مؤسس حركة تحرير السودان: نظام البشير عرض فصل دارفور... ورفضنا

عبد الواحد نور اتهم البشير بإقامة نظام «قسّم السودانيين على أساس الدين والعرق وأشعل الحروب»

عبد الواحد محمد نور (أ.ف.ب)
عبد الواحد محمد نور (أ.ف.ب)
TT

مؤسس حركة تحرير السودان: نظام البشير عرض فصل دارفور... ورفضنا

عبد الواحد محمد نور (أ.ف.ب)
عبد الواحد محمد نور (أ.ف.ب)

قال رئيس ومؤسس حركة وجيش تحرير السودان التي تقاتل الحكومة السودانية، عبد الواحد محمد النور، إن حركته تقف بقوة مع «ثورة الشباب» التي انطلقت منذ ديسمبر (كانون الأول) في الخرطوم، ومدن البلاد المختلفة، رافضاً بشدة الدخول في أي تفاوض مع الحكومة، وشدد على أن شعار «تسقط بس» الذي طرحه المتظاهرون يجب أن يطبق بحذافيره، كما نفى بشدة اتهام الحكومة لحركته بالقيام بمحاولات تخريبية، باستهداف المواطنين خلال الاحتجاجات، وبالتواطؤ مع إسرائيل.
وكانت السلطات السودانية اتهمت حركة عبد الواحد محمد نور، بتدريب عناصر في إسرائيل، للقيام بأعمال تخريبية وسط المحتجين... لكن نور استهجن هذا الأمر.
وقال إنها محاولة للهروب من مواجهة الأزمة، وفشل النظام بتقديم حلول للأزمة المستمرة التي دخلت شهرها الثالث.
لكن نور في المقابل أكد، أنه مع فتح سفارة لإسرائيل في الخرطوم، ومع حل الدولتين، في فلسطين، في حال اختاره الشعب رئيساً للبلاد، كما أنه لن يقيم أي علاقة ضد مصالح الشعب السوداني. وأوضح: «سنقف على مسافة واحدة حتى نساعد في حل القضية الفلسطينية... وعلينا أن نقيم علاقات تحقق مصالح بلادنا».
وقال نور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر الهاتف، إن الرئيس عمر البشير: «أقام نظاماً قسم السودانيين على أساس الدين والعرق وأشعل الحروب في كل مناطق السودان»، وأشار إلى أن حركته تلقت مرارا وتكرارا، عروضا من حكومة البشير، عبر وسطاء عالميين، لفصل دارفور، وإعلان حق تقرير المصير، لكنه رفض. وقال: «عرض علينا ذلك بعد مفاوضات أبوجا بنيجيريا، 2006... ثم مرات كثيرة خلال وجودي في فرنسا... خاصة بعد توجيه محكمة الجنايات الدولية، اتهامات بالإبادة للرئيس البشير وآخرين»، وأكد أنه رفض جميع تلك المحاولات، وأوضح: «لا نريد تفتيت السودان... ولكن نريد توحيده عبر برامج ورؤى يتفق عليها الجميع». وقال أيضا: «ليست المشكلة في دارفور أو الجنوب السابق... ولكن المشكلة في نظام الإخوان» في السودان.
وحول ما يجري في السودان حاليا من ثورة، قال: «هي نتيجة لتراكم الأزمات عبر الأجيال، التي ورثت دولة فاشلة وغياب المشروع الوطني الذي يمكنه توحيد الشعب في كل مناحي الحياة». وأضاف: «نحن نسعى مع الآخرين من أجل أن نحقق للشعب السوداني، تطلعاته في حياة من الكرامة والحقوق والتحضر والتمدن، في دولة المواطنة المتساوية التي لا تفرق بين الناس على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو الثقافة».
