الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

أحداث كشمير الأخيرة تعطي اليمين الهندوسي القومي سلاحاً إضافياً

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه
TT

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

لا تفصلنا سوى بضعة أسابيع عن أكبر عرس للديمقراطية الهندية... ألا وهو الانتخابات العامة. وهذا الحدث المهم، الذي تشهده الهند كل خمس سنوات، هو الأكبر من نوعه على مستوى العالم.
من المقرر أن تجرى الانتخابات السابعة عشرة منذ الاستقلال، عام 1947، بين شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين، ويتوقع أن يبلغ عدد المشاركين فيها نحو 870 مليون ناخب، أي ما يعادل ضعفي سكان الولايات المتحدة. وكان قد بلغ عدد الناخبين المسجّلين للاقتراع في آخر انتخابات عامة عام 2014 أكثر من 830 مليوناً، اقترع منهم بالفعل ما يزيد على 550 مليوناً. ويومذاك، أسفرت العملية الانتخابية المنظمة على مستوى البلاد، واستمرت لمدة ستة أسابيع، عن فوز رئيس الوزراء اليميني الحالي ناريندرا مودي.
ومن المتوقع أن تعلن اللجنة الهندية للانتخابات خلال الأسبوع المقبل عن الموعد المقرّر للاقتراع الذي يشمل انتخاب 543 عضواً من أعضاء البرلمان، عبر مليون مركز اقتراع، ويقوم على تنفيذها والإشراف عليها أكثر من 10 ملايين شخص يعملون في هذه المراكز، ومن أفراد الشرطة.
«ستكون الانتخابات العامة المقبلة في الهند هي الأعلى تكلفة في تاريخ الهند، وربما في أي دولة ديمقراطية»، وفق الخبير الدكتور ميلان فايشناف، الزميل ومدير برنامج جنوب آسيا في مؤسسة «كارنيغي» للسلام بالولايات المتحدة. ولقد نقلت وكالة «رويترز» عن فايشناف قوله: «بلغت تكلفة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأميركية مجتمعة عام (2016) 6.5 مليار دولار أميركي. وإذا كانت التكلفة التقديرية لانتخابات عام 2014 هي 5 مليارات دولار، سيكون من المتوقع أن تتجاوز انتخابات 2019 هذا الرقم بسهولة؛ ما يجعل تكلفة الانتخابات الهندية هي الأعلى على مستوى العالم».
جدير بالذكر، أن الهند انتخبت بعد الاستقلال 16 مجلساً للنواب خلال سبعة عقود، هي عمر الجمهورية، باستثناء فترة التوقف المؤسفة من 1975 حتى 1977 التي أجلت خلالها الانتخابات. ولم تكن كل الحكومات التي تُشكَّل بعد الانتخابات تكمل مدتها، بل بعضها كان يسقط في غضون أيام. إذ إن الديمقراطية الهندية أبعد ما تكون عن المثالية، لكن لا يوجد نظام ديمقراطي في العالم مثالي وخالٍ من العيوب.
ومن ثم، تعد الانتخابات العامة في الهند واحدة من العمليات الانتخابية الأكثر تطلباً، وربما الأصعب على الصعيد اللوجيستي في العالم. وأول ما يدهش أي مراقب لهذه العملية أهميتها في الحياة السياسية؛ فاللافتات والملصقات والحشود تملأ الشوارع. والفعاليات الحاشدة المكتظة هي النمط السائد. وتورد وسائل الإعلام أخبار الانتخابات باستمرار وكثافة، وتنتشر الأحاديث السياسية في كل ركن من أركان البلاد. ويعد الحشد الانتخابي بما يتضمنه من خطابات في الشوارع، وتجمعات انتخابية كبيرة يحضرها عشرات الآلاف بطبيعة الحال، حدثاً فريداً من نوعه.

