10 نزعات وتوجهات علمية رائدة

البشرية تشهد تطوّراً تقنياً غير مسبوق وكارثة بيئية محتملة وتحوّلات طبية كبرى

10 نزعات وتوجهات علمية رائدة
TT

10 نزعات وتوجهات علمية رائدة

10 نزعات وتوجهات علمية رائدة

حدد خبراء أميركيون 10 نزعات وتوجهات عالمية ستتخذ هذا العام شكل ظواهر متطوّرة. ويمكن القول إنّ هذه النزعات تشكّل عناوين عريضة سنشهدها في عام 2019 وأهمها: ازدياد ذكاء الآلات، وانتشار محتوى الفيديو، وامتلاك عمالقة التقنية لنفوذ غير مسبوق، وتعزيز الصين سطوتها، والفضاء... الجبهة القادمة للثروة والنفوذ الجغرافي - السياسي، والتغيّر المناخي: مشكلات كبرى وحلول مبتكرة، و«صناعة الأجنة» تنطلق نحو التطبيق الفعلي، والعلم والتقنية يغيّران طريقة التعليم، والعالم يعيد التفكير بنوعية الطعام الذي يتناوله وكيفية صناعته، والأتمتة تعرقل القوى العاملة البشرية.
ترسم هذه الظواهر مجتمعة، عالماً يشارف على تطوّر تقني غير مسبوق، وكارثة بيئية محتملة، وتحوّل جيوسياسي، وتحوّل مالي واقتصادي، وفقا لخبراء شاركوا في تقرير نشره موقع «كوارتز» الإلكتروني.

آلات وبرامج
- آلات بأدمغة. تزداد المسيرة البطيئة التي تشهدها الأتمتة سرعة، فقد حلّت الروبوتات مكان البشر في المصانع، والسيارات أصبحت تقود نفسها، وأجهزة المنزل الذكي تتزايد بسرعة هائلة، ومليارات من الناس يستخدمون المساعدين الافتراضيين. وبدورها، قلبت الروبوتات والذكاء الصناعي مفهومنا للبشرية رأساً على عقب، إذ تعمل الأدمغة البشرية اليوم على تشغيل الأطراف الصناعية، وأصبحت روبوتات المحادثة نسخة رقمية عن البشر، بينما يساعد الذكاء الصناعي، الشخص الأعمى على الرؤية من جديد.
ولكنّ هناك بعض النتائج التي لا بدّ من دراستها. مثلا، ماذا تعني الأتمتة بالنسبة للقوى العاملة البشرية؟ كيف سنتعامل مع حوادث السيارات التي لا يقودها سائقون؟ وهل ستتعرّض أنظمة التعرّف إلى الوجه في جرس منزلكم المتصل بالإنترنت إلى تحيّز برمجي؟
>علم التعلّم. ما المجالات التي يمكن للبشر أن يفلحوا فيها أكثر من الروبوتات؟ ليس في الرياضيات طبعاً. إذن كيف يجب علينا إعادة تصور التعليم والتعلم لنكون أفضل من الآلات؟ يمكن لعلم الإدراك مثلاً أن يشرح لنا كيفية حصول عملية الذاكرة والتحفيز والتعلّم.
ولكنّ البشر هم وحدهم من يستطيعون اتخاذ القرار المناسب حول كيفية تسخير هذه التقنية لهدف سامٍ.
- انتشار محتوى الفيديو. غيّرت شركات كـ«نتفليكس» ويوتيوب نظرة الناس للفيديو. واليوم، كثرت المنصات وخدمات الاشتراك والتطبيقات والأجهزة التي تتيح استهلاك المحتوى إلى درجة فاقت حاجة الناس.
بدورها، تتنافس شركات مثل آبل وأمازون وفيسبوك لتصبح منافذ على هذا المحتوى على بعد آلاف الأميال من هوليوود، في حين تعمل منصات البثّ الحي الصينية على ابتكار نماذج جديدة للروايات والروائيين. هذه الأمور سيكون لها تبعات واسعة على ما نشاهده، وكيفية استخدامنا له، ومدى إنفاقنا عليه.

الفضاء والبيئة
- مشاريع تجارية في الفضاء. تلعب الأقمار الصناعية دوراً أساسياً في اقتصادنا عبر تحديد توقيت كلّ صفقة مالية تحصل حول العالم. اليوم ولأوّل مرّة، أصبح الفضاء مصدراً جاذباً للمستثمرين أصحاب رؤوس الأموال الذي يخصصون مليارات لتأسيس شركات ناشئة تعمل في مدار الأرض، ويقود عمالقة هذا المجال مثل جيف بيزوس وإيلون ماسك وريتشارد برانسون وماسايوشي سون جهوداً تجارية عملاقة خارج كوكبنا.
وفي الوقت الذي تمرّن فيه الصين عضلاتها الصاروخية عبر إرسال بعثات إلى القمر، تسعى البرامج الأوروبية والأميركية الفضائية إلى الحفاظ على تفوقها في مجال الاستكشاف الفضائي.
ولكنّ الدافع الحقيقي للتوسع الاقتصادي نحو الفضاء هو حاجة العالم التي لا تنتهي إلى المزيد من البيانات المستمدّة من الناس، وبالطبع، من الأجهزة المتصلة بالإنترنت. إذ لا يوجد عالم أفضل من الفضاء لجمع معلومات مهمّة حول كلّ المواضيع من التغيّر المناخي إلى الإنتاج الآلي، أو لتركيب شبكة نطاق عريض للإنترنت تغطي العالم بالكامل.
- السباق نحو «صفر انبعاثات». لا يكاد يمرّ يومٌ دون أخبار تتناول التأثيرات السلبية الناتجة عن التغيّر المناخي، كانت نتيجتها تبنّي الحكومات حول العالم لقوانين تنظيمية صارمة، وإنفاق المستثمرين مليارات الدولارات لبناء شركات يراهنون على أنها ستقودنا إلى أيّام خالية من الانبعاثات.