وقال: «بلادنا ورثت دولة فاشلة منذ الاستقلال وزادت حكومة البشير من فشلها»، مشيراً إلى أن حركته ظلت تنادي بإقامة دولة علمانية سودانية ليست مستوردة ويتم فيها فصل الدين عن الدولة. وتابع: «الشباب الذي يقود الثورة الآن لديه أفكار ومفاهيم جديدة وهم يتطلعون إلى وطن موحد وهم يتجهون الآن لذلك عبر شعارهم الذي وحد كل السودانيين بكلمتين هما، تسقط بس، وهو شعار ذكي وعميق».
وأفاد رئيس حركة تحرير السودان الذي ظل متمسكاً برفض أي مفاوضات مع الحكومة منذ امتناعه عن التوقيع على اتفاق أبوجا بنيجيريا في يونيو (حزيران) 2006 بأن حركته تقف مع مطالب الشعب في تغيير النظام الحاكم، نافياً اتهام الحكومة لحركته في العمل على إحداث الفوضى والتخريب باستخدام أسلحة تسلمها من إسرائيل، وقال: «نحن لسنا حركة تخريب بل نسعى ونناضل من أجل تحرير الشعب من العقلية الصفوية الحاكمة التي ظلت تعمل على تقسيم السودانيين لمجموعات متناحرة وزرع الخوف بينهم ولكنهم فشلوا... لأن الشعب أكد على وحدته وقضيته العادلة في تحقيق دولة المواطنة التي تتوفر فيها الحرية لكل الأديان على قدم المساواة»، نافياً تضعضع حركته التي قال إنها أقوى من أي وقت مضى وإنه ظل يرفض التسويات التي يقدمها المجتمع الدولي.
وقال نور إن السودان بلد مترامي الأطراف، وغني بالثقافات والأعراق، فمن الإجحاف حكمه، بواسطة حزب واحد يحتكر السلطة، لصالح مجموعة محددة. وعبر عن أسفه على وجود «مظالم تاريخية وآنية... وإهمال من قبل الحكومات المركزية»، وأشار إلى أن حركته هدفها إقامة نظام فيدرالي في إطار اتحادي ديمقراطي يمكن أن يترشح فيه المواطن ليصبح حاكما أو يختار حكامه بحرية تامة. وقال: «لذلك نحن أعلنا طريقتنا في النضال عبر الثورة الشعبية والكفاح المسلح والآن هناك انتفاضة سلمية كيف لنا أن نقوم بقتل المواطن الذي هو هدفنا نحو التغيير؟... ومعه نحقق المشروع الوطني وقد قدمنا أرتالاً من الشهداء وملايين من النازحين واللاجئين».
وحول رؤية حركته بشأن المطالب بحق تقرير المصير لدارفور قال النور: «حركتنا تسمى حركة تحرير السودان، وليس حركة تحرير دارفور، ونحن نناضل من أجل تحريره من العقلية الصفوية التي ظلت تحكم البلاد منذ الاستعمار البريطاني، الذي طبق سياسة المناطق المقفولة في جنوب السودان السابق، ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق»، مشدداً على أن حركته تطالب بوحدة السودان على أسس جديدة، وترفض «محاولات التقسيم بأسماء القوميين وما عداهم من الإقليميين أو القبليين أو العشائريين». وأضاف: «سكان دارفور يعود تاريخهم إلى آلاف السنين وهي حضارة ممتدة وساهموا في بناء الأهرامات في مصر والسودان... وسلطنة دارفور كانت تقوم بكسوة الكعبة الشريفة لعشرات السنين، وآخر من قام بهذا العمل هو السلطان علي دينار، وله آبار باسمه في مكة، (آبار علي)... وانتهت سلطنة دارفور بسيطرة الجيش البريطاني على دارفور في عام 1916»، وتابع: «سكان غرب السودان من دارفور وكردفان هم الدعامة الأساسية في مشروع الجزيرة أكبر مشروعات السودان الاقتصادية، كل هذا التاريخ لدينا فإلى أين سنذهب بدارفور إذا طالبوا بتقرير مصيره؟»، مشيراً إلى أن الحكومة كانت قد عرضت عليهم في مفاوضات السلام عبر الوسطاء الدوليين حق تقرير المصير وأن حركته رفضت المبدأ.
