علاوي: المالكي ترك إرثا متعبا.. وسياسته ولّدت مشكلات لم نتصورها في أسوأ أحلامنا

رئيس الوزراء الأسبق وصف في حديث لـ {الشرق الأوسط} هجوم رئيس الحكومة المنتهية ولايته على السعودية بـ«المأساوي»

علاوي: المالكي ترك إرثا متعبا.. وسياسته ولّدت مشكلات لم نتصورها في أسوأ أحلامنا
TT

علاوي: المالكي ترك إرثا متعبا.. وسياسته ولّدت مشكلات لم نتصورها في أسوأ أحلامنا

علاوي: المالكي ترك إرثا متعبا.. وسياسته ولّدت مشكلات لم نتصورها في أسوأ أحلامنا

يبدو الدكتور إياد علاوي، أول رئيس وزراء في العراق بعد تغيير نظام صدام حسين، غير متفائل أو متشائما حيال تكليف حيدر العبادي عن التحالف الوطني بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، لكنه (علاوي) بالتأكيد تتلبسه الخشية على مصير العراق والعراقيين وعلى العملية السياسية التي «وصلت إلى طريق مسدود، وعلى وحدة البلد الذي سيقسم بالتأكيد إذا بقيت الأوضاع على ما هي عليه».
علاوي الذي حصل في الانتخابات الأخيرة على 250 ألف صوت، وهو زعيم ائتلاف الوطنية التي لها 21 مقعدا في البرلمان العراقي.. «رغم التهميش والاعتقالات والاغتيالات والاجتثاث التي راح ضحيتها عدد من مرشحينا وأنصارنا، ومنع ناخبينا من الوصول إلى مراكز الاقتراع»، تحدث لـ«الشرق الأوسط» التي التقته في عمان، وقد طرح عبر حديثه الكثير من الأسئلة التي تعبّر عن حرصه على مستقبل العراق «الذي يمر بظروف صعبة للغاية»، مشيرا إلى أن «ائتلافنا سيشارك في الحكومة إذا سارت وفق خارطة طريق لا تهمش أحدا ولا تعتمد النهج الطائفي».
وفيما يلي نص الحوار:

* كيف ترون الأوضاع اليوم بعد رحيل رئيس الحكومة نوري المالكي؟
- المالكي ترك إرثا متعبا جدا للبلد، وهذه السنوات الثماني التي أمضاها في الحكم ولّدت مشكلات لم نكن نتوقعها حتى في أسوأ أحلامنا، بعد 12 عاما من رحيل نظام صدام تعبث «القاعدة»، والتي هي على شكل «داعش» بالعراق، و«داعش» وليدة «القاعدة». العراقيون المنتفضون في بغداد وبقية المحافظات بصورة دستورية منذ فبراير (شباط) 2011 توسعت مظاهراتهم لتكوّن حراكا جماهيريا واسعا لم يلتفت إليه وإلى مطالب الجماهير التي جزء كبير منها مشروعة، هذا التهميش ولّد شرخا طائفيا وألحق ضررا بشرائح مهمة من المجتمع العراقي وبالوحدة الوطنية وبالقوات المسلحة التي استخدمتها الحكومة بعد سنة ونصف السنة لمواجهة المعتصمين وولّدت معارك حتى اليوم، وقد سماهم المالكي «داعش»، وهم ليسوا بـ«داعش»، وإنما هم عبارة عن حراك شعبي يتألف من العشائر والقبائل وقوى مدنية أخرى رافضة للتهميش الطائفي والإقصاء السياسي. يضاف إلى هذا أن العراق أصبح بلدا معطلا ومنشقا ومنقسما يفتقر لمؤسسات الدولة، حتى