باختين... فتح الباب واسعاً أمام الرواية كي تزدهر في القرن الـ21

44 عاماً على رحيل مبتكر مفاهيم «الكرنفالية» و«تعدد الأصوات»



 منذ مثوله أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا ظل باختين حتى مماته يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه
منذ مثوله أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا ظل باختين حتى مماته يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه
TT

باختين... فتح الباب واسعاً أمام الرواية كي تزدهر في القرن الـ21



 منذ مثوله أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا ظل باختين حتى مماته يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه
منذ مثوله أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا ظل باختين حتى مماته يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه

غالباً ما ينتابني شعور عند الدخول إلى مكتبة عامة بأن كل المؤلفين الذين استقرت كتبهم منذ عقود على رفوفها قد غادروا الحياة، وأنهم الآن يتوسلون بي من وراء حاجز الغيب كي أستل مؤلَّفاً ما من أعمالهم، ولعل تصفحه فقط سيكون كافياً لمنحهم خيطاً واهياً من الشعور بالخلود، حتى للحظة واحدة.
وقد لا أستبعد أن هذا الشعور راود طالب الدراسات العليا الذي دخل إلى مكتبة أكاديمية العلوم في موسكو بحثاً عن مصادر لأطروحته، وعادة تكون أغلب الكتب فيها محجوبة عن القراء خارج أسوار الجامعة لأنها غالباً ما تتعارض (من وجهة نظر القيادة السياسية) مع الفكر «الماركسي - اللينيني».
خلال تجواله العشوائي بين الرفوف وقعت عيناه على كتاب بعنوان مثير: «مسائل الشعرية لدى دوستويفسكي» (الذي ترجمه إلى العربية الدكتور جميل نصيف التكريتي تحت عنوان «شعرية دوستويفسكي»، وراجعته الدكتورة حياة شرارة، وصدر عن دار توبقال، عام 1986)، وحين قرأ اسم مؤلفه: ميخائيل باختين، خامره شعور عميق بأن هذا المؤلِّف المجهول تماماً قد غادر الحياة منذ عقود كثيرة.
تحت الإثارة الفكرية والنفسية التي تركها هذا الكتاب في نفسه، قام ذلك الطالب بإشراك عدد من الأكاديميين الشباب في اكتشافه. هآنذا أراهم مصعوقين أمام الكنز الذي أخرجه زميلهم من القمقم، كأنه يشبه بذلك الجني الذي خرج من القارورة بعد قضائه دهراً طويلاً داخلها عقاباً له على عدم إطاعة النبي سليمان.
لا بد أن هذا الاكتشاف جاء بفضل الانفراج الذي عرفه الاتحاد السوفياتي بعد عام 1956، حيث خفَّت كفّ النظام الثقيلة ضد الثقافة غير المدجَّنة.
بعد بحث طويل عن ذلك المؤلف المجهول ودراساته، اكتشفت تلك المجموعة الصغيرة من الباحثين الشباب في معهد الآداب العالمية التابع لأكاديمية العلوم، أن المؤلف الذي يحمل اسم باختين، الذي رحل في 7 مارس (آذار) - عام 1975- ما زال على قيد الحياة.
كذلك، فإن كتاب «شعرية دوستويفسكي» فتح أعينهم على مقالات ودراسات مبعثرة في أرشيفات مغلقة هنا وهناك، وقادهم إلى أن أطروحة باختين التي رفضت اللجنة المناقِشة لها منحه درجة دكتوراه في أواخر الأربعينات، موجودة هي الأخرى وراء أبواب مقفلة أمام الجمهور، وتحمل عنوان: «رابليه وعالمه».
