حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

عشرات الإصدارات سنويا لمؤلفين شباب بعضها تجارب إبداعية وبعضها «خربشات»

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟
TT

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

في السعودية هناك طفرة تأليف شبابية، إذ تشكل نسبة الأسماء الجديدة من الشباب خصوصا، من بين المؤلفين ما بين 30 إلى 40%. في وقت وصلت فيه عدد الإصدارات الروائية أكثر من 900 رواية، أما المجموعات القصصية فقد زادت عن 1000 قصة، وبلغ عدد المجموعات الشعرية ما يزيد على 3000 ديوان.

لا يجادل أحد في أن حركة التأليف والنشر دليل حيوي على قوة الإنتاج الفكري للمجتمعات. لكّن نقاد وأدباء وناشرين حذروا من أن غياب المؤسسات الأدبية المُحكِمَة، مع وجود دور نشر تبحث عن ربح سريع، أفرز عددا من الإصدارات ضعيفة المستوى وخالية من القيمة الأدبية. وهناك تقديرات تشير إلى أن دور النشر المحلية تعتمد في 60% من نشرها على الناتج الشبابي.

وأمام سهولة إنتاج مؤَلَف أو طباعة كتاب يحتوي على نسبة فائضة من المشاعر والخواطر تحت عنوان «شعر»، أو يوميات تحت عنوان «قصة»، أو تجارب كتابية تحت «رواية»، يسطرها في الغالب شباب وفتيات تغريهم عمليات النشر السريع، أصبح الحديث عن «فتنة» الإصدار الأول أمرا واقعا.

من ناحية أخرى، من يزور معارض الكتب، وخاصة معرض الرياض، يلحظ أن هذه الإصدارات الشبابية وأغلبها تدور حول السرد القصصي والروائي، رغم بساطتها تسجل حضورا كبيرا كما تسجل مبيعات عالية، وغالبا ما تزدحم أجنحة دور النشر بعشرات المتبضعين وخاصة من الفتيات اللواتي تستهويهن هذه التجارب الإبداعية.

هناك من يحمل دور النشر مسؤولية انخفاض الذائقة الأدبية عبر هذا العدد الكبير من الإصدارات الضعيفة، لكن هذه الدور تلقي اللوم على المؤسسات الثقافية التي يتعين عليها احتضان التجارب الشبابية واستيعاب هذا الحماس وتطوير موهبته.

* النعمي: تسعير الثقافة

الناقد الدكتور حسن النعمي يرى أن تنامي حركة النشر يحمل أهدافا تجارية بحتة، وعليه فهي تقيم دخلها بناء على رواج الكتاب، وهي بذلك تتلمس قابلية التداول. وبما أن إنتاج الشباب وخاصة الإنتاج الروائي له جاذبية لدى المتلقي، فقد أولت دور النشر للطباعة والدعاية والتسويق لهذا النوع من المؤلفات عناية لافتة.

يقول النعمي: «في سياق هذا الاهتمام لا تدقق دور النشر في المستوى الفني، بل يهمها العائد الربحي، وليست هناك إمكانية لتغيير هذا السلوك التجاري طالما هناك إقبال من الكتاب ومن القراء على هذه المنشورات. وفي رأيي فإن أي تدخل في هذا الأمر سيحيله إلى بيروقراطية مقيتة. وفي تصوري أن القارئ هو من يحكم على هذه الأعمال بالجودة أو الرداءة، والكاتب الذي لا يجد قابلية لأعماله سيتوقف، ودار النشر ذاتها لن تغامر بنشر أعمال لا تلقى رواجا يحقق لها الربح. ومن ناحيتي، لاحظت انحسارا في الإقبال على النشر، لأن من كتبوا اصطدموا بضعف تلقى أعمالهم والإشارة إليها من قبل النقاد».