القوات المسلحة التي كنا نعتقد أنها قادرة على حماية البلد من التحديات الأمنية لم تلتزم بذلك، والجيش العراقي البطل مجرب وقوي، لكنه فقد هويته للأسف ولم يعد يملك ما يقاتل من أجله، هذا ما تم تركه للشعب العراقي. أنا حاولت، عندما تسلم المالكي السلطة، وخصوصا عام 2010، أن أدعمه وأساعده حتى إنني لعبت دورا في زياراته الأولى لبعض الدول العربية، وخصوصا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية، وعندما كنت أسافر للقاء قادة بعض الدول العربية والأوروبية أكتب له رسائل، كتبت له ثلاث رسائل، فيما إذا كان هناك موضوع يمكن بحثه أو أنقل آراءه للآخرين، لكنه لم يجب عن أي رسالة، ثم انقلب علينا وبدا متحاملا وخرب الجهد السياسي، إذ إننا شاركنا معه في الوزارة الأولى لدعمه، لكننا انسحبنا منها لاحقا، وبدلا من أن ينفتح علينا حاول إغراء الوزراء بالمال، وأعني وزراءنا، وهذا عيب ولا يجوز بالعمل السياسي، نحن لم نأتِ ليزيح أحدنا الآخر، نحن كنا معارضين، وناضلنا من أجل تغيير نظام صدام حسين، وليس العمل ضد بعضنا البعض. وبعد الانتخابات قبل الأخيرة فازت «العراقية» على الرغم من عمليات الاجتثاث والتهميش والاعتقالات والقتل التي طالت مرشحينا وأنصارنا، لكننا فزنا وحققنا تقدما واضحا، ولكن بإصرار أميركي وإيراني، وبالتعاون مع رئاسة الجمهورية، تم الوقوف ضد «العراقية» وامتنعت رئاسة الجمهورية عن تكليفنا بتشكيل الحكومة بتأثير إيراني، وهذا ما اعترف به فيما بعد الرئيس جلال طالباني أمام عدد من أعضاء قائمتنا، وكان المالكي وراء كل هذا، واليوم يقول إن ائتلافه (دولة القانون) يجب أن يشكّل الحكومة باعتباره الفائز بالانتخابات الأخيرة، بينما أصر على حرمان «العراقية» من تشكيل الحكومة بعد فوزها في الانتخابات السابقة.. هذا ما تركه المالكي، خراب في العراق وللعملية السياسية.
* واليوم، كيف تنظرون للأحداث بعد رحيله؟
- اليوم هناك تكليف للسيد حيدر العبادي بتشكيل الوزارة، وهو جاء من رحم حزب الدعوة أيضا، نفس حزب المالكي، ولا نعرف حتى الآن توجهاته وبرنامجه وتوجهاته، وهناك أسئلة كثيرة تتعلق بما إذا سيتجه نحو التغيير الإيجابي أم أنه سينهج ذات الاتجاه السابق، هل سيتحدث بأسلوب جديد أم سيستخدم ذات اللغة السابقة؟، وهل سيدين المساوئ التي حدثت في السابق ويعزز الإيجابيات، إن وجدت، في المسيرة السابقة؟، هذه الأمور لا تزال مبهمة ومجهولة بالنسبة لنا، لكن الذي أعرفه جيدا هو أن المشهد العراقي لا يسر ومخيف ومؤذٍ، وخصوصا في ضوء التداعيات التي تحصل في المنطقة، يضاف إلى هذا كله أصبح المشهد السياسي لا يتقرر في العراق، وإنما في بعض العواصم، خاصة فيما يتعلق بالقرارات الاستراتيجية.