لا أستبعد أن يكون قدوم ثلاثة شباب من موسكو إلى بيته الواقع في بلدة نائية، معزولة، عام 1963، قد أثار قدراً من الخوف في نفسه. فهو منذ وقوفه أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب، وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا، يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه. كان السبب وراء ذلك الحكم هو انضمامه إلى حلقة من المثقفين تعمل على تحقيق التوفيق بين الدين والأفكار الحديثة، وكان ذلك كافياً في أواخر عقد العشرينات من القرن الماضي أن يعاقَب الفرد على هذه «الجريمة» بالنفي أو السجن أو الموت أو العمل القسري الجماعي.
حتى ذلك الوقت لم يكن صدر لباختين أي كتاب أو دراسة في مجلة متخصصة، عدا كتاب «شعرية دوستويفسكي». ولعل الاحتفاء الكبير الذي أظهره مثقف بلشفي كبير في ذلك الوقت بالكتاب كان وراء تجنبه النفي إلى سيبيريا. إنه أناتولي لوناتشارسكي، الذي عيَّنه لينين بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) كوميسارا (وزيراً) للتربية والثقافة؛ تعبيراً عن تقديره لإنجازاته الأدبية الكثيرة.
ترك كتاب باختين في نفس المسؤول الكبير انطباعاً إيجابياً كبيراً، ترجمه بنشر مقالة نقدية تمتدح عالياً مؤلّفه، ولعل تلك المقالة وتدخل لوناتشارسكي وراء إنقاذه من النفي إلى سيبيريا.
بعد استئناف الحكم عليه، ومع التقرير الطبي الذي قدمه، بإصابته بمرض مزمن في العظام، وأن إقامته في سيبيريا ستقتله، بدلت المحكمة حكمها ضده، من حيث المكان الذي سينفى إليه. إنها بلدة كوستاني الصغيرة في كازخستان، حيث عمل محاسباً صغيراً. وخلال السنوات الست التي قضاها هناك، كتب باختين في أوقات فراغه دراسات مهمة (لم تُنشر) من بينها «خطاب الرواية».
عام 1937، انتقل باختين إلى بلدة كيمري التي تبعد نحو 200 كيلومتر عن موسكو. وهناك ألّف كتاباً عن الرواية الألمانية في القرن الثامن عشر. وقد قُبِلت من «دار نشر الكتّاب السوفيات»، لكن الحظ لم يحالفه؛ إذ إن المبنى الذي كانت المخطوطة الوحيدة محفوظة فيه قصفها الألمان عند غزوهم الاتحاد السوفياتي عام 1941.
اشتد مرض العظام عليه آنذاك، لكن صحته تحسنت بعد قطع ساقه عام 1938، وخلال سنوات الحرب أقام في موسكو، وواصل إنتاجه الفكري، لكن الحصار الذي عانته المدينة دفعه إلى استهلاك جزء كبير من أوراق مخطوطة أخرى له لسجائره.
بعد رفض منحه درجة الدكتوراه على أطروحته «رابليه وعالمه» في أواخر الأربعينات، اكتفى «مكتب التفويض الحكومي» بمنحه لقباً أكاديمياً أقل شأناً.
انتقل باختين خلال الخمسينات من القرن الماضي إلى بلدة سارنسارك في موردوفيا، حيث عمل مدرساً في المعهد التربوي الموردوفي. ومع تدهور وضعه الصحي تقاعد عن العمل عام 1961، وكان من المفترض أن تختفي تلك الكنوز الفكرية التي تركها هنا وهناك، مخطوطات في أماكن مختلفة، لولا كتاب «شعرية دوستويفسكي».
في الوقت نفسه، عرفت أعمال دوستويفسكي خلال القرن العشرين إهمالاً مطرداً، واعتبره الكثير من النقاد مفتقداً لأسلوب أدبي متميز، وآخرون نظروا إلى أعماله من زاوية سيكولوجية ضيقة، باعتبار أبطاله مصابين بالعصاب، فضلاً عن إقصائه من قبل الحركات اليسارية الصاعدة بسبب أفكاره «الرجعية».
ويمكن تلمس هذا الإهمال في العالم الأنجلو - ساكسوني، فروائي مثل د. إتش. لورانس نبذ كل أعماله واكتفى بالصفحات القليلة التي كتبها بطل «الإخوة كارموزوف»، إيفان، تحت عنوان «المفتش العام». أما الناقد الأميركي البارز هارولد بلوم، فقد تجاهله تماماً في دراسته المهمةWestern Canon «(الكتابات الغربية الكبرى).