ورفض عبد الواحد نور أي توجه إلى حلول جزئية للأزمة التي يشهدها السودان، وقال: «لا يمكن أن نقبل ما ظللنا نرفضه طوال 18 عاماً... الرئيس البشير يقول إنه يسعى بأن يصبح رئيسا قوميا، وعلى مسافة واحدة من الجميع... هذا شيء مرفوض، وهو مسعى لا يستقيم عقلاً... بعد 30 عاماً من حكم الفرد يأتي ويقول إنه يريد أن يقف على مسافة واحدة».
ودعا نور إلى تنفيذ مطالب الشعب السوداني، بتنحي البشير ونظامه فوراً، وتشكيل حكومة انتقالية، يعطى فيها الشباب من الجنسين أكبر النسب، لأنهم الأكثر تضرراً من الوضع الذي ظل مستمراً لثلاثة عقود، ولأنهم وقود هذه الثورة... وهم الذين دفعوا الثمن غالياً بأرواحهم... فمنهم من قتل ومنهم من عذب... ومنهم من نزح... وآخرون اختاروا اللجوء إلى دول أخرى، وهناك من يعاني البطالة والجوع والمرض الآن». وقال: «نظام الحركة الإسلامية الحاكم يجب أن يزول فوراً دون أي شروط... لا يوجد الآن من يطالب بحلول ترقيعية، المطلوب في غاية الوضوح... هو التنحي، وبالتالي تقديم المطلوبين إلى المحاكم الجنائية الدولية، إلى لاهاي، لمحاكمتهم بالجرائم السابقة والحالية التي تتمثل في قتل المحتجين السلميين». وأضاف: «هناك اعترافات من النظام ورئيسيه ستعرض في لاهاي ومنها قول الرئيس نفسه إننا قتلنا في دارفور ولأتفه الأسباب... وهو اعتراف صريح بارتكاب الجرائم».
وأوضح نور أن «الفترة الانتقالية القادمة مهامها كتابة دستور ديمقراطي، يتم التوافق على مدتها وفق القضايا والمشكلات الموروثة، وهي ضخمة... ووضع أسس اقتصادية تستهدف المواطن وأن يعود النازحون إلى مناطقهم وتمليكهم أدوات الإنتاج حتى لا يصبحوا عالة على الدولة وإطلاق الحريات وإجراء إحصاء سكاني حقيقي».
وحول ترشحه في الانتخابات الرئاسية في نظام ديمقراطي، قال نور: «هذا يتوقف على قرار مؤسسات حركتنا... وفي حال حصل هذا فإنه سيكون خادماً لشعبه وليس متسلطاً».
وحول ما يقال عن علاقة حركته مع إسرائيل، قال إن ذلك الأمر كان علانية، ولم تكن في الخفاء، كما يفعل الذين يقيمون العلاقة الآن في سرية ويتهمون الآخرين، وأضاف أنه زار إسرائيل في فبراير (شباط) 2009 بعد وصول عدد من كبير من السودانيين إليها عبر صحراء سيناء المصرية، وقال إنه أعلن عن زيارته وافتتح مكتباً لحركته لمتابعة شؤون السودانيين هناك. وتابع: «نحن نعلم أن السودان ضحية لكراهية بثها آخرون وإذا أصبحت رئيسا للسودان فسأمنح إسرائيل وفلسطين سفارات أو ممثليات لهما في الخرطوم على قدم المساواة، وسنقف على مسافة واحدة حتى نساعد في حل القضية بينهما ونحن مع إقامة دولتين»، وقال: «علينا أن نقيم علاقات تحقق مصالح بلادنا».



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.