حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

عشرات الإصدارات سنويا لمؤلفين شباب بعضها تجارب إبداعية وبعضها «خربشات»

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟
TT

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

في السعودية هناك طفرة تأليف شبابية، إذ تشكل نسبة الأسماء الجديدة من الشباب خصوصا، من بين المؤلفين ما بين 30 إلى 40%. في وقت وصلت فيه عدد الإصدارات الروائية أكثر من 900 رواية، أما المجموعات القصصية فقد زادت عن 1000 قصة، وبلغ عدد المجموعات الشعرية ما يزيد على 3000 ديوان.

لا يجادل أحد في أن حركة التأليف والنشر دليل حيوي على قوة الإنتاج الفكري للمجتمعات. لكّن نقاد وأدباء وناشرين حذروا من أن غياب المؤسسات الأدبية المُحكِمَة، مع وجود دور نشر تبحث عن ربح سريع، أفرز عددا من الإصدارات ضعيفة المستوى وخالية من القيمة الأدبية. وهناك تقديرات تشير إلى أن دور النشر المحلية تعتمد في 60% من نشرها على الناتج الشبابي.

وأمام سهولة إنتاج مؤَلَف أو طباعة كتاب يحتوي على نسبة فائضة من المشاعر والخواطر تحت عنوان «شعر»، أو يوميات تحت عنوان «قصة»، أو تجارب كتابية تحت «رواية»، يسطرها في الغالب شباب وفتيات تغريهم عمليات النشر السريع، أصبح الحديث عن «فتنة» الإصدار الأول أمرا واقعا.

من ناحية أخرى، من يزور معارض الكتب، وخاصة معرض الرياض، يلحظ أن هذه الإصدارات الشبابية وأغلبها تدور حول السرد القصصي والروائي، رغم بساطتها تسجل حضورا كبيرا كما تسجل مبيعات عالية، وغالبا ما تزدحم أجنحة دور النشر بعشرات المتبضعين وخاصة من الفتيات اللواتي تستهويهن هذه التجارب الإبداعية.

هناك من يحمل دور النشر مسؤولية انخفاض الذائقة الأدبية عبر هذا العدد الكبير من الإصدارات الضعيفة، لكن هذه الدور تلقي اللوم على المؤسسات الثقافية التي يتعين عليها احتضان التجارب الشبابية واستيعاب هذا الحماس وتطوير موهبته.

* النعمي: تسعير الثقافة

الناقد الدكتور حسن النعمي يرى أن تنامي حركة النشر يحمل أهدافا تجارية بحتة، وعليه فهي تقيم دخلها بناء على رواج الكتاب، وهي بذلك تتلمس قابلية التداول. وبما أن إنتاج الشباب وخاصة الإنتاج الروائي له جاذبية لدى المتلقي، فقد أولت دور النشر للطباعة والدعاية والتسويق لهذا النوع من المؤلفات عناية لافتة.

يقول النعمي: «في سياق هذا الاهتمام لا تدقق دور النشر في المستوى الفني، بل يهمها العائد الربحي، وليست هناك إمكانية لتغيير هذا السلوك التجاري طالما هناك إقبال من الكتاب ومن القراء على هذه المنشورات. وفي رأيي فإن أي تدخل في هذا الأمر سيحيله إلى بيروقراطية مقيتة. وفي تصوري أن القارئ هو من يحكم على هذه الأعمال بالجودة أو الرداءة، والكاتب الذي لا يجد قابلية لأعماله سيتوقف، ودار النشر ذاتها لن تغامر بنشر أعمال لا تلقى رواجا يحقق لها الربح. ومن ناحيتي، لاحظت انحسارا في الإقبال على النشر، لأن من كتبوا اصطدموا بضعف تلقى أعمالهم والإشارة إليها من قبل النقاد».