جاء كتاب باختين «شعرية دوستويفسكي» في حقل النقد الأدبي شبيها بما حققه العالم الفلكي كوبرنيكوس الذي كشف في القرن السادس عشر أن الأرض هي التي تدور حول الشمس لا العكس.
هنا تقدم لنا هذه الدراسة القيّمة جملة مفاهيم جديدة تساعدنا على إعادة قراءة واكتشاف دوستويفسكي من جديد؛ فمفاهيم مثل «الكرنفالية»، و«تعدد الأصوات» (البوليفوني)، و«العتبة» و«الباروديا» (المحاكاة الساخرة)، و«الحوارية» جعلت من الروائي الروسي الكبير منتمياً إلى كل ما سبقه من أشكال أدبية وممارسات اجتماعية كبرى بمدلولاتها الكثيرة. كذلك جعلت أعماله مصدر اهتمام كبير في العالم، سواء بين القراء العاديين أو بما يخص الدراسات الأكاديمية.
ففي كشف باختين للكيفية التي استخدم دوستويفسكي الكرنفالية، على سبيل المثال، تمكن القارئ أن يتلمس كيف أن تلك الطقوس التي يضيع فيها الحياء والتراتبية تتحقق خلال الكرنفالات، وكيف أن دوستويفسكي استخدمها في رواياته، وكيف تتقلب مواقع شخصياته خلال لقاءاتهم فيصبح الأقل أهمية مهما والأكثر أهمية ضئيلاً.
كذلك الحال مع «المحاكاة الساخرة»، حيث خلق فيدور دوستويفسكي أكثر من شخص يقلد بشكل ما شخصية رئيسية. ولعل مبدأ «تعدد الأصوات» هو الأكثر أهمية في أعماله. فنحن لا نتابع رأي الكاتب في أبطاله، بل رأي كل شخصية بغيرها، وهذا ما سمح بخلق الطباق الموسيقي counterpoint في أعماله.
قد يمكن القول إن دراسات باختين النقدية في الرواية فتحت الباب واسعاً للرواية كي تزدهر في القرن الواحد والعشرين، بعيداً عن ذلك التقنين الذي فرضته روايتا بروست وجيمس جويس: «البحث عن الزمن الضائع» و«عوليس»، اللتان حددتا المساحة الروائية بالتجربة الذاتية للكاتب فقط.
كل ذلك كان بفضل تلك الحلقة الصغيرة التي التفَّت حول «المعلم» باختين في آخر سنوات حياته، وتعاونت معه ليعيد قراءة ما كتبه وينقح أو يضيف ما يشاء، وعند وفاته عام 1975، كانت صورة الإرث الفكري الذي تركه باختين وراءه واضحة: إنه لم يكن منظّراً أدبياً فقط، بل إن اختصاصه الحقيقي (حسب قوله) هو الفلسفة، وبالذات ضمن ما عُرف في بداية القرن العشرين بـ«الكانطية الجديدة».
نحن إذن أمام معلَم فكري كبير كادت الهزات التي عاشها القرن العشرون أن تفقد أثره إلى الأبد. وكان العمل الدؤوب الذي قام به مفكرون وأكاديميون مثل الفيلسوفة جوليا كريستيفا وغيرها في الكثير من بقاع العالم وراء استرجاع هذه اللقى المنتشرة هنا وهناك. لنكتشف في مؤلفاته الفيلسوف وعالم الدلالات والفيلولوجي والأنثروبولوجي وفيلسوف اللغة والأخلاق والتفكيكي.
مع ذلك، يظل ذلك الكتاب الذي فتح الآفاق أمام باختين هو نفسه الذي أنقذه من موت سيبيريا، وهو نفسه الذي أنقذ دوستويفسكي من موت النسيان: «مسائل الشعرية لدى دوستويفسكي» أو في طبعته العربية: «شعرية دوستويفسكي».
لا بد من الإشارة إلى أن الترجمة التي قام بها الدكتور جميل نصيف التكريتي بمراجعة الدكتورة الراحلة حياة شرارة هي الأخرى معلماً متميزاً في المكتبة العربية. فكتابات باختين معقدة بتراكيبها ومصطلحاتها وطرائق بحثها، حتى بالنسبة إلى المترجمين في الغرب.



كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
TT

كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)
الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

بين مغامرة دراميَّة وأخرى، تذهب كاريس بشَّار في مغامرةٍ من نوعٍ مختلف. «أراني في القطار بين هولندا وبلجيكا... ساعتان ذهاباً وساعتان إياباً، كما التلميذة المتجهة إلى مدرستها». تمضي الممثلة السورية معظم إجازاتها في ورش العمل والدورات الخاصة بالممثلين المحترفين، في مسعىً منها لصَقل الحِرفة واكتشاف الجديد على أيدي مدرّبي تمثيل عالميين.

كاريس بشَّار على يقين من أنّه كان لتلك الدروس الـMaster classes، أثرٌ كبير في تحطيم نوعٍ من «الممانعة الداخلية» التي كانت تقف حاجزاً بينها وبين «جرأة المغامرة والتجربة». أما أَنضجُ ثمارِ انبعاثِ روح المغامرة في الممثلة، فتُدعى «سماهر» وهي، على ما يعرفها الجمهور، بطلة مسلسل «بخمس أرواح» الذي عُرض في رمضان 2026.

أسئلة كثيرة و«سماهر» واحدة

باستفاضةٍ وشغَف، تتحدّث كاريس بشَّار في حوار حصري مع «الشرق الأوسط»، عن شخصية تلك المغنية الشعبية التي أسَرت قلبَ بطل المسلسل «شمس» (الممثل السوري قصي خولي) ومعه قلوب المشاهدين وسمَّرت عيونهم. والممثلة، كما الجمهور، فوجئت بسَماهر بعدما انتهى التصوير وجلست لتشاهد المسلسل بهدوء. لا تُنكر أنها أصيبت بما يُشبه الصدمة، وتسارعت في رأسها أسئلة مثل «أنا كيف عملت كل هاد الشي؟»، «كيف قدرت غنّي قدّام هالناس؟»، «كيف انفعلت هيك وحكيت بهيدي اللهجة؟»... وهي أسئلة مشروعة، بما أن كاريس بشَّار تصف نفسها بالإنسانة التي ما زالت على طريق التعافي من الخجل.

لا أجوبة حتى الساعة، إذ إن الفنانة السورية «بحاجة إلى إعادة دراسة هذه التجربة» حتى تجيب على أسئلتها الكثيرة تلك، وكي تُقيّم ما إذا كانت سماهر هي أهم شخصية قدَّمتها حتى الآن، في مسيرتها الفنية المتواصلة منذ 1992. لكن مهما كَثُرت الأسئلة، يبقى المؤكّد واحداً، وهو أنَّ كاريس بشَّار وتوأمها التلفزيونيّ، صنعتا الحدث وتصدّرتا الترند خلال الموسم الدرامي الرمضاني.

كاريس بشَّار وقصي خولي بطلا مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح)

كاريس بشَّار تغنّي!

جاء المسلسل الذي أنتجته شركة «الصبّاح إخوان - Cedars Art»، محصّناً بما يكفي من عناصر الجذب؛ بدءاً بطاقم الممثلين اللامعين، مروراً بالقصة التي تمزج ما بين التشويق واللغز والرومانسية، وليس انتهاءً بالإيقاع الإخراجيّ الذي لا يصيب الذهن ولا العين بالملل.

غير أنَّ ما تخطَّى المتوقَّع وتجاوزَ الواقع فبدا وكأنه لحظة سرياليَّة، كان صوت كاريس بشَّار غناءً. لم ينتظر المخرج السوري رامي حنّا طويلاً كي يفجِّر قنبلة المسلسل. ففي نهاية الحلقة الأولى، أطلَّت سماهر على المسرح صادحةً «أنا المرضان قليبي» ومُطلقةً العنان لخطواتها الراقصة، ولفساتينها البرّاقة، ولصَيحاتها المتفاعلة مع الحضور.

أهذه كاريس بشَّار أم هي مغنية شعبية متمرّسة؟ إنه السؤال الذي راود غالبيّة المُشاهدين، لا سيّما أنّ كاريس بشَّار فاجأت الجميع بخامة صوتها الجميلة، وبحنجرتها الصلبة، وبأذنها الموسيقية التي لا تُخطئ.

«قبل (بخمس أرواح)، أقصى ما فعلتُ غناءً أنني كنت أدندن بين جدران بيتي بصوتٍ خافتٍ وخجول، ثم أصمت لأنّ ابني كان ينزعج»، تخبر كاريس ضاحكةً. رغم ذلك، لطالما أدركت أن أذنها موسيقية. وعندما حان موعد التحدّي، قررت الممثلة رفع السقف فاقترحت على فريق العمل أن تصوّر الأغاني في أداءٍ مباشر وليس مسجَّلاً مسبقاً على طريقة الـplayback. وهكذا حصل بعد أن امتُحن صوتها على أيدي خبراء، وتَقرّر أنه صالحٌ للغناء المباشر.