الأطراف المشاركة
تستعد الساحة الهندية للانتخابات بمشاركة مختلف الأحزاب السياسية على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها. وهو ما يعني أن القرارات والاختيارات ستكون صعبة في ظل هذا الوضع المفتوح على كل الاحتمالات. والواضح أن عام 2019 سيكون عام «الطحن السياسي»، الذي يبدو أنه بدأ بالفعل، ويُستبعَد أن ينتهي بالانتخابات.
ويسعى كل من رئيس الوزراء مودي وحزبه الهندوسي «بهاراتيا جاناتا» إلى الفوز بالمعركة التي يُعدّ غريمه المعارض الرئيسي فيها هو حزب المؤتمر الهندي بقيادة راهول غاندي، سليل أكبر عائلة سياسية كبيرة في البلاد، أي عائلة نهرو - غاندي. وللعلم، راهول هو ابن رئيس الوزراء السابق راجيف غاندي، وحفيد أنديرا غاندي، أول سيدة تتولى قيادة البلاد، التي كان أبوها جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند.
مع ذلك، تتمتع أحزاب أخرى عدة بنفوذ وتأثير في البلاد، ويؤيد بعضها مودي، في حين يعارضه بعضها الآخر، ومن شأن كل ذلك تحديد النتيجة. وحقاً، كتب روشير شارما في كتابه «الديمقراطية على الطريق» بهذا الصدد: إنه «يتم تصوير انتخابات 2019 باعتبارها مواجهة على مستوى البلاد بين مودي وبقية الأطراف، واستفتاءً على موقف الهند تجاه الحكم الاستبدادي والالتزام بالديمقراطية». كذلك، أوضح أن السنوات القليلة الماضية شهدت تغيرات كثيرة في حزب المؤتمر، لكنه مع ذلك «بأمس الحاجة إلى أي عون ودعم من أجل إلحاق الهزيمة بعملاق مثل مودي».
من ناحية أخرى، يثير الاهتمام تزايد عدد الأحزاب السياسية في الهند بوتيرة سريعة؛ إذ تضاعف عددها بين عامي 2010 و2018، وتجاوز الألفين، بحسب أحدث بيانات صادرة عن اللجنة الهندية للانتخابات. وبلغ إجمالي عدد الأحزاب السياسية خلال انتخابات عام 2014 وعدد المتنافسين بها أكثر من 8 آلاف على مستوى البلاد. وتتحالف عشرات الأحزاب السياسية هذا العام في إطار ائتلاف ضخم من أجل التغلّب على مودي وحلفائه خلال الصيف الحالي. وخلال أهم فعالية تسبق الانتخابات تقاسم قادة من 23 حزباً و14 ولاية منصة واحدة خلال آخر تجمع في مدينة كلكتا. ولعل هذه «الجبهة» الموعودة أكبر «تحالف» للمعارضة منذ عام 1977 حين تعاونت عشرات الأحزاب من أجل التغلب على أنديرا غاندي - رئيسة الوزراء حينذاك - بعد إعلانها حالة الطوارئ في البلاد لسنتين.

فرص فوز مودي
لقد حشد مودي، رئيس الحكومة الحالي، دعماً كبيراً قبيل حملته الانتخابية عام 2014 التي حصل فيها حزبه «بهاراتيا جاناتا» على رقم قياسي في الانتخابات العامة هو 282 مقعداً، يكفي لتشكيل أكبر حكومة غالبية للمرة الأولى منذ الانتخابات العامة في 1984. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يفوز بها حزب بما يكفي من المقاعد للحكم دون الحاجة إلى دعم من الأحزاب الأخرى.
