موسكو تحض المعارضة السورية على اعطاء أولوية للإغاثة واللاجئين

لافروف يصل إلى الكويت لإجراء مباحثات ... والجيش الروسي يدرب فصائل فلسطينية في حلب

لافروف خلال لقائه رئيس «هيئة التفاوض السورية» المعارضة نصر الحريري في الرياض أمس (هيئة التفاوض السورية)
لافروف خلال لقائه رئيس «هيئة التفاوض السورية» المعارضة نصر الحريري في الرياض أمس (هيئة التفاوض السورية)
TT

موسكو تحض المعارضة السورية على اعطاء أولوية للإغاثة واللاجئين

لافروف خلال لقائه رئيس «هيئة التفاوض السورية» المعارضة نصر الحريري في الرياض أمس (هيئة التفاوض السورية)
لافروف خلال لقائه رئيس «هيئة التفاوض السورية» المعارضة نصر الحريري في الرياض أمس (هيئة التفاوض السورية)

أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حرص بلاده على مواصلة التنسيق مع الأطراف المعنية لتسريع عملية تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا مع إعطاء أولوية لعودة النازحين والإغاثة. فيما برز، أمس، تراجع في اللهجة الروسية عن إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل يومين توجهه إلى إطلاق «مجموعة عمل لتنسيق ملامح التسوية النهائية» تضم أطرافاً دولية وإقليمية.
جاء حديث لافروف بعد سلسلة لقاءات أجراها في العاصمة السعودية، وختمها أمس، بجلسة محادثات مع رئيس الهيئة العليا للمفاوضات السورية المعارضة نصر الحريري، ليغادر بعدها إلى محطته الثالثة الكويت، ليجري مباحثات مع المسؤولين الكويتيين، تتناول العلاقات الثنائية والأزمة السورية ومكافحة الإرهاب.
ودعا الوزير الروسي، المعارضة السورية لـ«دعم جهود المجتمع الدولي في تقديم المساعدات الإنسانية للشعب السوري، وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين». وأعرب لافروف عن أمل موسكو أن تسهم المعارضة السورية بالإسراع في تشكيل اللجنة الدستورية.
وخاطب الحريري بالإشارة إلى «سعيكم المتواصل لإيجاد حلول، ونعوّل على أن تساهموا مع غيركم من ممثلي المعارضة السورية في الإسراع بتشكيل اللجنة الدستورية».
وشدد الوزير الروسي على أن موسكو «تأمل أن تؤيد المعارضة المسؤولة جهود المجتمع الدولي في تقديم مساعدات للسوريين ليس فقط من خلال المساعدات الإنسانية، ولكن أيضاً في تهيئة أبسط الظروف للحياة وإعطائهم الفرصة للعودة إلى ديارهم».
وشارك في وفد المعارضة مع الحريري كلٌّ من نائب رئيس الهيئة جمال سليمان، ورئيس مكتب العلاقات الخارجية فيها بدر جاموس، وأمين السر صفوان عكاشة وممثل المجلس الوطني الكردي إبراهيم برو، والعضو في «منصة موسكو» علاء عرفات.
واستبق الوزير لافروف وصوله الكويت بتصريحات وصف فيها علاقات بلاده بالكويت بأنها «علاقات صداقة أصيلة» تقوم على أساس التكافؤ والاحترام المتبادل والتعاون البناء.
وأوضح في حوار مع وكالة الأنباء الكويتية أن المباحثات استتناول مناقشة تفصيلية للوضع في سوريا، وقضية التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية، والأوضاع في المناطق الملتهبة في المنطقة، خصوصاً آفاق تسوية هذه النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية، على أساس القانون الدولي، وعبر إقامة حوار وطني شامل.
إلى ذلك ذكر الدكتور يحيي العريضي، عضو الهيئة السورية للتفاوض، في اتصال هاتفي، لـ«الشرق الأوسط»، إن لافروف أكد دعم بلاده للعملية السياسية، وتطبيق القرار 2254 بكليته تحت رعاية الأمم المتحدة، ووجه دعوة للهيئة السورية لزيارة العاصمة موسكو، ومناقشة جميع القضايا، والتشاور بخصوص جميع الملفات.
وأضاف عضو الهيئة السورية للتفاوض أن اللقاء تناول العملية السياسية، واللجنة الدستورية، والبيئة الآمنة والمحايدة التي تحقق انتقالاً سياسياً، وتمهد لعودة آمنة كريمة للاجئين، بالإضافة إلى جهود محاربة الإرهاب. ووفق العريضي، فإن الحريري، لدى لقائه وزير الخارجية الروسي، تحدث عن الخروقات التي تمت في إدلب، مشدداً على ضرورة حماية المدنيين، مع الحفاظ على اتفاق سوتشي بخصوص إدلب.
ولفت إلى أن الحريري أحاط وزير الخارجية الروسي بالمعلومات المؤسفة حول المأساة التي ترتكب في مخيم الركبان، بالإضافة إلى الانتهاكات التي يرتكبها النظام في مناطق سيطرته في الداخل السوري.
إلى ذلك، كشف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميخائيل بوغدانوف، جانباً من الحوارات التي أجراها لافروف مع ممثلي المعارضة، وقال إن موسكو لمست حرصاً من جانب المعارضة السورية على انتهاز فرصة وجود لافروف في الرياض لتنشيط الحوار مع الجانب الروسي حول سير عملية التسوية السورية.