* أي عواصم تعني؟
- أعني طهران. قاسم سليماني (قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني) وباعتراف الإيرانيين زار العراق مؤخرا لإيجاد مخرج لأزمة تكليف رئيس الحكومة. وكذلك واشنطن التي عادت ودخلت على خط الوضع العراقي بعد أن كانت قد ابتعدت عنه ونسيته لفترة من الزمن. هاتان العاصمتان اللتان تتخذان القرارات السياسية المهمة نيابة عن الشعب العراقي. نحن قدمنا خارطة طريق واضحة لإنقاذ البلد وأرسلناها إلى بقية الأحزاب السياسية في العراق، وأملنا كبير بأن هذا التغيير الذي حدث يشكل فرصة جيدة للانتقال بالأوضاع نحو خير البلد والشعب، ونتمنى على الأخ العبادي أن يستثمر هذه لفرصة التاريخية التي منحت له، وأن يستثمر كذلك الدعم الدولي لقضية العراق، وأن يعمل من أجل ضمان وحدة العراق وإنقاذه من أزماته، وأن يترك مواقعه في حزب الدعوة ويكون رئيسا لحكومة العراق وليس ممثلا لحزب الدعوة، وأنا أتذكر أنني عندما كلفت رئاسة وزراء العراق من قبل مجلس الحكم تركت حركة الوفاق وسلمت القيادة بقرار مني لعماد شبيب، رحمه الله، ورفضت تعيين أعضاء في الحركة، باستثناء اثنين فقط، في مؤسسات الحكومة، وكنت أعتبر نفسي أعمل لكل العراق والعراقيين وليست لجهة أو طائفة معينة على الرغم من أنني كنت أتمتع بالصلاحيات التشريعية والتنفيذية. أملي بأن يستفيد العبادي من هذه الفرصة ويحقق للعراقيين ما لم يستطع المالكي تحقيقه ويشخص مواطن الضعف ويعلن عنها، وأن ينتقد التجربة السابقة لسلبياتها ويثمن إيجابياتها إذا كانت هناك إيجابيات، ليس من منطلق حزب الدعوة، وإنما من منطلق العراق ومصالح العراق، حتى نقدر على أن نبني علاقة ثقة وتواصل معه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عليه أن يوضح تصوراته بشأن ما يجب أن يكون عليه العراق، هناك ما لا يقل عن مليونين ونصف المليون نازح عراقي من محافظات مختلفة، والأخ العزيز مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان قال لي إن عندهم مليونا و200 ألف نازح من المحافظات الغربية ومناطق مختلفة، هذا قبل أحداث «داعش»، وهناك نازحون من بقية المحافظات إلى بغداد ومحافظات أخرى، وماذا سيكون العلاج للمحتجين في الحراك الجماهيري؟ أم أنه سيتم تفتيت القضية؟ وهل سيتم إطلاق سراح المعتقلين وبضمنهم خمسة آلاف امرأة؟ هل ستتم إعادة النظر بالاتهامات التي وجهت للبعض والتي لم تبن على أسس حقيقية؟ وماذا عن المصالحة الوطنية واجتثاث «البعث»؟ وهل سنبقى سائرين على طريق الطائفية السياسية وإحداث شروخ طائفية في المجتمع؟ وهل ستتأسس دولة على أساس الكفاءة وليس الانتماء الجهوي؟ هل ستعمل الحكومة الاتحادية على إطلاق قانون النفط والغاز وتوزيع الثروات بصورة متساوية؟ وهل ستلجأ إلى الحوار الإيجابي مع إقليم كردستان وإيجاد آليات واضحة للتعامل مع أربيل لتخفيف الأزمات؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تصب في وحدة العراق ونجاح الحكومة. خلال السنوات الثماني الماضية كان يجب إنجاز كل هذه الأمور، ولكن للأسف حتى اليوم تعقدت الأمور وزادت تعقيدا وتداعى البلد ودخلت قوى إرهابية من «داعش» تتكون من بضع مئات واستحوذت على مناطق هائلة من البلد وقتلت وشردت المواطنين الأبرياء.