هذه المرة لدى كل من «بهارتيا جاناتا» وحزب المؤتمر تحالف يدعمه؛ إذ يدعم الأول التحالف الوطني الديمقراطي، والآخر التحالف التقدّمي الموحّد. ولعل الولايات الخمس الحاسمة في الانتخابات (تبعاً لحجمها السكاني) هي: أوتار براديش (80 مقعداً برلمانياً)، ومهاراشترا (48)، والبنغال الغربية (42)، وبيهار (40) وتاميل نادو (39)؛ ما يعني أن للولايات الخمس مجتمعة 249 مقعداً. وتأتي بعدها في الترتيب: ولايات ماديا براديش (29)، وكارناتاكا (28) وغوجارات (26) وأندرا براديش (25) وراجستان (25)، أي تتمثل هذه الولايات العشر بـ382 مقعداً. ونظراً لتوزّع المقاعد الباقية بين الولايات المتوسطة والصغيرة وغيرها من المناطق الأقل أهمية، لا يستطيع أي تحالف أو ائتلاف الفوز بالغالبية ما لم يحقق نتائج جيدة في بعض الولايات العشر.
حزب مودي فاز عام 2014 بـ213 مقعداً في تلك الولايات الكبرى (قلبها ولايات «الحزام الهندي»). وأوضح استطلاع رأي «إيه بي بي - سي فوتر»، أن التحالف الوطني الديمقراطي اليميني الحاكم الداعم لمودي قد يخفق في الفوز بغالبية المقاعد البالغ عددها 272، ويرجّح أن يكسب 233 مقعداً، في حين أنه يتوقع فوز التحالف التقدمي بـ167 مقعداً. كذلك، يتوقع حصول «بهاراتيا جاناتا» على 203 مقاعد، وحصول حزب المؤتمر على 109 مقاعد. ومن المحتمل فوز أحزاب الجبهة الثالثة مجتمعة بـ130 مقعداً. وهو ما يعني أن التحالف الديمقراطي سيظل الكتلة الأكبر بفارق مريح، حسب الاستطلاع، ما يرجح كفة مودي.
على الجانب الآخر، يبدو أن المناوشات والصراع بين الهند وباكستان قد عززت بدورها شعبية رئيس الوزراء الهندوسي اليميني. وتأتي «أحداث بولواما» الدامية في كشمير يوم 14 فبراير (شباط) الفائت، وما تلاها من غارات جوية هندية على المسلحين داخل باكستان، في خلفية الحراك الانتخابي، ومن المؤكد أنها ستؤثر على النتيجة. وهنا يقول شارما: «ستكون معركة عسيرة، لكنني في كل الأحوال أعرف موقعي حين يبدأ الكرنفال الانتخابي. أنا على ثقة من أنه في هذه الحقبة التي تشهد تراجع الديمقراطية في العالم... فإنها ستزدهر في الهند».
وحول ما سبق، يبدو أن حزب «بهاراتيا» اقتنع بعد الغارات الجوية بأن استغلال سلاح «النزعة القومية» هو السلاح الأمضى والأنفع ضد المعارضة، وبالذات حزب المؤتمر، وبخاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية. وهنا رأى الكاتب الصحافي ساتيش ميشرا «الوضع المستجد بين الهند وباكستان سيغير تركيز خطاب رئيس الوزراء مودي وحزب (بهاراتيا) خلال الانتخابات العامة. وحقاً بدأ (بهاراتيا جاناتا)، الذي كان قبل بضعة أسابيع فقط يفكر في الحصول على نحو 200 مقعد، يتحدث الآن عن احتمال فوزه بـ300 مقعد».
هذا يعني أن على أحزاب المعارضة أن تكون حذرة في مواجهة برنامج «بهاراتيا جاناتا» ذي النزعة القومية؛ لأنها «ستتعرّض لخطر تصنيفها غير وطنية وغير قومية خاصة بعد الهجمات الجوية». ومن جانبه، أخذ مودي زمام المبادرة منذ الغارات الجوية مهاجماً بعنف حزب المؤتمر، حتى إبان الفعاليات الرسمية، كافتتاح النصب التذكاري للحرب في العاصمة. وبالتالي، لن يكون بمقدور معارضة منقسمة مواجهة تحدي تكتل قومي ووطني، بينما التعاضد والتعاون هو أهم ما سيجذب الناخبين إلى «بهاراتيا جاناتا» ومنظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» الهندوسية المتشددة خلال الأسابيع المقبلة قبل الانتخابات. ولا شك، سيصوّر الحزب الحاكم وماكينته الدعائية الضخمة أحزاب المعارضة ومناصريها (من يسار الوسط) على أنهم مناهضون للقومية وناقصو الوطنية، في حين أن مودي وحزبه هم الوطنيون الحقيقيون.

