كيف يتم دفع «البقشيش» حول العالم؟... في بعض البلدان يعتبر إهانة

عادة مرفوضة في روسيا والصين مع بعض الاستثناءات العصرية

نادل بأحد المطاعم وسط لندن أثناء تقديمه أحد الأطباق للزبائن (رويترز)
نادل بأحد المطاعم وسط لندن أثناء تقديمه أحد الأطباق للزبائن (رويترز)
TT

كيف يتم دفع «البقشيش» حول العالم؟... في بعض البلدان يعتبر إهانة

نادل بأحد المطاعم وسط لندن أثناء تقديمه أحد الأطباق للزبائن (رويترز)
نادل بأحد المطاعم وسط لندن أثناء تقديمه أحد الأطباق للزبائن (رويترز)

كيف يتم دفع «البقشيش» حول العالم؟ هذا السؤال المربك يواجه دوماً من اعتاد السفر والتنقل من بلد إلى آخر، سواءً للعمل أو للسياحة، وإن كانت ثقافة البلد التي نزل بها تقبل بفكرة البقشيش، أم تعتبره إهانة؟ وإذا كان لا مانع من دفع البقشيش، فما هو المقدار المناسب بحيث لا يكون أقل من المتوقع أو زائداً عن الضروري؟
هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» حاولت الكشف، في تقرير نشرته مؤخراً، عن اختلاف هذه العادة من بلد إلى آخر، وكيف أنها أبعد ما تكون عن البساطة، فهناك تاريخ طويل لفكرة «البقشيش» واختلافات في النظر إليه وطريقة تقديمه من بلد إلى آخر، ومن ثقافة إلى غيرها. ففي أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، ناقش الحزبان الرئيسيان في المملكة المتحدة (المحافظون) و(العمال) القوانين التي تحظر على أصحاب الحانات والمطاعم الاحتفاظ بحصيلة البقشيش اليومية بعيداً عن أيدي فريق العمال.
والحقيقة أن أهل بريطانيا لهم الحق في التعامل بهذا القدر من الجدية مع مسألة البقشيش، خصوصاً أن أجدادهم هم أصحاب اختراع هذه العادة في القرن السابع عشر، عندما بدأ أفراد الطبقة المخملية في تقديم ما تم اعتباره «هدايا صغيرة» لأبناء الطبقات الأدنى، ومن وقتها صار البقشيش من أكثر العادات شيوعاً حول العالم، وإن كانت تتأثر باختلاف الثقافات والقيم من بلد إلى آخر.
* الولايات المتحدة: توجد نكتة شائعة في الولايات المتحدة مفادها بأن «البقشيش يعد الشيء الوحيد الأكثر إرباكاً من المطالبة باستعادة الضرائب التي وردت أخطاء في تسديدها».
وصلت عادة منح البقشيش إلى الأراضي الأميركية في القرن التاسع عشر، عندما بدأ أغنياء البلاد في السفر إلى أوروبا. وفي البداية أثار البقشيش رد فعل سلبي، واعتبر المنتقدون أنها عادة مناقضة للديمقراطية واتهموا مانحي البقشيش بأنهم يخلقون طبقة من العمال «يتوسلون من أجل البقشيش». بالانتقال إلى القرن الحادي والعشرين، يناقش الأميركيون إيجابيات وسلبيات منح البقشيش. ولكن المسألة أصبحت متأصلة في الثقافة الأميركية. يقدر عالم الاقتصاد أوفير أزار أنه في عام 2007 وحده، شهدت صناعة المطاعم دفع مبلغ 42 مليار دولار (ما يعادل 32 مليار جنيه إسترليني) بقشيشاً لعمالة الخدمة. ففي أميركا، يعد البقشيش مكملاً أساسياً للرواتب، وفي بعض الأحيان يعتمد عليه العامل بصورة أساسية، ودفع البقشيش واجب على كل زبون، خصوصاً في المطاعم، ما لم يرتكب مقدم الخدمة خطأ لا يغتفر.
* الصين: مثل أغلب البلدان الآسيوية، تعتبر ثقافة الصين معارضة لمنح البقشيش، ولعقود كان محظوراً، ويتم اعتباره أقرب إلى «الرشوة»، وحتى هذا اليوم، يبقى منح البقشيش في الصين غير شائع، ففي المطاعم التي يتردد عليها مواطنو البلد، لا يمنح الزبائن بقشيشاً. وترد الاستثناءات في المطاعم التي يرتادها الزوار الأجانب، وكذلك الفنادق، ويتم السماح في هذه الحالة بمنح البقشيش إلى حاملي الأمتعة في الأساس، كما أن الاستثناءات في الحالة الصينية تشمل إمكانية منح البقشيش للمرشدين السياحيين وسائقي الحافلات.
* اليابان: يتضمن نظام الإتيكيت المعقد في اليابان السماح بمنح البقشيش، فاجتماعياً، يتم قبول المنح المالية في خلال حفلات الزفاف، والجنازات، وغيرهما من المناسبات الخاصة، ولكن على المستوى العام، قد يتسبب منح البقشيش في شعور المتلقي بالإهانة.
وتقوم فلسفة اليابان في هذا الشأن على أن تقديم الخدمة الجيدة يجب أن يكون متوقعاً في الأساس. وحتى في المناسبات التي يكون متوقعاً فيها منح البقشيش أو الإكراميات، فيتم اتباع بروتوكول محدد بتقديمها داخل أظرف خاصة دليلاً على التقدير والاحترام، أما عناصر فرق العمل بالفنادق، والمعروفون دولياً باليقظة والتهذيب، فقد تم تدريبهم على رفض البقشيش بأدب جم.