* وماذا عن سياسات العراق الخارجية واتهام المالكي لبعض الدول العربية بالعداء للعراق؟
- من أكثر الأمور مأساوية هي توجيه الاتهامات من قبل الحكومة العراقية للدول العربية، وخصوصا السعودية التي دعمت العراق والعملية السياسية هي ودولة الإمارات العربية، اتهامات مستندة إلى أكاذيب، هل يعني أنه إذا جاء أفغاني أو قطري أو سعودي أو يمني أو سوداني ليقاتل ضمن صفوف «القاعدة» أو «داعش» في العراق، أن حكوماتهم هي التي أرسلتهم؟ وهل هذا يعني أن الحكومة العراقية هي التي أرسلت الميليشيات التي تقاتل في سوريا لدعم نظام بشار الأسد. كل الدول العربية وقفت ودعمت الحكومة العراقية ورئيسها السابق، لكنه وجه لها الاتهامات بدلا من الانفتاح عليها، ولهذا استبشرت هذه الدول خيرا عندما حدث التغيير في العراق مؤخرا.
* تتحدث كثيرا عن التغيير مع أن العبادي هو قيادي في ذات حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي وينتمي إلى نفس الائتلاف الذي يقوده المالكي، فما الذي يجعلكم تتفاءلون بحدوث تغيير إيجابي؟
- لا نتوقع الكثير، لكننا نتمنى عليه (العبادي) أن يستفيد من سلبيات المرحلة السابقة ومن الدعم المحلي والعربي والإقليمي والدولي الذي تلقاه في ترشيحه لرئاسة الحكومة، ولهذا قلت إن على الأخ العبادي أن يؤشر على مواطن خلال الفترة السابقة، وهو كان بقيادتها، وأن يفك ارتباطه مما حصل بالسابق ويبدأ بتنفيذ برنامج وطني واضح يصب باتجاه تحقيق حكومة شراكة وطنية ناجزة ومصالحة وطنية وعملية سياسية ناجحة لا تستثني إلا الإرهابيين وسارقي المال العام، والخروج من نفوذ التدخل الأجنبي وبناء مؤسسات الدولة على أسس غير طائفية وجهوية، هذا ما نؤمن بأنه المخرج الوحيد من الأزمة في العراق، وفي اعتقادي هذا ما يجب أن يصير وإلا لن يبقي عراق، يضاف إلى ذلك يجب ضم جماعة الحراك الوطني في أي حكومة قادمة باعتبارهم ممثلين لقوى وطنية مهمة ووقفت بصورة سلمية ضد الكثير من الإجراءات الخاطئة، وكانت لهم مطالب جزء منها مشروع وجزء آخر يمكن أن يكيف، هؤلاء يجب إشراكهم ولا يجوز الاعتماد على عناصر استفادت من النظام.
* هل التقيتم في أربيل بعض شيوخ العشائر المحتجين على الحكومة؟
- نحن نعرفهم جيدا منذ زمن طويل وهم أصدقاؤنا وإخوتنا، وبعضهم نرتبط معهم بعلاقات عائلية، مثل بيت السليمان الذين نعرفهم أبا عن جد وليس الآن، وكذلك الشيخ علي الحاتم وعشائر العبيد، ودحام المجمعي من عشائر المجمع، والجميلات بالأنبار، والشيخ مشحن كان عضوا في ائتلافنا، وحسين الشعلان، كيف لنا ألا نلتقي بهم ونتحدث معهم؟ هؤلاء هم من وقفوا معنا في القضاء على نظام صدام حسين، وعندهم مطالب مشروعة عبروا عنها بصورة سلمية وليس عبر الكفاح المسلح، بل كانوا محتجين والحكومة نكلت بهم، نعم نحن نتواصل معهم ومع بعض الأكاديميين والبعثيين الذين تركوا حزب البعث، وأنا أول مسؤول عراقي فتح أبواب الحوار بين المقاومة والبعثيين من جهة والإدارة الأميركية واستطعنا أن نقنع جزءا من المقاومة بالاشتراك في العملية السياسية، فإذا كان الحوار مع شيوخ العشائر من شمر وغيرهم يوقف نزيف الدم وإزهاق الأرواح فلماذا لا نتعاون ونتحدث معهم؟ هؤلاء ناس مسالمون وعروبيون ووطنيون وأشراف ولهم فضل وتاريخ في تأسيس هذا البلد وأجدادهم من قادوا ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني. أنا أعتقد أن مثل هذا الحوار كان يجب أن تقوم به الحكومة نفسها، لماذا كل هذا نزيف الدم؟ هناك إرهابيون يجب إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم حسب القوانين المعمول بها بدلا من توجيه الاتهامات جزافا أو أن هذا سني وذاك شيعي ومعارض.