كيف سيصوت الهنود؟
في سياق متصل، يرى البروفسور سانجاي كومار، وهو أستاذ للعلوم السياسية متخصّص في السياسات الانتخابية ويعمل كذلك مديراً لـ«مركز دراسة المجتمعات النامية» في دلهي، أن «الناخبين أصبحوا أكثر التزاماً تجاه التصويت لصالح أو ضد حزب بعينه الآن أكثر من أي وقت مضى. حتى الانتخابات العامة التي أجريت عام 2004، كان كثيرون من الناخبين لا يحسمون رأيهم إلا قبل ثلاثة أو أربعة أيام من يوم الاقتراع. إلا أن هذا الوضع تبدل اليوم. وتكشف البيانات التي جمعناها عن انتخابات عامي 2009 و2014 أن أعداداً هائلة من الناخبين حسمت رأيها قبل الانتخابات بفترة طويلة». ويضيف كومار - الذي يضم مركزه جناحاً بحثياً معنياً بالانتخابات اسمه «لوكنيتي» - «يقدّر الناس في الهند أصواتهم الانتخابية تقديراً كبيراً، فإذا ذهبت إلى بلدية ما بعد إعلان نتائج الانتخابات، سيقول ما بين 80 في المائة و90 في المائة من السكان أنهم صوّتوا لصالح الحزب الفائز؛ ذلك أنه من المرغوب اجتماعياً الظهور بمظهر المنتمي للجانب الفائز».

البطالة والرخاء والقومية
يُعدّ الاقتصاد والتنمية من القضايا المحورية، وسط المقارنات التي يعقدها «بهاراتيا جاناتا» مع فترة حكم «التحالف التقدمي المتحد بقيادة حزب المؤتمر قبل عام 2014، يثير ما شهدته من تباطؤ في النمو الاقتصادي وتفاقم للتضخم وتفجّر عدد من فضائح الفساد. وفي المقابل، يقارن المؤتمر سجل التحالف التقدمي على امتداد 10 سنوات في السلطة (2004 – 2014) بسجل «بهاراتيا جاناتا» خلال السنوات الخمس الأخيرة في المنصب من أجل الترويج لإنجازاته.
الواضح أن المعارضة تنوي شن هجوم بالغ على الحكومة فيما يتعلق بأزمة البطالة وتنامي أعداد العاطلين، وهي إحدى القضايا الشائكة على الصعيد الاقتصادي، في حين أن قضية التنمية والرفاهية هي ما يفضل حزب الرئيس مودي الحديث عنه. من جهته، يعتقد هذا الحزب أن منظومات الرفاهية تحظى بشعبية هائلة بين الناخبين، وبخاصة بين النساء وفي المناطق الريفية. ولدى التطرق إلى موضوع الاقتصاد السياسي للهند، قال الدكتور فايشناف (مؤسسة كارنيغي) خلال مقابلة أجراها معه موقع «ريديف دوت كوم»: إن «الحجة التي يطرحها مودي على الناخبين تتمثل بأن الفضل عائد لـ(بهاراتيا جاناتا) في إرساء دعائم دولة الرفاه الحديثة بالبلاد، وأنه في حاجة إلى خمس سنوات أخرى كي يتمكن من إنجاز هذا العمل ـ من الصرافة العالمية إلى الرعاية الصحية العالمية، وتحويلات الإعانات المباشرة». أما القضية الرئيسية الثالثة، فتتمثل في مسألة النزعة القومية الوطنية، التي برزت مراراً على مدار السنوات الخمس الأخيرة، ذلك أن حكومة مودي حاولت صياغة توجهها الاقتصادي وسياساتها الخارجية والاجتماعية ضمن هذا الإطار. أما بالنسبة للقضايا الأخرى التي تحظى بالاهتمام ففي مقدمها: معاناة المزارعين، وضمور سوق الوظائف، وارتفاع أسعار الوقود، وسحب العملة من السوق، وتفاقم التمييز ضد الأقليات.

