معطف الترانش... بدأ في الخنادق ووصل إلى السجادة الحمراء

ميغان ميركل وفستان مستوحى من المعطف الواقي للمطر -  كما اقترحته دار «بيربري» في عرضها لربيع وصيف 2019  -  نادين لبكي بمعطف دار «بيربري» الكلاسيكي
ميغان ميركل وفستان مستوحى من المعطف الواقي للمطر - كما اقترحته دار «بيربري» في عرضها لربيع وصيف 2019 - نادين لبكي بمعطف دار «بيربري» الكلاسيكي
TT

معطف الترانش... بدأ في الخنادق ووصل إلى السجادة الحمراء

ميغان ميركل وفستان مستوحى من المعطف الواقي للمطر -  كما اقترحته دار «بيربري» في عرضها لربيع وصيف 2019  -  نادين لبكي بمعطف دار «بيربري» الكلاسيكي
ميغان ميركل وفستان مستوحى من المعطف الواقي للمطر - كما اقترحته دار «بيربري» في عرضها لربيع وصيف 2019 - نادين لبكي بمعطف دار «بيربري» الكلاسيكي

من زي عسكري شهير إلى قطعة تُزين إطلالات النجمات على السجاد الأحمر، هكذا نُسجت خيوط القصة الطويلة لمعطف الخندق trench)). وعبر قرن من الزمان، استطاعت موضة القطعة الشهيرة أن تأكد قوتها الناعمة، وقدرتها على ترك بصمة في التاريخ تبقى في الوجدان، ربما أكثر من الحروب والمعارك السياسية.
ولا يزال معطف الترانش قادراً على جذب المعجبين، وأحدثهم الفنانة الأميركية إيما ستون التي ظهرت أخيراً، خلال حفل توزيع جوائز «AFI» في بيفرلي هيلز، بفستان أسود قصير مستوحى من تصميم معطف الترانش، وكان من تشكيلة دار الأزياء «لويس فيتون» لصيف وربيع 2019. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها معطف الترانش في مناسبات فنية بهذا الحجم، بل تكرر ظهوره على السجاد الأحمر، وعلى ممشى الأزياء، مما يعيدنا إلى تاريخ هذه القطعة، لنعرف كيف تسللت لتحتل مكاناً أساسياً في خزانة المرأة الأنيقة.
فهذا المعطف الكلاسيكي يتميز بتاريخ طويل متنوع ساهم في صعوده إلى واجهة الأناقة العصرية. فقد صُمم قبل الحرب العالمية الأولى، موجهاً لرجال الجيش البريطاني، وأخذ هذا الثوب الكلاسيكي منذ ظهوره حتى الآن التصميم نفسه، من ياقات ضخمة، وصدر مزدوج مُثبت بـ10 أزرار أمامية، وأشرطة ملتوية حول المعصم، ونسيج مضاد للماء، فضلاً عن رباط خصر لن يعي دلالته فوق صدر مزدوج مُحكم بأزرار على الجانبين إلا من يعود إلى التاريخ.
كل واحدة من التفاصيل التي ميزت تصميم معطف الترانش تخدم غرضاً: أحزمة الكتف وحزام الخصر تسمح للجندي بأن يعلق بها أي شيء قد يحتاجه داخل الخندق، أما النسيج فكان الغرض منه حمايته من البرد والمطر.
وقبل ظهور هذا التصميم، كان الجنود يرتدون معاطف طويلة، من نسيج سميك مصنوع من الصوف؛ كانت ثقيلة جداً وطويلة ومرهقة، فوجد الجنود صعوبة في استخدام معداتهم في أثناء ارتدائها، مما يفسر ظهور معطف الترانش، فقد كان أخف وزناً، وأسهل للحركة، ويسمح بكثير من الاستخدامات، فضلاً عن كونه يحمي من الطقس القاسي. باختصار، كان ثوباً مفيداً للغاية، وأكثر بكثير من مجرد معطف.
وعلى وجه الدقة، لم يُحدد من صاحب التصميم الأصلي لمعطف الترانش، بينما يعود كثير من الفضل في ظهوره إلى توماس بيربري، مؤسس دار أزياء «بيربري» التي تهز عالم الموضة حتى الآن. ففي عام 1879، اخترع نسيج الجبردين الذي كان تطويراً لنسيج قطني مطاط استخدم من قبل للحماية من الرياح والمطر، لكنه يسمح للخيوط أن تتنفس، ومن ثم لا يسبب روائح كريهة عند ارتدائه لوقت طويل، وقد تم اعتماد هذا النسيج في عام 1901.
وكانت الأقمشة التي طورها توماس بيربري شائعة بين النبلاء والمستكشفين والطيارين، ثم استخدمت لاحقاً لملابس العسكريين، وبالتبعية صُمم منها معطف الترانش الذي ذاع صيته خلال الحرب العالمية الأولى. وعندما بدأت الحرب العالمية الثانية، كان لا يزال هو الخيار المفضل للضباط في الميدان، ورأت دول أخرى كيف كانت هذه المعاطف عملية، لذلك انتقلت لجيوش أخرى.
