باختين... فتح الباب واسعاً أمام الرواية كي تزدهر في القرن الـ21

44 عاماً على رحيل مبتكر مفاهيم «الكرنفالية» و«تعدد الأصوات»



 منذ مثوله أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا ظل باختين حتى مماته يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه
منذ مثوله أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا ظل باختين حتى مماته يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه
TT

باختين... فتح الباب واسعاً أمام الرواية كي تزدهر في القرن الـ21



 منذ مثوله أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا ظل باختين حتى مماته يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه
منذ مثوله أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا ظل باختين حتى مماته يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه

غالباً ما ينتابني شعور عند الدخول إلى مكتبة عامة بأن كل المؤلفين الذين استقرت كتبهم منذ عقود على رفوفها قد غادروا الحياة، وأنهم الآن يتوسلون بي من وراء حاجز الغيب كي أستل مؤلَّفاً ما من أعمالهم، ولعل تصفحه فقط سيكون كافياً لمنحهم خيطاً واهياً من الشعور بالخلود، حتى للحظة واحدة.
وقد لا أستبعد أن هذا الشعور راود طالب الدراسات العليا الذي دخل إلى مكتبة أكاديمية العلوم في موسكو بحثاً عن مصادر لأطروحته، وعادة تكون أغلب الكتب فيها محجوبة عن القراء خارج أسوار الجامعة لأنها غالباً ما تتعارض (من وجهة نظر القيادة السياسية) مع الفكر «الماركسي - اللينيني».
خلال تجواله العشوائي بين الرفوف وقعت عيناه على كتاب بعنوان مثير: «مسائل الشعرية لدى دوستويفسكي» (الذي ترجمه إلى العربية الدكتور جميل نصيف التكريتي تحت عنوان «شعرية دوستويفسكي»، وراجعته الدكتورة حياة شرارة، وصدر عن دار توبقال، عام 1986)، وحين قرأ اسم مؤلفه: ميخائيل باختين، خامره شعور عميق بأن هذا المؤلِّف المجهول تماماً قد غادر الحياة منذ عقود كثيرة.
تحت الإثارة الفكرية والنفسية التي تركها هذا الكتاب في نفسه، قام ذلك الطالب بإشراك عدد من الأكاديميين الشباب في اكتشافه. هآنذا أراهم مصعوقين أمام الكنز الذي أخرجه زميلهم من القمقم، كأنه يشبه بذلك الجني الذي خرج من القارورة بعد قضائه دهراً طويلاً داخلها عقاباً له على عدم إطاعة النبي سليمان.
لا بد أن هذا الاكتشاف جاء بفضل الانفراج الذي عرفه الاتحاد السوفياتي بعد عام 1956، حيث خفَّت كفّ النظام الثقيلة ضد الثقافة غير المدجَّنة.
بعد بحث طويل عن ذلك المؤلف المجهول ودراساته، اكتشفت تلك المجموعة الصغيرة من الباحثين الشباب في معهد الآداب العالمية التابع لأكاديمية العلوم، أن المؤلف الذي يحمل اسم باختين، الذي رحل في 7 مارس (آذار) - عام 1975- ما زال على قيد الحياة.
كذلك، فإن كتاب «شعرية دوستويفسكي» فتح أعينهم على مقالات ودراسات مبعثرة في أرشيفات مغلقة هنا وهناك، وقادهم إلى أن أطروحة باختين التي رفضت اللجنة المناقِشة لها منحه درجة دكتوراه في أواخر الأربعينات، موجودة هي الأخرى وراء أبواب مقفلة أمام الجمهور، وتحمل عنوان: «رابليه وعالمه».