لا ألبوم ولا حفلات

«أنا ممثلة أدَّت دور مغنّية»، يقف الأمر عند هذا الحدّ وفق كاريس بشَّار، أما احتمالات خوض مغامرة الغناء جدياً من خلال ألبوم أو حفلة، فغير وارد على الإطلاق بالنسبة إليها. مع العلم بأنها تولَّت شخصياً البحث عن أغاني المسلسل واختيارها، بشكلٍ يتلاقى مع أحداث حياة سماهر ويخدم السياق الدرامي.

نوَّعت ما بين المواويل، والأغاني الجديدة الضاربة، وتلك المُستقاة من التراث. من «صدفة لقيتك» و«يا طير»، إلى «ساعة وتغيب الشمس» و«لعيونك أنت يا حلو»، وسواها من أغاني، أجادت كاريس بشَّار في كل الأنواع. يأتي ذلك نتيجة ساعاتٍ وأيام من التدريب المكثّف، ضمن مساحة زمنيّة ضيقة جداً. «أنا راضية عمَّا قدَّمت لكن لو كان الوقت أطوَل لجاءت النتيجة مُضاعفة»، تبوح بمنطقِ مَن يبحث دائماً عن الأفضل.

والباحث عن الأفضل لا بدّ أن يسدّد ثمناً ما. هكذا حصل مع كاريس بشَّار التي فقدت صوتها خلال التصوير بسبب انفعالات سماهر الصوتيّة ونبرتها المرتفعة، إضافةً إلى الغناء المباشر لساعات متواصلة: «كان لديّ في اليوم الواحد أحياناً 9 أو 10 ساعات من الغناء». مع العلم بأنّ الأغاني كانت تصوَّر كاملةً ومن دون توقّف، ثم تؤخَذ اللقطات من زوايا مختلفة.

تخبر كاريس أنّ تصوير «بخمس أرواح» استغرق 3 أشهر، كانت تتنقّل خلالها بين المواقع، وجلسات التمرين على الغناء واللهجة، ثم إلى تدريب عازف الأورغ على الأغاني. واللافت أنّ القسم الأخير من تصوير المسلسل مطلع شهر مارس (آذار)، تَزامنَ والغارات الإسرائيلية المنهمرة على بيروت.

تزامن تصوير القسم الأخير من المسلسل مع الحرب الإسرائيلية على لبنان (شركة الصبّاح)

ما قصة اللهجة؟

ليس الغناء المباشر التحدّي الأوحد الذي وضعته كاريس بشَّار لنفسها. فيوم أنهت قراءة ملخَّص القصة، قدَّمت لشركة الإنتاج وللمخرج اقتراحاً تَصِفُه بالمجازفة. «في مسعىً مني للمشاركة في بناء الشخصية وخلفيّتها، اقترحتُ أن نمنح لهجةً لسماهر تعبِّر عن جذورها؛ على أن تأتي من منطقة الجزيرة والفرات الحدوديّة بين سوريا والعراق»، تخبر الممثلة.

تلك اللهجة التي أثارت اللغط والسجال على المستوى الجماهيري، لا هي عراقيّة ولا شاميّة. إنها لهجة أهل الجزيرة وقد تدرّبت عليها بكثافة، قناعةً منها بأنّ تلك اللهجة والتعابير هي مرآة لشخصية سماهر وماضيها.

سماهر امرأةٌ قسَت لفرط ما قسا الزمن عليها. بعد فقدان الأمّ والجذور والاستقرار، تُصارع المجتمع وحيدة وتربّي ابنها بمفردها وسط الخوف، كما تعتني بوالدٍ عديم المسؤوليّة وسكّير. وبما أنّ «السماهر» باللغة العربية تعني الرماح الصلبة، كان لا بدَّ من لهجةٍ تظهّر قسوة البطلة وغضبَها وكبرياءها وجانبها الذكوريّ.