المرأة والشباب والمسلمون
على صعيد آخر، تكشف البيانات المتعلقة بالاقتراع على مستوى الولايات أو عموم البلاد في الانتخابات العامة الأخيرة، تنامي مشاركة المرأة. ويرى محللون أن ثمة فرصة قوية لأن تضطلع الناخبات بدور حاسم هذه المرة. ولقد كشفت دراسة بحثية أصدرتها شركة «سنتروم بروكينغ» للصرافة، عن أن النساء حققن قفزات كبرى كناخبات على امتداد العقد الماضي، وأنه بحلول 2019 يمكن أن يساوي معدل مشاركة النساء أو يتجاوز مشاركة الرجال في الانتخابات؛ الأمر الذي يضفي مزيداً من الأهمية على أصواتهن وقضاياهن من المنظور السياسي. وفي هذا الصدد، ذكرت الدراسة الصادرة عن «سنتروم بروكينغ»، أن هذا الأمر «يبدو واضحاً للغاية لدى النظر إلى معدلات مشاركة المرأة في ولايات مثل أوتار براديش وبيهار ومادهيا براديش وراجستان، وهي ولايات شهدت الانتخابات السابقة بها وقوع أعمال عنف».
وبالنظر إلى أن متوسط العمر بلغ 27.9 سنة عام 2018، تعد الهند لذلك دولة شابة. وبحلول عام 2020، سيشكل الشباب 34 في المائة من إجمالي السكان. ومنذ 2014، انضم 45 مليون شخص إلى قوائم الناخبين لبلوغهم سن الـ18؛ وذلك تبعاً لبيانات صدرت عام 2018 من مفوضية الانتخابات. ويعني ذلك أن قوائم الناخبين زادت بنسبة 5 في المائة منذ عام 2014. علاوة على ذلك، من الواضح أن أصوات المسلمين ستلعب دوراً حاسماً في نتائج الانتخابات العامة عام 2019. ويذكر أنه في أعقاب انتخابات مايو 2014، أجرت مؤسسة «إنديا سبيند» تحليلاً لأنماط الاقتراع داخل الولايات صاحبة التركيز الأعلى من الشباب، وكان الشباب قد دفعوا بحزب «بهاراتيا جاناتا» إلى السلطة داخل الولايات الخمس.
وتكشف البيانات المتعلقة بآخر دورتي انتخاب برلمانيتين عن تراجع مشاركة الناخبين المسلمين، وكذلك انخفاض تمثيلهم داخل البرلمان الهندي. والجدير بالذكر أن المسلمين يشكلون 14.2 في المائة من السكان، وخلال كلتا الدورتين الانتخابيتين كان ما يقل قليلاً عن 10 في المائة من الناخبين من المسلمين. وبين الفائزين عام 2014، كان هناك فقط 22 مسلماً، وهو ما يمثل أدنى معدل على الإطلاق. وفي حين أعرب برلماني مسلم عن اعتقاده بأن المناخ السياسي خلال الانتخابات جعل من العسير للغاية على المرشحين المسلمين الحصول على أصوات غير المسلمين، فإن بعض علماء الاجتماع يختلفون مع هذا الطرح. ومن هؤلاء هلال أحمد، البروفسور المساعد لدى «مركز دراسة المجتمعات النامية»، الذي قال: «لا يمكن للبيانات أن تعبّر عن تعقيدات الدوائر الانتخابية، فثمة عوامل أخرى فاعلة... وبخلاف وجهة النظر السائدة، ثمة درجة كبيرة من التعددية الاجتماعية داخل المجتمع، ويحدد هذا التنوع طبيعة التفاعل السياسي للمسلمين. وأنا أعتقد أن هناك كثيرين من المسلمين لا يرغبون في انتخاب مرشحين مسلمين بعينهم لتمثيلهم».