وفضلاً عن كونه المعطف المفضل في ساحات المعارك، بدأ يكتسب بعض الشهرة في فترة ما بين الحربين العالميتين، فقد كان العصر الذهبي لهوليوود، وشوهد في كثير من الأفلام نجوم يرتدونه، لكن كان له دلالة منبثقة من كونه زياً عسكرياً يحمل كثيراً من المكر، لذا أصبح لصيقاُ بأدوار المحققين ورجال العصابات والنساء الغامضات. وفي عام 1941، ارتداه الممثل همفري بوغارت في فيلم «The Maltese Falcon»، ثم ظهر به مرة أخرى خلال أحداث فيلم «The Big Sleep» عام 1946. وهذه الأدوار القوية جعلته قطعة تتميز بالأناقة والوظيفية، فضلاً عن تاريخ مثير ساعده في التسلل إلى الموضة، ليصبح قطعة مهمة من الأزياء، مثل الجينز الأزرق.
وبعد مائة عام تقريباً، لا تزال الموضة تحتضن معطف الترانش، بل وتعتمده ضمن الأزياء الفاخرة. ويمكن القول إن دار الأزياء «بيربري» لا تزال القائدة في ما يخص تصاميمه الأكثر عصرية، إذ قدمت أنماطاً أنيقة منه للرجال والنساء، ساهمت في رواجه على مدار الأعوام الماضية.
وتعد حقبة التسعينات النقلة النوعية في الشكل التقليدي لهذا المعطف، حيث أدخلت «بيربري» بعض الأنماط غير المعتادة، مثل الألوان الزاهية، بعد أن عُرف معطف الترانش لسنوات بظلال الكاكي المموهة، كذلك أدخل النسيج المطبع، ومزجت بعض التصاميم بين الخامة التقليدية لمعطف الخندق وأنسجة أخرى مثل الدانتيل والساتان وجلد الثعبان، مع الحفاظ على الميزات الأصلية له، كالياقات العريضة والصدر المزدوج وحزام الخصر.
وخلال تشكيلات ربيع وصيف 2019، برز مرة أخرى، حيث قدمته دار «بالنسياغا» بأكتاف عريضة بشكل مبالغ فيه، بينما قدمته دار «سيلين» من الجلد الأسود، مع لمسة عصرية ظهرت في التطريز بالرؤوس المعدنية المميزة لحقبة التسعينات، كذلك قدمته دار «بيربري» من جلد التمساح بقصة محبوكة، وعلى النقيض ظهر المعطف بتصميم فضفاض في عروض كل من دار «ميزون مارجيلا» و«فالنتينو».
ولا شك أن مباركة المشاهير تأخذ الصيحة إلى الواجهة، وتجعلها محط أنظار، فهو على ما يبدو أصبح القطعة الجوكر التي دخلت مناسبات مختلفة. فكان رفيق لأناقة دوقة ساسكس، ميغان ميركل، عند دخولها القصر في بدايات العام الماضي، حيث اعتمدته في أول ظهور لها في عام 2019 بفستان أسود متوسط الطول، مع معطف الترانش بظل داكن من البيج، بتوقيع دار «أوسكار دي لا رونتا». وفي إطلالات سابقة، اعتمدت فستاناً عصرياً بتصميم مستوحى من الترانش من دون أكمام، بتوقيع العلامة الكندية «Nonie». وقد اعتمدته ميركل أيضاً خلال زيارتها لمدينة سيدني، وكان من تصميم «مارتن غرانت».
أما نجمة بوليوود، بريانكا تشوبرا، الصديقة المقربة للدوقة، فذهبت بمعطف الترانش إلى منبر أزياء لا يقل أهمية عن أسلوب الدوقات أو ممشى العروض، وهو السجاد الأحمر. وكان ذلك خلال حفل الميتوبوليتان بنيويورك عام 2017. وقد اختارته بتوقيع «رالف لورين»، وكان بتصميم يمزج بين التفاصيل التقليدية المميزة لهذا المعطف الأيقوني، مع لمسات تؤهله لأن يخطف الأنظار على السجادة الحمراء، فجاء مزداناً بذيل ممتد إلى عدة أمتار على الأرض، مع أكتاف ساقطة، وشق أمامي امتد لنهاية الساق.
وتوالت الإطلالات الأنيقة للنجمات والمشاهير بهذا المعطف الأيقوني، حتى جاء التصميم الراقي الذي قدمته دار أزياء «لويس فيتون»، وتألقت به الممثلة إيما ستون. كذلك اعتمدته ليدي غاغا من الجلد باللون السماوي الفاتح، في احتفال تكريم الممثل الشهير «سام إليوت»، وكان بتوقيع دار «ألكسندر وانغ»، ونسقته مع حذاء من دار «كريستيان لوبوتان».
وإذا كان معطف الترانش قد أصبح صيحة معتاد ظهورها في مناسبات فنية عالمية بارزة، فيبدو أن هذا الأمر سينتقل إلى عالمنا العربي أيضاً، بعد أن اعتمدت المطربة اليمنية بلقيس فتحي فستاناً فضياً مستوحى منه، بتوقيع مصممة الأزياء المصرية مرمر حليم.