وتحرص كاريس بشَّار على التوضيح أنّ «لهجة سماهر لم تكن إكسسواراً، بل من صلب الشخصية وهويّتها». وتضيف أنّ كل ما نطقت به لم يكن مفتعلاً بهدف صناعة «الترند».

كاريس ودَّعت سماهر

ماذا بقي من سماهر مع كاريس بشَّار؟ تُسارع الممثلة للإجابة: «مستغربة جداً كيف أنَّ سماهر طلعت من رأسي بهذه السرعة، على عكس بلقيس من مسلسل (تحت سابع أرض) أو مريم من (النار بالنار)»، تتابع: «ربما للأمر علاقة بلهجتها التي ليست لهجتي أصلاً، لكني سعيدة بأنها غادرتني، إذ لا يجوز أن أنمّط نفسي بها ولا بأي شخصية أخرى، فهذا لا يخدمني نفسياً ولا مهنياً».

لهجة سماهر لم تكن إكسسواراً بل من صلب الشخصية (كاريس بشَّار)

غير أنّ سماهر لم تغادر من دون إحداث ضجيج خلفها. «أنا أغار من سماهر»، تعترف كاريس بشَّار. «أغار من قوتها وجرأتها على قول الأشياء كما هي، من دون مجاملة ولا دبلوماسية. كم أتمنى أن أكون مثلها».

وبعد أن زرعت كاريس بشَّار كل التحديات الممكنة في (سماهر)، انقلب السحر على الساحر فانتهى الأمر بأن رفعت الشخصية سقف التحدّي لدى الممثلة، التي ما عادت ترضى بأقلّ ممّا قدَّمت في «بخمس أرواح».


مصريون يتنفسون الصعداء بعد تخفيف «الإغلاق المبكر»

مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصريون يتنفسون الصعداء بعد تخفيف «الإغلاق المبكر»

مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعد قرار مد «الإغلاق المبكر» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مع مدّ ساعات عمل المحال والمولات والمقاهي في مصر حتى الـ11 مساءً، سارع الشاب العشريني عبد الله السيد إلى التشاور مع أصدقائه لوضع خطط لتحركاتهم اليومية واستعادة سهراتهم المعتادة، ما بين مقاهي وسط القاهرة وزيارة الأماكن والأحياء التراثية، مثل شارع المعز وحي الأزهر.

وأعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مساء الخميس، تخفيف مواعيد إغلاق المحال التجارية من الساعة الـ9 إلى الـ11 مساءً يومياً، بدءاً من 10 وحتى 27 أبريل (نيسان) الحالي، مع استمرار الاستثناء من مواعيد الإغلاق بالنسبة للأماكن السياحية، والصيدليات، ومحال البقالة، والمنشآت السياحية، وأفران الخبز، والمطاعم المصنفة منشآت سياحية.

وأثار قرار تعديل مواعيد إغلاق المحال فرحة لافتة لدى قطاعات واسعة من المصريين. وقال عبد الله السيد، الذي يعيش في حي شبرا بالقاهرة ويعمل في إحدى الشركات الخاصة في الحي نفسه، إن القرار أعاد إليه وإلى أصدقائه ما وصفه بـ«متعة السهر».

منطقة وسط القاهرة تشهد إقبالاً لافتاً من الزائرين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وقال السيد لـ«الشرق الأوسط» إن «إغلاق المحال والمقاهي في الـ9 مساءً أصابني وأصدقائي بإحباط كبير، لذلك بدأنا، مع تعديل المواعيد إلى الـ11 مساءً، في وضع خطط لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة. فقد قررنا أن نسهر يومياً في مقاهي وسط البلد حتى إغلاقها، ثم نتوجه إلى حي الأزهر لاستكمال السهرة»، مؤكداً أن «فرحة تعديل مواعيد إغلاق المحال طالت جميع من أعرفهم».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت، في وقت سابق، تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر، بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «إغلاق المحال التجارية والمقاهي في الـ9 مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية»، إلى جانب «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع، لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية والارتفاع العالمي في أسعار الطاقة.

