الهند تتطلع لأن تكون سلة غذاء الخليج

حددت الإمارات 20 منتجاً غذائياً يجري استيرادها من الهند في الوقت الحالي بكميات كبيرة
حددت الإمارات 20 منتجاً غذائياً يجري استيرادها من الهند في الوقت الحالي بكميات كبيرة
TT

الهند تتطلع لأن تكون سلة غذاء الخليج

حددت الإمارات 20 منتجاً غذائياً يجري استيرادها من الهند في الوقت الحالي بكميات كبيرة
حددت الإمارات 20 منتجاً غذائياً يجري استيرادها من الهند في الوقت الحالي بكميات كبيرة

تُقدر قيمة الاستثمارات الأجنبية في الهند بنحو 10 مليارات دولار أميركي، غالبيتها في مجال المنتجات الغذائية الهندية، ومن المتوقَّع أن تستثمر عشرات الشركات تحمل 30 جنسية في قطاع الغذاء الهندي، من ضمنها شركات بارزة من منطقة الخليج العربي.
وتتضمن القائمة أسماء شركات عالمية أميركية كبيرة، مثل «أمازون»، و«كارغيل»، و«كيلوغز»، و«موندليز»، والسويسرية «نسلة»، والبريطانية «يونيليفر»، واليابانية «ياكولت»، والألمانية «ريوي»، والأسترالية «كاليناري فودز» والكندية «غلوبال تشويس فوودز» والتشيلية «سوك»، والهولندية «جامبو»، والإماراتية «لولو»، والسعودية «باندا ريتيل»، والكندية لابلو، والروسية «إكس 5».
ويمثل قطاع إعداد وتجهيز الأغذية نسبة 32 في المائة من إجمالي سوق الغذاء في الهند، الذي تُعد من أكبر الأنشطة الاقتصادية في الهند حيث تحتل المرتبة الخامسة من حيث الإنتاج والاستهلاك والصادرات والنمو المتوقع. ويساهم قطاع الغذاء بنحو 14 في المائة من إجمالي الناتج القومي الصناعي، و13 في المائة من صادرات الهند، و6 في المائة من إجمالي الاستثمارات الصناعية.
وارتفعت صادرات الهند لتبلغ 36.71 مليار دولار عام 2017 - 2018، مسجلةً صعوداً طفيفاً عن العامين الماضيين، لتقترب من مستوى 39.33 مليار دولار الذي حققته منذ خمس سنوات.
وفي هذا الصدد، صرح وزير التجارة والصناعة الهندي، صراه بارباه، أخيراً، بأن السعودية والإمارات أبدتا رغبةً في الاستثمار في قطاع الصناعة الهندي، مشيراً إلى أن «الدولتين ستستخدمان الهند قاعدةً لأمنهما الغذائي. ومن المتوقّع أن ترد استثمارات في قطاع الزارعة والإمداد الهندي من الإمارات والسعودية، بالإضافة إلى 15 - 20 دولة أخرى من مختلف أنحاء العالم».
وأضاف الوزير الهندي، قائلاً: «فيما يخص سياستنا التصديرية، فقد قرّرنا إزالة جميع الحواجز على المنتجات العضوية والمٌصنّعة. فالسعودية والإمارات لديهما الرغبة في الاستثمار بالغذاء العضوي والمُصنّع، وهو ما سيعود بالنفع على الدولتين وعلى باقي دول الخليج، وعلى الهند على حد سواء، خصوصاً بالنسبة للمزارعين الذين يتطلعون لأسعار أفضل لمنتجاتهم».
- الشرق الأوسط
ستقوم الهند بإنتاج الغذاء لصالح كثير من دول الخليج. فالإمارات مثلاً ستستثمر بما قيمته 5 مليارات دولار أميركي خلال الثلاث سنوات المقبلة لتعزيز أمنها الغذائي من خلال بناء مشروعاتٍ للبنية التحتية لتصنيع الغذاء عالي المستوى، وإنشاء سلاسل تبريد لحفظ الغذاء وتطوير تكنولوجيا الحفظ والتغليف والتسويق.
وتعمل الدول الخليجية ذات الطبيعة الصحراوية على تنمية نوع من الشراكة يساعدها على الاستفادة من مزارع الحفظ والتخزين في الولايات الهندية، مثل «ماهارشتا» و«غوجرات» و«ماديا بيداش» لحفظ منتجاتها الزراعية قبل تسويقها في أسواق الخليج العربي. وفي إطار هذه الشراكة، ستشرع الولايات الهندية في العمل لصالح أسواق دولة الإمارات حيث تقوم شركة الإنشاء الإماراتية العملاقة «إعمار» ببناء مستودعات تخزين في ثلاثة ولايات هندية.
وسيكون المشروع الذي يحمل اسم «من المزرعة إلى الميناء» على غرار منطقة اقتصادية حرة أخرى جرى إنشاؤها بالفعل بغرض التصدير لسوق محددة في الإمارات. وبحسب خبراء الاقتصاد، فإن ممر الغذاء الهندي الإماراتي سيعود بالنفع على نحو مليوني مزارع وسيخلق 200 ألف فرصة عمل جديدة بمختلف أنحاء الهند.