* باعتقادكم ما هي صحة التهم الموجهة لسياسيين عراقيين بارزين من قبل المالكي؟
- أنا لا أعرف ما هي تهمة طارق الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية السابق، أو تهمة رافع العيساوي، وزير المالية السابق، أو ما هي تهمة أحمد العلواني، عضو البرلمان السابق؟ ولا أعرف ما هي قصة محمد علاوي، وزير الاتصالات السابق، ولماذا رئيس الحكومة ضده؟ ولماذا يطاردون سنان الشبيبي، محافظ البنك العراقي السابق، من بلد إلى آخر؟ ولا نعرف ما هي التهم ضد كريم وحيد، وزير الكهرباء السابق، أو الدكتور علاء العلواني وهو طبيب معروف وكان وزيرا للصحة ومسؤولا كبيرا في منظمة الصحة العالمية؟ وهناك الكثير من أمثالهم، لماذا هذه الاتهامات؟ وهل من حقهم أن يفصلوا التهم حسب ما يشاءون ويطلقون الأوصاف: هذا ضد العراق، وذاك خائن، تماما مثلما كان نظام صدام يفعل؟ المالكي يقول إن كل المعارضة عملاء وليسوا عراقيين، هذا الكلام نفسه كان يطلقه النظام السابق علينا وعلى المعارضة، وبين هؤلاء سني وشيعي ومسيحي وكردي، أي واحد إذا كان لا يؤيدهم فهو ضد العراق. دعني أقل لك هذه القصة، تربطني علاقة عميقة وقوية مع الأخ مسعود بارزاني وأكنّ له احتراما كبيرا جدا، كلمني في وقت متأخر، بعد الساعة الواحدة والنصف فجرا قبل عدة أشهر، وأنا أعرفه بأنه ينام مبكرا ويصحو مبكرا فاستغربت الأمر، سألته عن الموضوع فقال: لقد طفح الكيل، وكان منفعلا. وتابع قائلا: لقد وصل الموضوع إلى قطع أرزاق الناس وقطع رواتب الموظفين في إقليم كردستان، فكيف لي أن أسكت عن ذلك؟ فتحدثت معه وهدأته وقلت له المهم أن الانفعال لا يقود إلى الإخلال بالدستور، فأجاب: من غير المعقول أن يصل الأمر إلى قطع رواتب الناس. وأنا هنا أستغرب هذا التصرف، كيف يمكن لرئيس الحكومة أن يعاقب جزءا من الشعب العراقي بسبب اختلافه مع رئاسة إقليم كردستان؟ ما ذنب الموظف الذي يعول أسرته ويعتمد على راتبه ليجد نفسه بلا راتب وبلا مصدر مالي؟ إذا كانت هناك مشكلة سياسية تحل بالحوار وليس بمعاقبة الشعب الكردي. البناء كله خاطئ، والتوجه خاطئ، وهذا لا يجوز في بلد مثل العراق يمر بظروف صعبة جدا، ويضاف إلى ذلك ظروف المنطقة والظروف الدولية التي تزيد في تفاقم الأوضاع.