تأثير كشمير المحتمل على المعركة
- في أعقاب مقتل 40 هندياً شبه عسكريين في كشمير، وما تبع ذلك من تصعيد عسكري بين الهند وباكستان، اكتسبت كشمير أهمية إضافية كقضية انتخابية في إطار الانتخابات العامة المرتقبة داخل الهند، حيث يحاول حزب «بهاراتيا جاناتا»، بقيادة ناريندرا مودي، الاحتفاظ بقبضته على السلطة.
ويعتقد خبراء معنيون باستطلاعات الرأي، أن مودي وحزبه سيستفيدان من رد الفعل الهندي القوي تجاه الهجوم الانتحاري الذي وقع في كشمير، ذلك أن الناخبين ينظرون إليه الآن بصفته قائداً حاسماً وقوياً. وفي هذا الصدد، ذكر إم كيه فينو، أحد هؤلاء الخبراء، أن: «الحقيقة أن هجوم بولواما يشكل فرصة مغرية للغاية أمام (بهاراتيا جاناتا)، ومن المتعذر على الحزب تفويتها دون السعي للاستفادة منها في خدمة أغراض سياسية. وسيكون من المنطقي تماماً أن يحاول مودي تشتيت الأنظار بعيداً عن نقص الوظائف والأزمات المشتعلة في المناطق الريفية، وباتجاه مسألة من الطرف المؤهل على النحو الأمثل للحفاظ على الأمن الوطني للبلاد. وسيسعى (بهاراتيا جاناتا) لمزج الأمن الوطني والغضب الشعبي إزاء ما حدث في كشمير. ومن الممكن أن يمثل ذلك مزيجاً فاعلاً ويجب أن تكون أحزاب المعارضة على استعداد للتصدي لهذا الأمر خلال حملاتها الانتخابية حتى عقد الانتخابات بعد شهرين من الآن».
ويذكر أن أحزاب المعارضة الهندية كانت قد شنّت هجوماً موحّداً ضد رئيس الوزراء مودي لما اعتبروه تسييساً منه للقوات المسلحة في خضم محاولته ركوب موجة المشاعر الوطنية المتأججة حالياً لضمان الفوز بفترة ثانية في السلطة عبر الانتخابات العامة المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن جذور الصراع في كشمير تعود إلى فترة فك الإمبراطورية البريطانية ارتباطها بشبه القارة الهندية. ولدى إعلان الاستقلال عام 1947، ووجه المهراجا الهندوسي لكشمير (الإقليم ذي الغالبية المسلمة) بغزو من جانب أبناء القبائل الباكستانية. ولجأ المهراجا - الذي لم يكن يحظى بشعبية تذكر - إلى الاتحاد الهندي طلباً للعون ووقّع معاهدة انضمام تحوّلت كشمير بمقتضاها إلى جزء من الاتحاد الهندي. وبالفعل، أرسلت الهند قوات إلى الإقليم، وبذا اشتعلت شرارة الحرب الأولى بين الهند وباكستان.
أوقفت القوات الهندية الزحف الباكستاني بعد سيطرته على ثلث كشمير عام 1948، وحالياً ينقسم الإقليم بين الهند وباكستان. ويمثل «خط السيطرة» الحدود الفاصلة بين شطري الإقليم، وكان قد رُسم في أعقاب حرب 1947 - 1948 بين البلدين. وعلى امتداد الحروب التي اشتعلت في السنوات التالية، دخلت تغييرات طفيفة على هذا الخط. لكن منذ ذلك الحين، وقعت أعمال عنف وهجمات إرهابية بانتظام داخل الإقليم، استهدفت غالبيتها أهدافاً عسكرية وشبه عسكرية وحكومية داخل كشمير. واتهمت حكومات هندية متعاقبة المؤسسة العسكرية والاستخبارات الباكستانية بالمسؤولية عن تجنيد ودعم المتورطين في الهجمات، الأمر الذي تنفيه باكستان.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».