إغلاق المحال والمولات والكافيهات الساعة 11 مساءً يُبهج المصريين (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة أن «تخفيف مواعيد الإغلاق أفرح كثيراً من المصريين، وسينعكس بشكل إيجابي على كثيرٍ من الأنشطة الاقتصادية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الفترة ما بين الـ9 والـ11 مساءً تُعد وقتاً حيوياً للأنشطة التجارية؛ إذ تمثل ذروة الإقبال، لذلك سيسهم تعديل مواعيد الإغلاق في انتعاش حركة البيع لكثير من الأنشطة، خصوصاً أن المواعيد الجديدة تقترب من مواعيد الإغلاق الطبيعية لبعض الأنشطة قبل تأثيرات الحرب وخطط الترشيد، والتي كانت عند الـ10 مساءً في الشتاء والـ11 مساءً صيفاً».

وأكد العمدة أن «كثيراً من الأنشطة الترفيهية، مثل المطاعم والمقاهي، ستشهد رواجاً كبيراً وتستعيد جانباً من مسارها الطبيعي، كما سيقلّ التأثير السلبي على العمالة الليلية التي تأثرت بمواعيد الإغلاق السابقة».

ومن بين الذين أبهجهم قرار مدّ ساعات عمل المحال حتى الـ11 مساءً، الخمسيني سعيد حسان، الذي يمتلك محل حلاقة رجالي في وسط القاهرة ويقيم على مقربة من مكان عمله. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اليوم الأول للمواعيد الجديدة كان مبهجاً، سواء من حيث إقبال الزبائن حتى الـ11 مساءً، أو من حيث الأثر النفسي لأجواء السهر ووجود الناس في الشوارع». وأضاف أنه، إلى جانب الخسائر التي تكبّدها بسبب مواعيد الإغلاق السابقة، فإنه أيضاً «يحب السهر بعد العمل في المقاهي القريبة».

خبراء مصريون طالبوا بعدم التشدد في الإجراءات التقشفية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأسهم قرار الحكومة المصرية بتعديل مواعيد إغلاق المحال إلى الـ11 مساءً، مع استثناء الأماكن السياحية من تلك المواعيد، في إحداث انتعاشة ملحوظة في الإقبال على عدد من المواقع الأثرية والأحياء التراثية، مثل السيدة زينب، والحسين، وشارع المعز، وفق الخبير السياحي الدكتور زين الشيخ.

وقال الشيخ لـ«الشرق الأوسط» إن «اليوم الأول لبدء تطبيق المواعيد الجديدة لإغلاق المحال (الجمعة) كان له تأثير إيجابي كبير على القطاع السياحي، خصوصاً السياحة الثقافية؛ إذ شهدت الأحياء التراثية، مثل الأزهر، وشارع المعز، والقاهرة الفاطمية، إقبالاً لافتاً»، مؤكداً أن «الحياة عادت إلى طبيعتها بدرجة كبيرة في هذه الأماكن، ورصدنا حالة من الانبساط والفرحة لدى السائحين والمصريين الذين يفضلون السهر فيها». وأضاف أن «مدّ مواعيد الإغلاق كان له تأثير إيجابي على مبيعات البازارات منذ اليوم الأول».


«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
TT

«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)
إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)

تركّز اختيارات الدورة الـ17 من مهرجان «الفيلم العربي في برلين» على معاناة الشعوب العربية بشكل أساسي، ضمن أقسام المهرجان الذي تحتضنه العاصمة الألمانية خلال الفترة من 22 إلى 28 أبريل (نيسان) الحالي.

ويُكرِّم المهرجان في نسخته الجديدة المخرجين الراحلين يوسف شاهين، وداود عبد السيد، بالإضافة إلى المخرج الفلسطيني محمد بكري. كما يحلُّ مصمِّم المناظر أنسي أبو سيف ضيفَ شرفٍ على الدورة، مع عرض فيلمي «وداعاً بونابرت»، و«أرض الأحلام»، اللذين شارك فيهما. وتحضر السينما المصرية أيضاً من خلال عرض فيلمي «الست» لمنى زكي و«كولونيا» لمحمد صيام ضمن الفعاليات.

وبينما يحتفي المهرجان بالسينما السودانية عبر برنامج «بقعة ضوء»، تبرز اختيارات لأعمال سينمائية توثِّق وترصد وتتناول معاناة المجتمعات العربية بشكل واضح في مختلف البرامج. وتنطلق فعاليات المهرجان بعرض فيلم «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، الذي يتناول إحدى السنوات المفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية.