مقالات ذات صلة

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

لمسات الموضة خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

بعد نحو 4 سنوات من قيادة الدار الإيطالية «إيترو» (ETRO)، تنتهي مرحلة ماركو دي فينتشنزو فيها باتفاق متبادل بين الطرفين، وفق ما جاء في البيان الصحافي. كان دي…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تفخر الدار الإيطالية التابعة حالياً لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية بمهارتها في نسج أرق خيوط الصوف في العالم

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة…

«الشرق الأوسط» (لندن)

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
TT

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)

بعد نحو 4 سنوات من قيادة الدار الإيطالية «إيترو» (ETRO)، تنتهي مرحلة ماركو دي فينتشنزو فيها باتفاق متبادل بين الطرفين، وفق ما جاء في البيان الصحافي. كان دي فينتشنزو قد عُيِّن مديراً إبداعياً للدار عام 2022، ليُصبح أول مصمم من خارج عائلة «إيترو»، يتولى هذا الدور منذ تأسيسها عام 1968. فالدار حينها كانت تسعى لتجديد دمائها ودخول المنافسة العالمية بلغة معاصرة، مع الحفاظ على إرثها المعروف بنقشاته الغنية وأقمشته الفاخرة.

المصمم ماركو دي فينتشنزو (إيترو)

خلال فترة قيادته، حاول المصمم الإيطالي أن يُعيد قراءة مفرداتها الكلاسكية، ولا سيما نقشة البايزلي التي أصبحت مرادفاً لهوية الدار، وصاغها لعدة مواسم بلغة أكثر حداثة تجمع بين الألوان الجريئة والتصاميم الديناميكية. امتدت هذه المقاربة إلى مختلف أقسام الدار، من الأزياء الجاهزة للرجل والمرأة وأيضاً الإكسسوارات ومنتجات أسلوب الحياة، في محاولة لترسيخ اسم «إيترو» بوصفه علامة تتجاوز حدود الموضة إلى مفهوم أوسع.

اعتمد المصمم على إرث الدار ونقشاته ليصوغه بلغة معاصرة (إيترو)

ورغم أن اسم ماركو دي فينتشنزو لم يصل إلى مرحلة النجومية، فإن سيرته الذاتية تقول إنه قبل انضمامه إلى الدار، شغل في دار «فندي» منصباً بارزاً في قسم المنتجات الجلدية، وكسب الكثير من الاحترام. كما أسس علامة خاصة به استخدم فيها الألوان والأنسجة بشكل مُكثَّف، وهو ما لفت اهتمام «إيترو» من الأساس.

في بيان الوداع، لم تُعلن الدار عن اسم المدير الإبداعي المقبل، واختارت أن تُركِّز على رحيله، بأن أعربت عن امتنانها له وعلى «تفانيه وإسهاماته الإبداعية خلال السنوات الماضية، متمنية له التوفيق في مشروعاته المقبلة».

ومع رحيله تدخل الدار مرحلة جديدة، في وقت تواجه فيه صناعة الموضة تحديات كبيرة، أدت إلى حركة واسعة من التغييرات في المناصب الإبداعية لدى عدد من دور الأزياء الكبرى.


عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.