لا أستبعد أن يكون قدوم ثلاثة شباب من موسكو إلى بيته الواقع في بلدة نائية، معزولة، عام 1963، قد أثار قدراً من الخوف في نفسه. فهو منذ وقوفه أمام المحكمة الثورية عام 1929 بتهمة نشر الأفكار الهدامة بين الشباب، وصدور حكم ضده بالنفي لعشر سنوات إلى سيبيريا، يعيش تحت هاجس عودة رجال المخابرات ثانية إليه. كان السبب وراء ذلك الحكم هو انضمامه إلى حلقة من المثقفين تعمل على تحقيق التوفيق بين الدين والأفكار الحديثة، وكان ذلك كافياً في أواخر عقد العشرينات من القرن الماضي أن يعاقَب الفرد على هذه «الجريمة» بالنفي أو السجن أو الموت أو العمل القسري الجماعي.
حتى ذلك الوقت لم يكن صدر لباختين أي كتاب أو دراسة في مجلة متخصصة، عدا كتاب «شعرية دوستويفسكي». ولعل الاحتفاء الكبير الذي أظهره مثقف بلشفي كبير في ذلك الوقت بالكتاب كان وراء تجنبه النفي إلى سيبيريا. إنه أناتولي لوناتشارسكي، الذي عيَّنه لينين بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) كوميسارا (وزيراً) للتربية والثقافة؛ تعبيراً عن تقديره لإنجازاته الأدبية الكثيرة.
ترك كتاب باختين في نفس المسؤول الكبير انطباعاً إيجابياً كبيراً، ترجمه بنشر مقالة نقدية تمتدح عالياً مؤلّفه، ولعل تلك المقالة وتدخل لوناتشارسكي وراء إنقاذه من النفي إلى سيبيريا.
بعد استئناف الحكم عليه، ومع التقرير الطبي الذي قدمه، بإصابته بمرض مزمن في العظام، وأن إقامته في سيبيريا ستقتله، بدلت المحكمة حكمها ضده، من حيث المكان الذي سينفى إليه. إنها بلدة كوستاني الصغيرة في كازخستان، حيث عمل محاسباً صغيراً. وخلال السنوات الست التي قضاها هناك، كتب باختين في أوقات فراغه دراسات مهمة (لم تُنشر) من بينها «خطاب الرواية».
عام 1937، انتقل باختين إلى بلدة كيمري التي تبعد نحو 200 كيلومتر عن موسكو. وهناك ألّف كتاباً عن الرواية الألمانية في القرن الثامن عشر. وقد قُبِلت من «دار نشر الكتّاب السوفيات»، لكن الحظ لم يحالفه؛ إذ إن المبنى الذي كانت المخطوطة الوحيدة محفوظة فيه قصفها الألمان عند غزوهم الاتحاد السوفياتي عام 1941.
اشتد مرض العظام عليه آنذاك، لكن صحته تحسنت بعد قطع ساقه عام 1938، وخلال سنوات الحرب أقام في موسكو، وواصل إنتاجه الفكري، لكن الحصار الذي عانته المدينة دفعه إلى استهلاك جزء كبير من أوراق مخطوطة أخرى له لسجائره.
بعد رفض منحه درجة الدكتوراه على أطروحته «رابليه وعالمه» في أواخر الأربعينات، اكتفى «مكتب التفويض الحكومي» بمنحه لقباً أكاديمياً أقل شأناً.
انتقل باختين خلال الخمسينات من القرن الماضي إلى بلدة سارنسارك في موردوفيا، حيث عمل مدرساً في المعهد التربوي الموردوفي. ومع تدهور وضعه الصحي تقاعد عن العمل عام 1961، وكان من المفترض أن تختفي تلك الكنوز الفكرية التي تركها هنا وهناك، مخطوطات في أماكن مختلفة، لولا كتاب «شعرية دوستويفسكي».
في الوقت نفسه، عرفت أعمال دوستويفسكي خلال القرن العشرين إهمالاً مطرداً، واعتبره الكثير من النقاد مفتقداً لأسلوب أدبي متميز، وآخرون نظروا إلى أعماله من زاوية سيكولوجية ضيقة، باعتبار أبطاله مصابين بالعصاب، فضلاً عن إقصائه من قبل الحركات اليسارية الصاعدة بسبب أفكاره «الرجعية».
ويمكن تلمس هذا الإهمال في العالم الأنجلو - ساكسوني، فروائي مثل د. إتش. لورانس نبذ كل أعماله واكتفى بالصفحات القليلة التي كتبها بطل «الإخوة كارموزوف»، إيفان، تحت عنوان «المفتش العام». أما الناقد الأميركي البارز هارولد بلوم، فقد تجاهله تماماً في دراسته المهمةWestern Canon «(الكتابات الغربية الكبرى).