لكنّ، كيف يقيم الناقد الدكتور حسن النعمي هذه الأعمال؟ يقول: «لقدّ مرّ الإنتاج الروائي بعد عام 2000 بمرحلتين: طفرة وتراجع. أما الطفرة فكانت في الإنتاج الروائي، وذلك نتيجة عدة عوامل منها تركيز الإعلام على المنشور من الروايات، واتساع هامش التعبير، وسهولة النشر الخارجي، وظهور أسماء روائية تركت بصمة حظيت بالنقد والمتابعة، فأغرت الكتاب الأصغر سنا والأحدث تجربة ليغامروا بكتابة الرواية».

أما مرحلة التراجع، فيعتبر النعمي أنها حصلت منذ 2010 تقريبا، حيث تراجع المنشور كما تراجع مستوى ما ينشر، وهذا يعود، كما يرى، لانحسار الاهتمام النسبي بالرواية نتيجة تشبع المشهد، ونتيجة لظهور كتاب من خارج الوسط الأدبي التقليدي لم يقتنعوا بمحاولاتهم الروائية، فظلت رقما دون أن تترك بصمة واضحة في المشهد الروائي المحلي.

* اليوسف: إغراق أدبي

الباحث والروائي السعودي خالد اليوسف، الذي يشتغل على جمع ورصد وتصنيف الأدب السعودي، وأصدر دراسة في ثلاثة أجزاء تحت اسم «معجم الإبداع الأدبي في المملكة العربية السعودية: دراسة تاريخية بيوغرافية ببلومترية»، فيرى أن الرأي القائل بأن المؤسسات المعنية بالنشر اتجهت نحو إنتاج الشباب وطباعة إصدارتهم ما أغرق سوق الكتب بإصدارات خاوية لا تحمل مضمونا أو محتوى ناضجا، يحتمل نصيبا من الصواب، مشيرا إلى أن نسبة هذه المؤلفات تتجاوز 60%.

وقال: «انظر إلى ذلك إنه أمر طبيعي، لأنه بعد عام 2000. تركزت عملية النشر على ثلاث أو أربع دور نشر محلية شبه متخصصة في الكتب الثقافية ومنها الأدبية، لذلك القضية التي انظر إليها هي: ثم ماذا بعد الكتاب الأول، الذي أعنونه بكتاب البطاقة؟ أي أنه بمثابة بطاقة الهوية التي ربما تعرّف بالكاتب أو تلغيه أو تبقيه ذكرى».

ويبقى السؤال الذي يواجه الكاتب الجديد وفق اليوسف، هو: ماذا يمكنك أن تقدم أو تنجز بعد الكتاب الأول؟ فاستنادا إلى نتائج البحث السنوي الببليوغرافي الذي يجريه اليوسف، تحت عنوان: «الإنتاج الأدبي في المملكة العربية السعودية»، فإن هناك عددا كبيرا من الأسماء الجديدة في أدب المقالة والرواية والشعر والقصة القصيرة، ويصل عددهم إلى ثلث المنتج سنويا: «وهكذا يتكرر هذا كل عام».

ويضيف اليوسف: «في كل عام نرى أسماء جديدة، لكنّ السؤال هو: من يبقى منهم متواصلا متجذرا في فنه وإبداعه؟ ومن يواصل الإنتاج والنشر وإثبات اسمه حتى الآن؟ ومن ارتفع إلى مستويات أعلى وأرقى وأجمل؟.. والجواب: إنه عدد قليل!».

يلاحظ اليوسف أن من بين أشهر الأسماء الشبابية التي ذاع صيتها، هي الروائية رجاء الصانع صاحبة رواية «بنات الرياض»، التي مضى عليها عشر سنوات حتى الآن، لكنه تساءل: أين نتاجها التالي لهذه الرواية الناجحة؟.. مضيفا: أرى أمثلة كثيرة لحالة الصانع.

ولفت اليوسف إلى أن الأسماء الجديدة التي تلتحق بقافلة المؤلفين تتجدد في كل عام، وهي تشكل نسبة ثلاثين إلى 40%، مبينا أن عدد الروايات وصل حتى اليوم إلى نحو 900 رواية، بينما وصلت المجموعات القصصية إلى نحو الألف أو تزيد، وفاقت المجموعات الشعرية بكل أنواعه ثلاثة آلاف ديوان شعري.