* هل تعتقدون أن هذه الظروف ستؤدي إلى تقسيم العراق؟
- إذا لم يحدث أي تغيير إيجابي، نعم البلد متجه نحو التقسيم. إذا نلاحظ المحافظات التي حدثت فيها الاحتجاجات والحراك الجماهيري والتي استغلت «داعش» ظروفها ودخلت إليها لن تعد تخضع وتقبل للركون إلى سيطرة بغداد عليها، اليوم يطرح المتوازنون مشروع النظام اللامركزي، والمتشددون يطالبون بإقامة الفيدراليات والأقاليم، أما الإخوة الأكراد في إقليم كردستان والذين أوغلت الحكومة المركزية بالضغط عليهم يتجهون للكونفدرالية وإجراء الاستفتاء على استقلال الإقليم. أنا وفي جلسة مع الأخ مسعود بارزاني وفي اجتماع منفصل مع الأخ نيجيرفان بارزاني، قلت لهما إذا تم إصدار قانون النفط والغاز وتحقق مبدأ تقسيم الثروات الوطنية فهل ستنحسر المشكلات. أجابني الأخ مسعود بارزاني قائلا: «كل المشكلات ستتراجع وحتى مسألة كركوك سوف تتراجع». وأنا أقول ذلك الآن علنا عبر جريدتكم. عندما عدت إلى بغداد كلفت أحد الأصدقاء، مجيد جعفر، وهو من المتخصصين في مجالي النفط والغاز والموارد المالية بكتابة دراسة موسعة وعملية حول هذا الموضوع وسلمتها للأخ عدنان الجنابي، نائبا عن «العراقية» ورئيس لجنة النفط والغاز في البرلمان السابق، حيث أنجز مشروعين، أحدهما عن النفط والغاز، والآخر عن توزيع الموارد المالية، وتمت إحالة المشروعين للأمم المتحدة التي دعت الكتل السياسية لاجتماع في مقرها ببغداد حول الموضوع وتمت دراسة المشاريع وقدمناها إلى مجلس النواب، لكن الحكومة اعترضت وقالت نحن نقدم المشاريع، وحسب القانون فإن الأولوية للمشاريع التي تتقدم بها الحكومة ثم مجلس النواب، وبالنتيجة الحكومة لم تقدم أي مشروع قانون ولم تسمح للجان البرلمانية بتقديم مشروع القانون، وهذا الموضوع خلق عقدة كبيرة بين إقليم كردستان والمحافظات من جهة وبين المركز من جهة أخرى. عندما تكون هناك قوانين واضحة تنظم الشراكة في الاقتصاد والأمن واتخاذ القرارات المهمة تكون كل الأمور واضحة، لكن ما حدث هو عكس ذلك، تهميش وتوجيه اتهامات واضطهاد للناس.
* إزاء ما ذكرتم من تجاوزات قام بها المالكي تجاه البلد والناس، باعتقادكم هل سيتعرض (المالكي) للمساءلة القانونية أو القضائية؟
- بالتأكيد، هو ومسؤلون آخرون في الحكومة يجب أن يتعرضوا للمساءلة، صارت انتهاكات للأرواح وقتل بالجملة، اعتقالات، خروقات للدستور، فساد مالي فظيع، اتهامات لوزراء، هناك وزراء أبلغوني بأنهم سيرفعون دعاوى ضد المالكي وضد مسؤولين في حكومته وبينهم ابن عمي محمد علاوي، وزير الاتصالات المستقيل. أنا من قلت له أنت لا تستطيع أن تنسجم مع هذه الحكومة ولا يليق بك أن تبقى فيها وعليك أن تستقيل وفعل، وبعد استقالته بدأ عليه هجوم كبير واتهامات رخيصة تشوه سمعته وتاريخ عائلتنا مع أن الجميع يشهد على نزاهته وإخلاصه للبلد ولعمله، وسبب استقالته أنه كشف صفقات فساد مدعومة من المالكي ولم يوافق عليها.