* فرنسا: في عام 1955، اعتمدت فرنسا قانوناً لإجبار إدارة المطاعم على تضمين الفواتير بنداً لتغطية الخدمة المقدمة، وهو ما أصبح شائعاً بعد ذلك بين دول أوروبا وفي غيرها من دول العالم. وذلك سبيلاً لتحسين رواتب العاملين في المطاعم، وجعلهم أقل اعتماداً على البقشيش. ومع ذلك، ظل منح البقشيش عادة متبعة، وإن كانت الاستطلاعات الحديثة كشفت عن أن الجيل الأصغر من الفرنسيين لا يميل إلى منح البقشيش. ففي عام 2014 أكد 15 في المائة من المستهلكين الفرنسيين أنهم لا يدفعون بقشيشاً على الإطلاق، في مضاعفة للنسبة التي التزمت الموقف ذاته في العام السابق 2013.
* جنوب أفريقيا: في بلاد قوس قزح هناك بند إنفاق لا يتكرر في كثير من الدول، وهو حراسة السيارات، وذلك عبارة عن قطاع عمل غير رسمي تنامى بسبب أزمة البطالة في جنوب أفريقيا، التي تبلغ نسبة 25 في المائة. ويقوم هذا القطاع الخدمي على أفراد يقدمون المساعدة إلى السائقين في العثور على موقع مناسب كموقف للسيارة، ثم يتولون حراسة السيارة أثناء غياب صاحبها. وتزداد هذه الخدمة أهمية، خصوصاً أن الإحصائيات الرسمية تكشف عن سرقة 140 سيارة يومياً في جنوب أفريقيا عام 2017.
أن تكون تكلفة مثل هذه الخدمة أقل من دولار واحد لا يجعل من المسألة مشكلة كبيرة، ولكن الجدل يتفجر في جنوب أفريقيا بشأن أن ذلك القطاع لا يخضع لأي تنظيم أو ضمانات لحماية حقوق الطرفين، سواء صاحب السيارة أو حارسها.
* سويسرا: اعتاد مواطنو سويسرا على منح البقشيش للعاملين في الفنادق وعمال قطاع الخدمات إجمالاً، مثل مصففي الشعر. إلا أن سويسرا تعد من البلدان ذات أعلى حد أدنى للرواتب: فراتب النادل، مثلاً، يتجاوز الـ4 آلاف دولار شهرياً. وبذلك فإن العمالة في سويسرا أقل اعتماداً على البقشيش بالمقارنة مع نظرائهم الأميركيين.
* الهند: الكثير من المطاعم في الهند تدرج ضريبة خدمة ضمن فواتيرها، ما يجعل من المقبول عدم منح بقشيش. ومع ذلك، فإن آداب الذوق والإتيكيت تقر بمنح ما يتراوح بين 15 و20 في المائة، ومن غير الشائع العثور على مطعم يرفع لافتة تحظر منح البقشيش لأفراد الخدمة به. وقد كشف استطلاع تم إجراؤه عام 2015 عن أن مواطني الهند يعتبرون من بين الأكثر منحاً للبقشيش على مستوى بلدان آسيا، حيث تأتي الهند بعد بنغلاديش وتايلاند.
* سنغافورة: لا يعتبر منح مبالغ صغيرة على سبيل البقشيش بالفنادق والمطاعم والسيارات الأجرة مسألة مهينة في سنغافورة. ومع ذلك، فإن البقشيش يعتبر أمراً شائكاً هناك، فيذكر الموقع الإلكتروني الرسمي للحكومة أن «منح البقشيش ليس بسبيل للحياة» على الجزيرة.
* مصر: منح البقشيش متأصل في الثقافة المصرية، فالمصريون الأغنياء يمنحون البقشيش للعمالة في مختلف القطاعات الخدمية من العاملين في المطاعم والمقاهي إلى عاملي محطات تزويد الوقود، ويتم تقبل الحصول على بقشيش مع تجاوز نسبة البطالة الـ10 في المائة، ومساهمة الاقتصاد غير الرسمي بنحو 40 في المائة من إجمالي الناتج القومي.
* روسيا: خلال العهد السوفياتي، كان هناك رفض لفكرة منح البقشيش، وكان يتم اعتبارها وسيلة للتقليل من شأن الطبقة العاملة، ولكن الثقافة الروسية بها تعبير خاص بمنح البقشيش، وهو «من أجل الشاي»، وقد تجددت عادة منح البقشيش في روسيا اعتباراً من بداية الألفية الجديدة، ولكن ما زالت الأجيال الأكبر سناً تعتبر منح البقشيش مسألة مهينة.
* الأرجنتين: منح البقشيش إلى نادل بعد وجبة تمزج ما بين اللحم والشراب في الأرجنتين لن يتسبب في مشكلة، لكنه في الواقع محظور بالنسبة للعمالة في قطاعي الفنادق وتقديم الطعام وفقاً لقانون العمل الصادر في عام 2004، ومع ذلك، فإن منح البقشيش يتم وعلى نطاق واسع، ويساهم بما يوازي 40 في المائة من دخل العاملين في مطاعم الأرجنتين.


مقالات ذات صلة

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

مذاقات «ساوردو»...  من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات «سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص

براكريتي غوبتا (نيودلهي)

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.