ومن بين الأفلام المعروضة «حكايات الأرض الجريحة» للمخرج العراقي عباس فاضل، الذي يوثِّق الحرب الإسرائيلية على لبنان وصمود أهالي الجنوب اللبناني في مواجهة الاحتلال، كما تبرز قصة المصوّرة الفلسطينية فاطمة حسونة من قطاع غزة، التي اغتيلت مع عائلتها خلال الحرب، من خلال فيلم «ضع روحك على يدك وامش»، الذي يوثّق أيامها مع عائلتها خلال الحرب.

فيلم «الست» سيُعرض ضمن فعاليات المهرجان (حساب الكاتب أحمد مراد على فيسبوك)

ويرصد فيلم «الأسود على نهر دجلة» للمخرج زرادشت أحمد جانباً من الحياة في الموصل بعد خروج تنظيم «داعش» الإرهابي، بينما تدور أحداث الفيلم السعودي «هوبال» في الفترة التي تلت حرب الخليج الثانية، ويتناول قصة عائلة بدوية تقرِّر العيش في عزلة تامة وسط الصحراء، جرَّاء اعتقاد الجد بقرب قيام الساعة.

وقال المدير الفني للمهرجان، إسكندر أحمد عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن الدورة الجديدة تُركِّز على إنتاجات السينما العربية بين عامي 2024 و2026، بما يعكس نبض السينما العربية المعاصرة. وأشار إلى أن قسم «بقعة ضوء» يحمل طابعاً مختلفاً كل عام؛ إذ يُركِّز على فكرة أو بلد بعينه، وقد وقع الاختيار هذا العام على السينما السودانية. وأضاف أنهم اتخذوا قراراً بعدم إعداد البرنامج داخلياً، بل دعوا المنتج والمخرج طلال عفيفي لتولّي هذه المهمة، في خطوة تهدف إلى تقديم رؤية أصيلة من داخل التجربة السودانية نفسها، لا من خارجها.

وأوضح أن البرنامج يجمع بين الأفلام الكلاسيكية والمعاصرة التي تُوحِّدها فكرة واحدة، من خلال عرض أفلام مرمَّمة من البدايات الأولى للتجربة السينمائية هناك، إلى جانب أعمال حديثة مثل «ملكة القطن» لسوزانا ميرغني، و«أوفسايد الخرطوم» لمروة زين، و«أكاشا» لحجوج كوكا... وغيرها.

وأضاف أن الدورة الجديدة تتضمَّن استحداث قسم رابع، هذا العام، تحت عنوان «نادي الفيلم العربي»، بهدف توسيع نطاق الأنشطة خارج إطار العروض التقليدية. ويسعى هذا القسم إلى إحداث تفاعل مباشر مع الجمهور العربي في المهجر، خصوصاً في برلين، من خلال ورش عمل تُركِّز على قراءة الأفلام وتحليلها، واستخدام السينما بوصفها أداة للتمكين والتخيُّل. وسيحضر المشاركون العروض، ثم يكتبون تحليلات أو مقالات تعكس علاقتهم الشخصية بالسينما، ودورها في استكشاف الذات.

المهرجان يفتتح فعالياته بعرض « فلسطين 36» (الشركة المنتجة)

وفيما يتعلق بمعايير اختيار الأفلام، قال المدير الفني للمهرجان إن الدورة تضم أعمالاً من دول عربية عدة، من بينها مصر، ولبنان، والأردن، وفلسطين، والعراق، والسودان، والجزائر، والمغرب، وتونس، والسعودية، وقطر، بالإضافة إلى أفلام مُنتَجة في المهجر. وأضاف أن الموضوعات المطروحة تعكس الواقع الراهن في المنطقة، بما في ذلك الحروب والتدخلات الإمبريالية، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مع حضور قوي للقضية الفلسطينية.

وأوضح أن الأفلام المختارة تكشف أيضاً عن حالة من فقدان الثقة بالسرديات الكبرى المرتبطة بالحرية والديمقراطية، وما يصاحب ذلك من إحباط وغضب وتناقض في المعايير. ولفت إلى أنه، رغم الطابع النقدي الذي يغلب على هذه الأعمال، فإنها لا تخلو من محاولات للمقاومة والبقاء، بل تقدّم أيضاً رؤى مبتكرة لإعادة البناء والتعامل مع الأزمات بمختلف أبعادها.