* باعتقادكم لماذا هذا الإصرار على أن يحكم حزب الدعوة العراق؟ ولماذا يجب أن يكون رئيس الحكومة من هذا الحزب للمرة الثالثة (الجعفري والمالكي والعبادي)؟
- أنا تحدثت مع قيادات التحالف الوطني ودعوتهم لاختيار مرشح لرئاسة الحكومة من خارج حزب الدعوة، هناك أشخاص أكفاء ومؤهلون لرئاسة الحكومة من أطراف أخرى في التحالف الوطني، مثل عادل عبد المهدي أو أحمد الجلبي، أو حتى (إبراهيم) الجعفري، ومع عبد المهدي هناك نوع من الاطمئنان كونه إيجابيا ومنفتحا على الآخرين، وكل الطيف العراقي مقتنع به، ولا أدري كيف آلت الأمور إلى هذه النتيجة؟ وما أعرفه هو أن إيران كانت لها دور مؤثر في جميع المرشحين في المراكز الرئيسة، وكان من الأفضل لو أن المرشح كان من غير حزب الدعوة على الرغم من أننا نأمل أن يقوم العبادي بما يجب.
* هل ستشاركون في حكومة العبادي؟
- إذا حقق ما يضمن وحدة العراق والخلاص من أزماته وحكم البلد باعتباره رئيسا لحكومة العراق وكل العراقيين وليس مسؤولا في حزب الدعوة وقدم برنامجا يضمن سلامة البلد فسنكون معه، وبعكس ذلك فسنكون ضد توجهاته. مشاركتنا في الحكومة تعتمد على مرحلتين، الأولى خارطة الطريق، فإذا اتفقنا عليها أو على جزء كبير ومهم منها فسنشارك، ونريدها حكومة شراكة وطنية حقيقية، نحن لا نبحث عن امتيازات شخصية ولا عن مصالح ضيقة، وإنما نبحث عن مصالح العراقيين وامتيازات لهم. على أي أساس يهاجر مسيحيو العراق وهم السكان الأصليون للبلد؟ منذ أكثر من عام وهم يتركون بلدهم ما عدا ما حدث لهم مؤخرا في الموصل على أيدي «داعش» التي أرغمتهم وبشكل مقزز على ترك بيوتهم ومدينتهم، وكذلك الإيزيديون الذين تعرضوا للمذابح والتهجير القسري، وقبلهم أهل الأنبار وتكريت وسامراء وديالي ومن بابل ومن بغداد وحزام بغداد ومن الناصرية والبصرة، لماذا كل هذا حدث ويحدث؟ نحن لا نريد أن يكون في العراق مواطنون من الدرجة الأولى والثانية والثالثة، نريد أن يشعر العراقي بأن كل العراق له ويعيش بكرامة ومرفوع الرأس، بغير ذلك لا يمشي الحال. فإذا سارت الحكومة المقبلة بهذا الطريق فأهلا وسهلا، وسنكون جنودا من أجل إنجاحها، وبخلافه سيكون لنا موقف آخر بالتأكيد.
* هل هناك احتمال أن يكون إياد علاوي وزيرا في الحكومة المقبلة؟
- أستطيع أن أقول لكم إن الموضوع يعتمد على مسار الحكومة المقبلة، فإذا جاء المسار بالطريقة الصحيحة التي تحدثنا عنها آنفا، ووفق خارطة الطريق التي قدمناها فلن أجلس فقط مؤيدا، بل أكثر من هذا، أما إذا لم يتحقق ذلك فسنقف بالضد، ليس من الحكومة فقط، وإنما من العملية السياسية برمتها لأنها وصلت إلى طريق مسدود، وإذا لم يتم تصحيح العملية السياسية فلا معنى للحكومة ولا لمجلس النواب ولا للبلد أو الدولة. العملية السياسية قادت العراق إلى الدمار بسبب التهميش والطائفية السياسية وهيمنة النفوذ الخارجي عليها وبسبب الإقصاء. بسبب فشل العملية السياسية لم يستطع مجلس النواب السابق الذي ترأسه الأخ أسامة النجيفي، وهو رجل فاضل ومتمكن، من أن يصدر قانونا مهما واحدا، القوانين صارت تصدر على أساس هذا للشيعة، وذاك للسنة، وقانون للأكراد، وآخر للمسيحيين، وهذه القوانين لم تتحرك أو تفعّل، حتى القوانين البسيطة عجز البرلمان عن إصدارها مثل قانون الأحزاب وقانون المحكمة الاتحادية، وقانون الانتخابات، ناهيك بإصدار النظام الداخلي لمجلس الوزراء وقانون النفط والغاز وقانون الهيئات المستقلة.