ويهدف ممر الغذاء الهندي إلى استغلال التربة الخصبة للأرض في الهند التي تكفي لزراعة منتجات غذائية تكفي لإطعام 1.2 مليار نسمة، لكن 30 في المائة من هذا الغذاء يجري إهداره، وبإمكان دولة الإمارات جلب الاستثمارات المطلوبة حتى اكتمال زراعة المحاصيل، ومن ثم تشتريها الشركات الإماراتية بسعر أقل، وهو ما عبّر عنه السفير الهندي لدى الإمارات بقوله: «الإمارات ستستفيد من المشروع، وكذلك المزارعون سيحصلون على سعر أفضل».
وتصدّر الهند حالياً منتجات غذائية بقيمة 2.5 مليار دولار للإمارات كل عام، وقد يساعد ممر الغذاء المشترك على زيادة هذا الرقم ليصبح 7 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة. وقد حددت الإمارات 20 منتجاً غذائياً يجري استيرادها من الهند في الوقت الحالي بكميات كبيرة، ولذلك تنافس الهند بقوة في تصدير هذه المنتجات.
وتشمل الصادرات الحبوب الغذائية والخضراوات والفاكهة وحتى الدواجن، ولذلك تبرم الشركات الإماراتية اتفاقات مع شركائها في الهند، إما لتصنيع تلك المنتجات، أو لحفظها في ثلاجات قبل شحنها إلى الإمارات عند الحاجة إليها.
ومن المقرَّر أن يبدأ المشروع في الولايات الوسطى والغربية، وهي ولايات «ماهرشترا»، و«مادايا برداش»، و«كوجرات»، وذلك نظراً لسهولة النقل إلى الإمارات من خلال الموانئ في الساحل الغربي للهند. وبالتزامن مع ذلك، تسعى مبادرة «بزنس ليدر فورام» ومقرها الإمارات - مبادرة مشتركة بين وزارة الاقتصاد الإماراتية والسفارة الهندية في أبوظبي والقنصلية الهندية في دبي - إلى تعزيز الاستثمارات في ولاية أندرا الهندية الجنوبية.
- المشترون الأجانب
وأبدى المشترون الأجانب من دول مثل الصين وكوريا الجنوبية وفيتنام والمكسيك والاتحاد الأوروبي اهتماماً بالغاً بالمنتجات الغذائية العضوية الهندية، وبالعمل على رفع معدلات توريدها إلى الأسواق في بلادهم. فمثلاً شركة «كوكاكولا» العالمية أبدت اهتماماً كبيراً بالاستثمار في محاصيل إنتاج الوجبات الخفيفة اللذيذة في الهند التي تُعد سوقاً واعدة للتصدير إلى العملاق الأميركي. وعلى المنوال ذاته، تعمل شركة «لايز» التي تنتج رقائق البطاطس على بناء خط إنتاج جديد بمصنعها في ولاية غرب البنغال.
وتعتزم شركة «بيبسي كولا» زيادة واردات البطاطس من غرب البنغال بواقع 50 في المائة. والجدير بالذكر أن جميع كميات البطاطس التي تستخدمها مصانع «ليز» و«أنكل شيبس» من إنتاج مزارعي الهند. وقد أفاد السفير الياباني كنجي هرماتسو بأن أكثر من 50 شركة قد أبدت رغبة في العمل بالمناطق التي تضمُّ سلاسل التبريد وتجهيز المنتجات الغذائية، فيما تسعى الشركات الدنماركية إلى الاستثمار في الغذاء العضوي.
وصرح برباه بروثكار، رئيس هيئة «إعداد المنتجات الغذائية» بقوله، «بالإضافة إلى أبداء الاهتمام بالمحاصيل العضوية الهندية فإن المستهلكين الأجانب أيضاً يتفاعلون مع الشركات ومع المزارعين الهنود ويسعون إلى تبادل المعلومات معهم. ومن أكثر المنتجات التي تحظى بطلب كبير محاصيل بذور الكتان والسمسم وفول الصويا، وكذلك الأرز والشاي والنباتات الطبية».
وأخيرا قامت الهند بعمل تعديل جديد في سياستها الزراعية لمضاعفة قيمة صادراتها لتبلغ 60 مليار دولار بحلول عام 2022. واستطرد بارباه بقوله إن «كل ولاية ستخصص قسماً مستقلاً لتطوير صادراتها الزراعية، بالإضافة إلى إنشاء أقسام مخصصة لإنتاج سلع بعينها. وقمنا أيضاً بتخصيص موانئ محددة لتصدير المنتجات الزراعية».
غير أن غوكول باتنايك الرئيس السابق لهيئة تنمية وتطوير الصادرات الزراعية وتجهيز المنتجات الغذائية، أفاد بأن «تحقيق هدف تصدير منتجات زراعية بقيمة 60 مليار دولار بحلول عام 2022 يبدو طموحاً للغاية ومبالغاً فيه، بالنظر إلى أوضاع الأسواق العالمية في الوقت الحالي، ذلك لأن سلّة صادرات الهند تتضمن في الغالب اللحوم والمأكولات البحرية والأرز البسمتي، وجميعها منتجات لا تتمتع بمرونة الطلب في أسواق العالم، ولذلك فإن تغيير كمية الطلب ليس بالأمر السهل».



ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

سجلت السعودية في ختام السنة المالية 2025 أداءً اقتصادياً لافتاً يعكس نجاح سياسات التحول الوطني وقدرة الاقتصاد على النمو المستدام، حيث كشفت النتائج المالية عن «توازن استراتيجي بين الإنفاق التوسعي الجريء، والحفاظ على رصانة المركز المالي».

وقد جسد ذلك العام محطة مفصلية في مسيرة «رؤية 2030»، إذ تُرجمت الأرقام إلى مشروعات حقيقية وخدمات متطورة لامست حياة المواطنين بشكل مباشر؛ «مما يعزز الثقة الدولية بمتانة الاقتصاد السعودي ومستقبله الواعد».

وعلى صعيد الموارد المالية، فقد «حققت المملكة نجاحاً استثنائياً في تنويع مصادر دخلها، حيث بلغت الإيرادات الإجمالية لعام 2025 نحو 1.111.826 تريليون ريال (ما يعادل 296.48 مليار دولار)».

وتبرز القوة الحقيقية لهذا الأداء في الصعود التاريخي للإيرادات غير النفطية التي وصلت إلى 505.282 مليار ريال (نحو 134.74 مليار دولار)، وهو ما يمثل «دليلاً قاطعاً على فاعلية الخطط الاقتصادية في تقليص الاعتماد على النفط، وخلق روافد مالية جديدة ومستقرة، تضمن استمرارية النمو الاقتصادي تحت مختلف الظروف العالمية».