وزاد أن المعارضة اتفقت على الأسماء الواردة في قائمتها للمرشحين إلى اللجنة الدستورية، ولم تظهر لديها اعتراضات على الأسماء الواردة في قائمة الحكومة، و«ليس هناك خلاف إلا على نحو ستة مرشحين لشغل مقاعد في قائمة المجتمع المدني».
وقال بوغدانوف إن وزير الخارجية الروسي وجّه دعوة إلى وفد الهيئة العليا للمفاوضات لزيارة موسكو «في أي وقت» بهدف «مواصلة العمل في هذا الموضوع».
وذكر أن المحادثات مع المعارضة السورية تطرقت أيضاً إلى القضايا الإنسانية وعودة اللاجئين والنازحين، بما في ذلك من مخيم الركبان.
في غضون ذلك، برز تراجع في اللهجة الروسية حول دعوة وجهها بوتين قبل يومين لإطلاق ما وصفها بأنها «خطة عمل دولية» لتطبيع الوضع في سوريا وبلورة ملامح التسوية النهائية، وأعلن الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، أمس، أنه «من السابق لأوانه الحديث عن (صيغ معينة للتعاون في الشأن السوري)».
وكان بوتين قد أعلن بعد محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن الطرفين بحثا تشكيل مجموعة عمل تضم الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية والأمم المتحدة وأطرافاً إقليمية ودولية، وقال الرئيس الروسي إن «خطة العمل» تقضي بتهيئة الظروف لـ«تطبيع الوضع وبلورة ملامح التسوية النهائية»، مشيراً إلى أنها «تستند إلى مبادئ سيادة الدولة السورية على كل أراضيها، واستكمال القضاء على الإرهاب، وخروج القوات الأجنبية من البلاد».
لكن التراجع الروسي برز بدايةً من خلال إشارة الوزير لافروف أول من أمس، إلى «عدم وجود ضرورة لإطلاق آليات جديدة»، مشدداً على أن «مسار آستانة» وآليات المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسون، فضلاً عن آليات التنسيق التي نشطت أخيراً مع عدد من البلدان الأوروبية «كلها تشكل شبكة واسعة من أدوات التنسيق، ولا حاجة إلى ابتكار آليات أخرى مصطنعة».
وجاء حديث بيسكوف، أمس، ليؤكد أن الكرملين فضّل التريث في الخطة التي اقترحها بوتين، خصوصاً أنها أثارت تحفظات لدى إيران والنظام السوري.
وقال الناطق الرئاسي إنه «بالفعل، تم بحث مختلف أشكال التعاون بين روسيا وإسرائيل في إطار الاستقرار المستقبلي وتطبيع الأوضاع في سوريا وحولها، بما في ذلك المسائل الحساسة لكل الأطراف المعنية، ونحن نعرف أن لدى كل طرف مسائله الحساسة. فكيف ستكون الصيغة بالتحديد، ومن أي المشاركين ستتكون؟ ما زال الحديث عن ذلك سابقاً لأوانه قليلاً. سيجري تحضير ذلك».
على صعيد آخر، انتقدت الخارجية الروسية بقوة، أمس، تقرير منظمة «حظر الأسلحة الكيماوية» الأخير حول حالات استخدام «الكيماوي» في مدينة دوما في غوطة دمشق. واتهم بيان أصدرته الخارجية، المنظمة الدولية بـ«تعمد الخروج باستنتاجات مبسطة وسطحية بهدف تبرير العدوان الغربي على سوريا في أبريل (نيسان) الماضي».
وزاد البيان أن «الاستنتاجات المبسطة والسطحية التي خرج بها خبراء بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية المكلفة بالكشف عن ملابسات استخدام السلاح الكيماوي في سوريا، توحي بأن الهدف الأساسي لها، قد يكمن في محاولة تبرير عدوان الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على سوريا في 14 أبريل 2018، في انتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة».
وكانت المنظمة قد أكدت في تقرير أصدرته، الجمعة الماضية، أن تحقيقاتها دلّت على استخدام مادة سامّة في مدينة دوما السورية داخل منطقة الغوطة الشرقية في ريف دمشق. وزادت أن «مادة الكلور على الأرجح قد استُخدمت في هذا الهجوم». وذكرت المنظمة أنها توصلت إلى هذا الاستنتاج بعد تحليل المعطيات والاستماع إلى شهود، وأخذ العينات.
في موضوع منفصل، نشرت شبكة «لينتا رو» الإلكترونية الروسية واسعة الانتشار، معطيات حول قيام عسكريين روس بتدريب مقاتلين ينتمون إلى ميليشيات «لواء القدس» الذي نشط إلى جانب القوات الحكومية في حلب ومناطق أخرى في سوريا. ونشر الموقع مقطع فيديو ظهر فيه عدد من المسلحين وهم يتدربون على اقتحام موقع محصّن، تمركز في داخله العدو المفترض.
وخلال التدريب، تمرن المشاركون على عملية سحب أحد الجرحى مع مواصلة الاقتحام.
وفي حال صحّت هذه المعطيات، تكون هذه أول مرة يتم فيها رصد نشاط مماثل للقوات الروسية في سوريا، إذ كانت موسكو قد أعلنت في وقت سابق عن مشاركة عسكرييها في عمليات تدريبية للجيش السوري، لكنها لم تكشف عن مشاركتها في تدريب عناصر ينتمون إلى مجموعات مسلحة غير نظامية.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.