لكنّ، كيف يقيم الناقد الدكتور حسن النعمي هذه الأعمال؟ يقول: «لقدّ مرّ الإنتاج الروائي بعد عام 2000 بمرحلتين: طفرة وتراجع. أما الطفرة فكانت في الإنتاج الروائي، وذلك نتيجة عدة عوامل منها تركيز الإعلام على المنشور من الروايات، واتساع هامش التعبير، وسهولة النشر الخارجي، وظهور أسماء روائية تركت بصمة حظيت بالنقد والمتابعة، فأغرت الكتاب الأصغر سنا والأحدث تجربة ليغامروا بكتابة الرواية».

أما مرحلة التراجع، فيعتبر النعمي أنها حصلت منذ 2010 تقريبا، حيث تراجع المنشور كما تراجع مستوى ما ينشر، وهذا يعود، كما يرى، لانحسار الاهتمام النسبي بالرواية نتيجة تشبع المشهد، ونتيجة لظهور كتاب من خارج الوسط الأدبي التقليدي لم يقتنعوا بمحاولاتهم الروائية، فظلت رقما دون أن تترك بصمة واضحة في المشهد الروائي المحلي.

* اليوسف: إغراق أدبي

الباحث والروائي السعودي خالد اليوسف، الذي يشتغل على جمع ورصد وتصنيف الأدب السعودي، وأصدر دراسة في ثلاثة أجزاء تحت اسم «معجم الإبداع الأدبي في المملكة العربية السعودية: دراسة تاريخية بيوغرافية ببلومترية»، فيرى أن الرأي القائل بأن المؤسسات المعنية بالنشر اتجهت نحو إنتاج الشباب وطباعة إصدارتهم ما أغرق سوق الكتب بإصدارات خاوية لا تحمل مضمونا أو محتوى ناضجا، يحتمل نصيبا من الصواب، مشيرا إلى أن نسبة هذه المؤلفات تتجاوز 60%.

وقال: «انظر إلى ذلك إنه أمر طبيعي، لأنه بعد عام 2000. تركزت عملية النشر على ثلاث أو أربع دور نشر محلية شبه متخصصة في الكتب الثقافية ومنها الأدبية، لذلك القضية التي انظر إليها هي: ثم ماذا بعد الكتاب الأول، الذي أعنونه بكتاب البطاقة؟ أي أنه بمثابة بطاقة الهوية التي ربما تعرّف بالكاتب أو تلغيه أو تبقيه ذكرى».

ويبقى السؤال الذي يواجه الكاتب الجديد وفق اليوسف، هو: ماذا يمكنك أن تقدم أو تنجز بعد الكتاب الأول؟ فاستنادا إلى نتائج البحث السنوي الببليوغرافي الذي يجريه اليوسف، تحت عنوان: «الإنتاج الأدبي في المملكة العربية السعودية»، فإن هناك عددا كبيرا من الأسماء الجديدة في أدب المقالة والرواية والشعر والقصة القصيرة، ويصل عددهم إلى ثلث المنتج سنويا: «وهكذا يتكرر هذا كل عام».

ويضيف اليوسف: «في كل عام نرى أسماء جديدة، لكنّ السؤال هو: من يبقى منهم متواصلا متجذرا في فنه وإبداعه؟ ومن يواصل الإنتاج والنشر وإثبات اسمه حتى الآن؟ ومن ارتفع إلى مستويات أعلى وأرقى وأجمل؟.. والجواب: إنه عدد قليل!».

يلاحظ اليوسف أن من بين أشهر الأسماء الشبابية التي ذاع صيتها، هي الروائية رجاء الصانع صاحبة رواية «بنات الرياض»، التي مضى عليها عشر سنوات حتى الآن، لكنه تساءل: أين نتاجها التالي لهذه الرواية الناجحة؟.. مضيفا: أرى أمثلة كثيرة لحالة الصانع.

ولفت اليوسف إلى أن الأسماء الجديدة التي تلتحق بقافلة المؤلفين تتجدد في كل عام، وهي تشكل نسبة ثلاثين إلى 40%، مبينا أن عدد الروايات وصل حتى اليوم إلى نحو 900 رواية، بينما وصلت المجموعات القصصية إلى نحو الألف أو تزيد، وفاقت المجموعات الشعرية بكل أنواعه ثلاثة آلاف ديوان شعري.