واليوسف، لا يرى الصورة داكنة، فإن هذا التواصل للحركة الأدبية التي أنجزت هذا الكم الكبير، ينبئ عن تجدد الطاقات الشبابية والمعرفية، وهو عنوان لحيوية المجتمع.

* دور النشر: نوفر منصة للشباب ولسنا معنيين بالتقييم

* من بين عدد من دور النشر السعودية التي تأخذ على عاتقها احتضان التجارب الشبابية والإسراع بطباعة الإصدارات الأولى للشباب، تأتي دار الفكر العربي في الدمام، شرقي المملكة، حيث يهيمن الشباب على أغلب العناوين التي تنشرها، وتتراوح هذه التجارب من حيث المستوى، لكنها وفرّت منصة يطل من خلالها عدد كبير من الشباب والفتيات الذين يمتلكون مواهب كتابية نحو عالم النشر ودخول المنتدى الثقافي.

في حديثه لـ«الشرق الأوسط» يقول باسل درويش مدير التسويق بدار الفكر العربي: «إن فكرة الإصدار الأول تدل على مؤشرين: الأول حيوية الحراك الثقافي لدى المجتمع، فما دام هناك حراك ثقافي، فهو مؤشر على بروز تجارب لكتاب مبتدئين يودون طرح أفكارهم، ولا بد من استيعاب هذه التجارب وتوفير مناخ للتعبير، وحركة النشر تمثل واحدا من هذه المناخات.

ويضيف: «كان توجه الأدباء السعوديين قبل عام 2004 نحو الطباعة بدور النشر العربية خارج السعودية، منها مصر ولبنان، وعندما بدأت دور الطباعة والنشر السعودية تنشط في هذا المجال في هذه الفترة، أصبح لديها قابلية للمنافسة واجتذاب شرائح جديدة».

ويشير درويش إلى أن هذا الحراك من رواية وشعر وخواطر، أدى لأن يتجه الشباب والشابات السعوديات، إلى نشر كتبهم وإصداراتهم الأولى محليا، في ظل صعوبة الوصول إلى دور النشر في الخارج، وكان ذلك في صالح دور النشر السعودية.

ولا تكلف عملية إصدار كتاب لأي من الشباب على مبالغ كبيرة، وعند سؤال درويش عن سعر التكلفة لإصدار كتاب لأي من هؤلاء الشباب، قال: تتراوح التكلفة بين 2 إلى 7 آلاف دولار، وهو مبلغ في حدود إمكانية الشباب.

لكنه يلاحظ أيضا أن بعض دور النشر تحاول استغلال اندفاع الشباب نحو النجومية عبر إصدارات تفتقر للحد الأدنى من الجودة.

ولا يعتقد درويش أن دور النشر مسؤولة عن انخفاض الذائقة الأدبية للجمهور عبر هذه الإصدارات «الضعيفة»، ويرى أن المسؤول على ضعف الإنتاج الأدبي الشبابي، هو غياب الأندية الأدبية عن تحمل مسؤولياتها في احتضان التجارب الشبابية وصقل موهبتها وطباعة المؤلفات الصالحة فيها، حتى لا يتجه الشباب نحو الاعتماد على أنفسهم في طباعة مؤلفاتهم.

ويذكر درويش أن دور النشر السعودية تعتمد في نشرها بنسبة تفوق 60% على الناتج الشبابي، مبينا أن مؤسسة «دار الفكر العربي» التي أصدرت منذ إنشائها قبل 3 سنوات 154 مؤلفا، يهيمن الشباب على هذه الإصدارات بنسبة تتراوح بين الـ70 والـ80%، مشيرا إلى أنه في كل 50 إصدارا سنويا للدار هناك 35% عبارة عن «إنتاج أول» للشباب.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.