جاء كتاب باختين «شعرية دوستويفسكي» في حقل النقد الأدبي شبيها بما حققه العالم الفلكي كوبرنيكوس الذي كشف في القرن السادس عشر أن الأرض هي التي تدور حول الشمس لا العكس.
هنا تقدم لنا هذه الدراسة القيّمة جملة مفاهيم جديدة تساعدنا على إعادة قراءة واكتشاف دوستويفسكي من جديد؛ فمفاهيم مثل «الكرنفالية»، و«تعدد الأصوات» (البوليفوني)، و«العتبة» و«الباروديا» (المحاكاة الساخرة)، و«الحوارية» جعلت من الروائي الروسي الكبير منتمياً إلى كل ما سبقه من أشكال أدبية وممارسات اجتماعية كبرى بمدلولاتها الكثيرة. كذلك جعلت أعماله مصدر اهتمام كبير في العالم، سواء بين القراء العاديين أو بما يخص الدراسات الأكاديمية.
ففي كشف باختين للكيفية التي استخدم دوستويفسكي الكرنفالية، على سبيل المثال، تمكن القارئ أن يتلمس كيف أن تلك الطقوس التي يضيع فيها الحياء والتراتبية تتحقق خلال الكرنفالات، وكيف أن دوستويفسكي استخدمها في رواياته، وكيف تتقلب مواقع شخصياته خلال لقاءاتهم فيصبح الأقل أهمية مهما والأكثر أهمية ضئيلاً.
كذلك الحال مع «المحاكاة الساخرة»، حيث خلق فيدور دوستويفسكي أكثر من شخص يقلد بشكل ما شخصية رئيسية. ولعل مبدأ «تعدد الأصوات» هو الأكثر أهمية في أعماله. فنحن لا نتابع رأي الكاتب في أبطاله، بل رأي كل شخصية بغيرها، وهذا ما سمح بخلق الطباق الموسيقي counterpoint في أعماله.
قد يمكن القول إن دراسات باختين النقدية في الرواية فتحت الباب واسعاً للرواية كي تزدهر في القرن الواحد والعشرين، بعيداً عن ذلك التقنين الذي فرضته روايتا بروست وجيمس جويس: «البحث عن الزمن الضائع» و«عوليس»، اللتان حددتا المساحة الروائية بالتجربة الذاتية للكاتب فقط.
كل ذلك كان بفضل تلك الحلقة الصغيرة التي التفَّت حول «المعلم» باختين في آخر سنوات حياته، وتعاونت معه ليعيد قراءة ما كتبه وينقح أو يضيف ما يشاء، وعند وفاته عام 1975، كانت صورة الإرث الفكري الذي تركه باختين وراءه واضحة: إنه لم يكن منظّراً أدبياً فقط، بل إن اختصاصه الحقيقي (حسب قوله) هو الفلسفة، وبالذات ضمن ما عُرف في بداية القرن العشرين بـ«الكانطية الجديدة».
نحن إذن أمام معلَم فكري كبير كادت الهزات التي عاشها القرن العشرون أن تفقد أثره إلى الأبد. وكان العمل الدؤوب الذي قام به مفكرون وأكاديميون مثل الفيلسوفة جوليا كريستيفا وغيرها في الكثير من بقاع العالم وراء استرجاع هذه اللقى المنتشرة هنا وهناك. لنكتشف في مؤلفاته الفيلسوف وعالم الدلالات والفيلولوجي والأنثروبولوجي وفيلسوف اللغة والأخلاق والتفكيكي.
مع ذلك، يظل ذلك الكتاب الذي فتح الآفاق أمام باختين هو نفسه الذي أنقذه من موت سيبيريا، وهو نفسه الذي أنقذ دوستويفسكي من موت النسيان: «مسائل الشعرية لدى دوستويفسكي» أو في طبعته العربية: «شعرية دوستويفسكي».
لا بد من الإشارة إلى أن الترجمة التي قام بها الدكتور جميل نصيف التكريتي بمراجعة الدكتورة الراحلة حياة شرارة هي الأخرى معلماً متميزاً في المكتبة العربية. فكتابات باختين معقدة بتراكيبها ومصطلحاتها وطرائق بحثها، حتى بالنسبة إلى المترجمين في الغرب.



جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.


مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».