وبشأن الإنفاق الحكومي، فقد كان عام 2025 عاماً لـ«الاستثمار في الإنسان والتنمية بامتياز»، حيث بلغ إجمالي المصروفات الفعلية 1.388.432 تريليون ريال (نحو 370.24 مليار دولار). وقد وجهت الحكومة هذه المبالغ الضخمة بـ«كفاءة عالية نحو القطاعات الحيوية التي تمس جودة الحياة، حيث تصدّر قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية قائمة الإنفاق بـ278.878 مليار ريال (74.36 مليار دولار)، تلاه قطاع التعليم بـ212.464 مليار ريال (56.65 مليار دولار)».

ويعكس هذا «الإنفاق السخي على الرعاية الصحية والتعليم الرؤية الحكيمة للقيادة السعودية التي تضع رفاهية المواطن وتمكينه في قلب أولوياتها الوطنية، عادّةً أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم للمستقبل».

ونتيجة لهذا التوسع المدروس في الإنفاق الرأسمالي وتسريع وتيرة المشروعات الكبرى، فقد سجلت الميزانية عجزاً سنوياً بلغ 276.605 مليار ريال (نحو 73.76 مليار دولار)، منها 94.847 مليار ريال (25.29 مليار دولار) في الربع الرابع وحده. وقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة هذا العجز، حيث مُوّل بالكامل عبر إصدارات دين احترافية دون المساس بالاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

أما عن الجدارة الائتمانية والاستقرار المالي، فقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة التدفقات النقدية والالتزامات المالية، حيث مُوّل العجز السنوي الناتج عن تسارع وتيرة المشروعات الكبرى، والبالغ 276.605 مليار ريال (73.76 مليار دولار) بالكامل عبر أدوات دين احترافية وأسواق رأس المال، دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

هذا الموقف المالي القوي «يبعث برسالة تفاؤل واضحة للقطاع الخاص والمستثمرين المحليين والأجانب، ويؤكد أن المملكة تمضي قدماً في مشروعاتها الكبرى بخطى ثابتة وقاعدة مالية متينة تضمن استمرار النهضة الشاملة التي تشهدها جميع مناطق المملكة».


البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)

أرجأ البرلمان الأوروبي التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حسبما أعلن بيرند لانغ رئيس لجنة التجارة الخارجية في البرلمان.

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات تشريعية لإلغاء العديد من رسوم الاستيراد التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السلع الأميركية، وهو بند أساسي في الاتفاقية التي أُبرمت في اسكوتلندا، نهاية يوليو (تموز) الماضي.

وتتطلب هذه المقترحات موافقة البرلمان وحكومات الاتحاد الأوروبي.

وكان من المقرر أن تصوِّت لجنة التجارة في البرلمان، الثلاثاء، لكن تم تأجيل التصويت، في ثاني تعليق من نوعه من قبل مشرّعي الاتحاد الأوروبي.

وأوقف الاتحاد الأوروبي سابقاً العمل على الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته.

كانت المحكمة العليا الأميركية، قد قضت، في صفعة قضائية لترمب، بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظامه الجمركي السابق؛ مما دفع ترمب إلى البحث عن مسارات قانونية بديلة لضمان استمرار استراتيجيته القائمة على حماية الأسواق المحلية، ومعاقبة الخصوم التجاريين.

وقال ترمب بعدها إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة، الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرَّر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تمَّ اختباره قانونياً، وهو 15 في المائة».

وكان ترمب قد أعلن في البداية عن رسوم بنحو 10 في المائة فور صدور الحكم، غير أنه سرعان ما زاد النسبة، مستنداً هذه المرة إلى مادة قانونية تختلف عن «قانون القوى الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي أسقطته المحكمة.

وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية، الاثنين، إن ألمانيا تتوقع من الولايات المتحدة الرد سريعاً وبسياسة واضحة على قرار المحكمة العليا الذي ينص على أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس، دونالد ترمب، تجاوزت صلاحياته.

وأضاف المتحدث: «هناك حاجة لتحليل القرار، بما في ذلك مسألة أثره الرجعي على الرسوم الجمركية المفروضة بالفعل... نحن لا ننظر إلى هذا الأمر بهدوء أو بموضوعية، بل باهتمام بالغ. كما نتوقع من الجانب الأميركي الرد سريعاً وبسياسة واضحة تمكننا من الرد».


ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.