الحالتين هو قفزة جريئة نحو المجهول برفقة شخص آخر».


إدمان ألعاب الفيديو قد يصيب المراهقين بـ«جنون العظمة»

طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
TT

إدمان ألعاب الفيديو قد يصيب المراهقين بـ«جنون العظمة»

طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)

كشفت دراسة حديثة عن أن الأطفال، في سن المراهقة، الذين يُعانون من صعوبة في السيطرة على عاداتهم في ألعاب الفيديو أكثر عرضة لتجارب شبيهة بالذهان، مما يتسبب في انفصالهم عن الواقع الحقيقي.

ووجد باحثو الدراسة من جامعة ماكجيل الكندية وزملاؤهم في جامعة ماستريخت الهولندية، أن الأطفال في سن الثانية عشرة الذين أظهروا علامات على إدمان الألعاب الإلكترونية كانوا أكثر عرضةً للإصابة بمستويات خفيفة من جنون العظمة، حيث يتوهمون بامتلاك مواهب خارقة أو مكانة رفيعة، أو التصديق في معتقدات غير مألوفة، أو اضطرابات في الإدراك في سن الثالثة عشرة.

وعلى الرغم من أن هذه النتيجة قائمة على الملاحظة وتخضع لتأثيرات عوامل أخرى غير مُقاسة، فإنها قد تعكس أثراً سببياً لإدمان الألعاب على ظهور اضطرابات البيئة الشخصية نتيجةً لزيادة العزلة الاجتماعية، أو الصراعات الشخصية، أو غيرها من الاضطرابات الاجتماعية والبيئية.

وكما أفادت النتائج، تتوافق هذه العواقب المحتملة لإدمان الألعاب مع منظور الإدمان القائم على الإمكانات المتاحة، حيث تستحوذ الألعاب على اهتمامات الشخص على حساب تنمية الإمكانات الأخرى في بيئته.

ويقول المؤلف الرئيسي للدراسة، فينسنت باكين، الأستاذ المساعد في قسم الطب النفسي بجامعة ماكجيل والطبيب النفسي، في بيان الثلاثاء: «يعني إدمان الألعاب صعوبة التحكم في مقدار اللعب، مما يؤدي إلى الشعور بالضيق أو مواجهة مشاكل في المدرسة أو في العلاقات الشخصية والأسرية».

البيئات الداعمة

وأظهرت الدراسة أن البيئات الداعمة مهمة لتفادي هذه المشكلات، حيث كشفت النتائج عن أن اللاعبين الصغار الذين شعروا بمزيد من الدعم في المدرسة والمنزل كانوا أقل عرضةً لإدمان الألعاب بشكل عام.

وقال باكين: «بالنسبة للعاملين في مجال الصحة والمعلمين وصناع السياسات، تُبرز نتائجنا أهمية تعزيز بيئات اجتماعية داعمة. فقد يُساعد ذلك في منع تحوّل الألعاب الإلكترونية إلى مشكلة».

وأضاف أنه بمجرد أن تُصبح الألعاب الإلكترونية مشكلة، فإن الدعم من الأسرة والمدرسة وحدهما لا يكفي للتخفيف من آثارها اللاحقة على الصحة النفسية، مما يُشير إلى ضرورة وجود أشكال أخرى من الدعم النفسي.

كيف أُجريت الدراسة؟

وتستند النتائج، المنشورة في «مجلة الإدمان السلوكي»، إلى بيانات من أكثر من 6 آلاف مراهق أميركي. وبدأت الدراسة التى تعد الأوسع نطاقاً عندما كان عمر المشاركين تسع سنوات. وتم استطلاع آرائهم في سن الثانية عشرة والثالثة عشرة حول عاداتهم في الألعاب الإلكترونية، وصحتهم النفسية، وحياتهم اليومية.

وباستخدام نماذج إحصائية، فحص الباحثون ما إذا كانت الألعاب الإلكترونية المُسببة للمشاكل تُنبئ بظهور أعراض نفسية لاحقة. وقد استمر هذا الارتباط حتى بعد الأخذ في الاعتبار الأعراض النفسية السابقة والعوامل الأسرية، مما يُشير إلى أن هذا الارتباط لم يكن مجرد نتاج لمشاكل سابقة.

نظرة أوسع

بشكل أعم، تُضيف النتائج بُعداً جديداً للنقاشات الدائرة حول وقت الشاشة، مُشيرةً إلى أن المخاطر قد تكون مُرتبطة بالجودة والمحتوى المقدم أكثر من الكمية والوقت الذي يستغرقه اللاعبون في هذه السن.

ويقول باكين: «تُعزز ألعاب الفيديو الإبداع والتواصل الاجتماعي والشعور بالاستقلالية. لكنها تُصبح، لدى فئة قليلة من الشباب، مصدراً للضيق يَطغى على جوانب أخرى من حياتهم».

ووفق الدراسة، يعمل الفريق حالياً على تطوير أداة تقييم عملية لمساعدة الأطباء والمعلمين على فهم ومعرفة ليس فقط مقدار الوقت الذي يقضيه الشباب في ممارسة الألعاب، ولكن أيضاً كيف تُؤثر هذه الألعاب على حياتهم ورفاهيتهم بشكل عام.