الغذاء والعمل
- مستقبل الغذاء. تبحث كبرى الشركات الغذائية حول العالم عن طرق لصناعة البيتزا المثلّجة التي تساعد في الوقاية من مرض ألزهايمر؛ كما تلعب تقنية مبرمجة دوراً مهماً في ضمان سلامة المخزون الغذائي، في حين يعمل العلماء على تعديل الجينات المطلوبة لصناعة ما يرون أنّها ثمار الطماطم المثالية.
يرسم تصادم التقنيات المتطوّرة مع الغذاء خطوطاً جديدة تحدّدها التفضيلات والتقاليد والتحقيق العلمي المؤكد. وتميل اكتشافات البحث الغذائي إلى الغموض أكثر من الحقيقة، في حين تدفع الوسائل الجديدة لصناعة الأطعمة القديمة الناس إلى إعادة التفكير في مدى «قربهم من الطبيعة».
- مستقبل العمل - التشغيل. يشعر العاملون اليوم بالريبة نتيجة تهديد الأتمتة والصناعة المتقدّمة والذكاء الصناعي بالقضاء على الغالبية الساحقة من المهن أو إعادة هيكلتها. في الوقت نفسه، يبدو أنّ الإنتاجية العامة للعمّال تتضاءل، الأمر الذي يهدّد النمو الاقتصادي.
يشكّل هذا الاقتصاد الذي يسير بعجلتين بشرى سارة في عصر يعيد تفسير مفهوم عمل الإنسان كموظف. وتتغيّر الوظائف الجديدة المبتكرة بسرعة كبيرة، وغالباً ما تنطوي على مكسب علمي مهمّ، لذا يشير البحث العلمي اليوم إلى أنّ الوظائف التي تتطلّب مهارات عادية مصيرها الزوال.
تركّز الشعوب التي تغلب عليها فئة الشيخوخة حصّة كبيرة من جهودها في العناية بكبار السن.
من جهة أخرى، بلغت شركات التقنية مستويات غير مسبوقة من الثروة والانتشار حول العالم. وفي المقابل، فقد أصبح قناع فعل الخير الذي عملت هذه الشركات طويلاً على صقله باهتاً، نتيجة فضائح اختراق البيانات والتلاعب بالمنصات ومخاوف الخصوصية.

«الإنسان الخارق»
- نجاحات طبية: حالة الإنسان الخارق. أدّت التطورات التي شهدها الذكاء الصناعي والتعديل الجيني والحوسبة المتقدّمة في السنوات القليلة الماضية إلى المزيد من الاختراقات الطبية التي لم نكن نتوقعها في القرن الماضي. باختصار، تسهم العلوم الطبية اليوم في توسيع حدود الضوابط التي تحكم طبيعتنا البشرية. فقد أصبحت التغييرات كالتشخيصات والعلاجات المتطوّرة مفيدة للصحة العامة بدرجة لا يمكن تجاهلها، وتسهم في رفع مستوى الصناعات والمشاريع التجارية الجديدة.
إلّا أنّ تراجع أعداد الوفيات وزيادة طول الأعمار يعني أن أعداد السكان سترتفع، مما سيتطلّب المزيد من الموارد كالغذاء والمياه والطاقة. وتجدر الإشارة إلى أنّ تكلفة الكثير من التطوّرات الطبية الحديثة لا تزال باهظة جداً بالنسبة لغالبية سكّان هذا العالم، وهذا الأمر من شأنه أن يفاقم التفاوت الصحي في حال لم نحضّر أنفسنا له ونتأقلم معها.
في الوقت الحالي، يتيح انخفاض تكاليف طاقة الحوسبة وغيرها من التقنيات العمل العلمي للجميع من أجل استخدام هذا التقدّم في مراكز الشركات الناشئة بدل المختبرات التقليدية في الجامعات والمؤسسات الحكومية.
ولكنّ هذه التكاليف تثير أيضاً عدداً من الأسئلة حول ما إذا كنّا فعلاً نريد أن تصبح تقنية التعديل الجيني متاحة للجميع مقابل 150 دولارا، إضافة إلى عنوان بريد إلكتروني فقط، هذا غير المخاوف الناشئة حول الجهود التي تركز اليوم على إنقاذ الحياة البشرية، والتي قد يتوسع هدفها في المستقبل ليشمل تعديل ملامح الحياة التي نعيشها.

نفوذ مالي ودولي
- مستقبل الموارد المالية. يوظّف المستثمرون مبالغ غير مسبوقة في طفرة التقنية المالية لتمويل كلّ الابتكارات من المصارف الوليدة إلى وسائل الرهان الحديثة.
إلا أن المصرفيين يواجهون تحديات كبيرة تضعها شركات تقنية عملاقة كغوغل وتينسينت، بينما يتبارى المقرضون المخضرمون على جذب الزبائن والمبرمجين وعلماء البيانات.
وتشهد الأموال الورقية تراجعاً في بعض المناطق الجغرافية، بينما تزداد شعبية النقد أكثر من أي وقت مضى في مناطق أخرى.
> نفوذ الصين. استغلّت الصين الولايات المتّحدة وتفوّقت عليها لتصبح بطلاً في العولمة. وفي هذا العام، سنشهد صراعاً بين تقنيي الصين والولايات المتحدة... وهذا الصراع يتجلّى اليوم بوضوح عبر المعركة حول شركة «هواوي».



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».