* هل تعتقدون أن هناك حلا للأزمة بين بغداد وإقليم كردستان؟
- أولا، نحن ممتنون للأكراد، ليست كقيادة فقط، وإنما كشعب لأنهم استضافونا عندما كنا في المعارضة وتحملوا قسوة النظام السابق بسبب وجودنا عندهم أيضا، وأنا تربطني علاقات وثيقة مع الإخوة الأكراد، وخصوصا السيد مسعود بارزاني، وبغداد تتحمل مسؤولية سوء العلاقة بين الحكومة المركزية والإقليم، وهذا أضر بالعراق وبالشعب العراقي كله، وأضر بجزء مهم من شعبنا، وهم الأكراد، الذين لعبوا دورا مهما في تاريخ العراق، فهم أول من نادوا بشعار «الحكم الذاتي لكردستان والديمقراطية للعراق»، عندما انطلقت ثورتهم بقيادة الراحل ملا مصطفى بارزاني، ومنحوا الحكم الذاتي عام 1970 من قبل حزب البعث، ولو كانت الأمور قد سارت بشكل سليم منذ ذلك الحين لما كان قد حدث للعراق ما حدث، وعندما جاء بنا الأميركيون عام 2003 كان من الضروري أن يكون هناك وعي وممارسة للتعامل الأخوي والشفافية في العلاقة مع الإخوة الأكراد، بدلا من دفعهم إلى مستوى من التطرف الذي وصل إليه البعض منهم أو للانعزال أو حصرهم بمواقف عانوا منها مما أدى إلى تعقيد وتوتر لأوضاع السياسية. هذا ليس صحيحا، وأنا ولمرات كثيرة تحدثت بعمق عن المشكلات التي يعيشها العراق، وأقسم بأن مشاعره الوطنية مخلصة جدا إزاء البلد والشعب العراقي، وممارساته تؤكد ذلك، وهو رجل عندما يعطي كلمة يلتزم بها وليس عنده أوجه متعددة، بل وجه واحد وكلمة واحدة ولا يتمتع بازدواجية بتفكيره أو سلوكه نهائيا.
* وماذا عن السنة في العراق؟
- لنفترض أن بعض السنة قد أساءوا، ما كان يجب أن يتم التعامل معهم بالطريقة التي تعاملت بها الحكومة من سياسات إقصاء وتهميش وعدوانية.
* الرئيس باراك أوباما قال في حديث نشرته «الشرق الأوسط»، إن الشيعة ضيعوا الفرصة، أو فشلوا في حكم العراق، ما هو تعليقكم؟
- من يقصد بالشيعة؟ ثم لماذا الإدارة الأميركية اعتمدت أسلوب تقسيم المجتمع العراقي إلى سنة وشيعة وأكراد. الشيعة لم يفشلوا في العراق، بل هناك نمط من الشيعة هم من فشل، وهؤلاء لا يمكن أن تسميهم كممثلين عن شيعة العراق، بل هؤلاء فشلوا ليس لأنهم شيعة، بل لأنهم فشلوا في إدارة العراق، وهناك سنة شاركوا في الحكم وفشلوا، وقناعتي التامة أن العملية السياسية يجب ألا تعتمد على المحاصصة وألا يدّعي أحد أنه يمثل هذه الطائفة أو تلك، فالتحالف الوطني يمثل جزءا من المجتمع الشيعي وليس كل الشيعة، والكتل السنية تمثل جزءا من السنة وليست كل السنة، ولو كانت الدولة العراقية باقية ولم تتفكك، ولم يحدث سوى إزاحة نظام صدام حسين، لكانت نتائج الانتخابات تغيّرت، لكن الانتخابات بقيت محصورة على ناس وليس كل الناس.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.