واليوسف، لا يرى الصورة داكنة، فإن هذا التواصل للحركة الأدبية التي أنجزت هذا الكم الكبير، ينبئ عن تجدد الطاقات الشبابية والمعرفية، وهو عنوان لحيوية المجتمع.

* دور النشر: نوفر منصة للشباب ولسنا معنيين بالتقييم

* من بين عدد من دور النشر السعودية التي تأخذ على عاتقها احتضان التجارب الشبابية والإسراع بطباعة الإصدارات الأولى للشباب، تأتي دار الفكر العربي في الدمام، شرقي المملكة، حيث يهيمن الشباب على أغلب العناوين التي تنشرها، وتتراوح هذه التجارب من حيث المستوى، لكنها وفرّت منصة يطل من خلالها عدد كبير من الشباب والفتيات الذين يمتلكون مواهب كتابية نحو عالم النشر ودخول المنتدى الثقافي.

في حديثه لـ«الشرق الأوسط» يقول باسل درويش مدير التسويق بدار الفكر العربي: «إن فكرة الإصدار الأول تدل على مؤشرين: الأول حيوية الحراك الثقافي لدى المجتمع، فما دام هناك حراك ثقافي، فهو مؤشر على بروز تجارب لكتاب مبتدئين يودون طرح أفكارهم، ولا بد من استيعاب هذه التجارب وتوفير مناخ للتعبير، وحركة النشر تمثل واحدا من هذه المناخات.

ويضيف: «كان توجه الأدباء السعوديين قبل عام 2004 نحو الطباعة بدور النشر العربية خارج السعودية، منها مصر ولبنان، وعندما بدأت دور الطباعة والنشر السعودية تنشط في هذا المجال في هذه الفترة، أصبح لديها قابلية للمنافسة واجتذاب شرائح جديدة».

ويشير درويش إلى أن هذا الحراك من رواية وشعر وخواطر، أدى لأن يتجه الشباب والشابات السعوديات، إلى نشر كتبهم وإصداراتهم الأولى محليا، في ظل صعوبة الوصول إلى دور النشر في الخارج، وكان ذلك في صالح دور النشر السعودية.

ولا تكلف عملية إصدار كتاب لأي من الشباب على مبالغ كبيرة، وعند سؤال درويش عن سعر التكلفة لإصدار كتاب لأي من هؤلاء الشباب، قال: تتراوح التكلفة بين 2 إلى 7 آلاف دولار، وهو مبلغ في حدود إمكانية الشباب.

لكنه يلاحظ أيضا أن بعض دور النشر تحاول استغلال اندفاع الشباب نحو النجومية عبر إصدارات تفتقر للحد الأدنى من الجودة.

ولا يعتقد درويش أن دور النشر مسؤولة عن انخفاض الذائقة الأدبية للجمهور عبر هذه الإصدارات «الضعيفة»، ويرى أن المسؤول على ضعف الإنتاج الأدبي الشبابي، هو غياب الأندية الأدبية عن تحمل مسؤولياتها في احتضان التجارب الشبابية وصقل موهبتها وطباعة المؤلفات الصالحة فيها، حتى لا يتجه الشباب نحو الاعتماد على أنفسهم في طباعة مؤلفاتهم.

ويذكر درويش أن دور النشر السعودية تعتمد في نشرها بنسبة تفوق 60% على الناتج الشبابي، مبينا أن مؤسسة «دار الفكر العربي» التي أصدرت منذ إنشائها قبل 3 سنوات 154 مؤلفا، يهيمن الشباب على هذه الإصدارات بنسبة تتراوح بين الـ70 والـ80%، مشيرا إلى أنه في كل 50 إصدارا سنويا للدار هناك 35% عبارة عن «إنتاج أول» للشباب.



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».