... ويستمر {سحر} فرناندو بوتيرو في إغواء آسيا

يتلقى الفنان إلهامه من وحي الألوان وبهجة الحياة

الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
TT

... ويستمر {سحر} فرناندو بوتيرو في إغواء آسيا

الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا

يلفت نظر الزائر لفندق بيننسولا الفاخر في هونغ كونغ، تلك الكوكبة من التحف والأعمال الفنية التي يتزين بها بهو الفندق الكبير. وإحدى هذه التحف يوحي شكلها بالبساطة، ولكن في نفس الوقت تبتهج بالألوان الزّاهية إذ تصور زوجين يجلسان في ارتياح وسكينة على عشب أخضر جميل، تحيط بهما الجبال البنية بقممها الخضراء من أعمال الفنان الكولومبي الشهير فرناندو بوتيرو، الذي يعتبر واحدا من أعظم الفنانين المعاصرين.
ويضمّ الفندق اثنين من الأعمال النّحتية الكبيرة، وثلاث منحوتات صغيرة أخرى، إضافة إلى ثماني لوحات، وإحداها هي من أعمال بوتيرو الأسطورية. أضفى فن بوتيرو سحابة من السّرور والسّحر والإعجاب على كل من شاهد أعماله في هونغ كونغ والصين، وهي من دون شك من الأعمال القوية في محتواها والفريدة في رسالتها.
يقول بعض الناس إنّ فرناندو بوتيرو مشهور برسم الناس البدناء، غير أنّ الحقيقة تقول إنّ عالمه الفني الخاص مفعم بالأحجام تماماً كما أوضح وكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا، الذي يقول: إنّه «لم يكن يوما معنيا برسم الأشخاص البدناء. بل إنّ فنّه يدور حول تيمة الأحجام، ويتألف أسلوبها الفني من المبالغة في الحجم التي تتيح له عكس الحقيقة وواقع الحياة، بما هو مستشعر، ومبهج، ومحسوس عمّا يبدو في الواقع».
ويستطرد مونتانا قائلا: «إن أوليت اهتمامك لتشريح شخوصاته البشرية، فسوف تلحظ أنّهم أبدا ليسوا بدناء على نحو تشريحي، وإنّما مصورون بشيء من الضخامة المتعمدة. ومن جهة أخرى، فإنّه يبالغ في ضخامة أحجام كافة الأشياء التي يصورها بفنه، وليس فقط الشّخوصات البشرية. بل إنك تجد ذلك في المناظر الطبيعية، والفاكهة، وتصاوير الحياة، ومختلف الأشياء، وحتى الحيوانات. كلها تخرج في لوحاته بنفس الحجم النمطي الذي يحتفي بالحياة أيّما احتفاء».
وخوان كاميلو مونتانا هو أيضاً، مواطن كولومبي، وهو وكيل أعمال شاب مع سيرة ذاتية مهنية مثيرة للإعجاب في عالم الفن في قارة آسيا. ويعمل مع الفنان فرناندو بوتيرو منذ ست سنوات، ويعيش في شنغهاي الصينية بغية تنسيق معارض الفنان الكولومبي الشهير وتوسيع قاعدة تراثه الخاص حول العالم. ويقول: «لقد مرّت بي ست سنوات من رحلة مفعمة بكل ما هو سار وسعيد مع أعمال الفنان فرناندو بوتيرو».
- وظيفة الأحلام
ومع الاستماع إلى مونتانا حاكياً عن بوتيرو ورحلاته الفنية حول العالم، لا يسعك إلّا الاعتقاد بأنّه يعمل في وظيفته المثلى، وهو يؤكد ذلك تماما بقوله «إنّها وظيفة أحلامي بكل تأكيد. إنّني أعمل حاليا لدى واحد من أهم الفنانين المعاصرين على قيد الحياة في العالم، والأكثر أهمية في تاريخ الفنون في أميركا اللاتينية. وتتعلق وظيفتي بمحاولة نشر إرثه الفني وأعماله عن طريق تنظيم المعارض المتميزة، وعقد المحاضرات، والبرامج التثقيفية التي تثري حياة الناس الذين ينضمون إليها. والمقدرة على الحديث إليه، والعمل معه، والتعلم منه، هي من الميزات الفريدة التي أحظى بها وأقدرها. لم أتوقف عن التعلم منه أبداً. فلديه الكثير كي ينقله إلى الآخرين، وأنا أصبحت كالإسفنجة التي تمتصّ كل ما يصدر عنه وفي أي لحظة أوجد معه».
وأثناء مشاهدة إحدى المنحوتات التي تصور حصانا ضخما، يواصل مونتانا توضيح مصدر إلهام سحر فرناندو بوتيرو الفني.
وفي ذلك يقول: «يتأصّل ارتباط الفنان بوتيرو بالأحجام الكبيرة في إعجابه العميق بعصر النّهضة، على اعتبار أنه يتصور أعمال الفنانين العظماء في فترات السمو الفني الإيطالي ما بين أوائل القرن الرابع عشر وحتى نهايات القرن السادس عشر الميلادي وهي صاحبة الأثر الأكبر عليه. وهو يؤمن بأنّ فناني عصر النهضة قد أحدثوا ثورة عارمة في عالم الفنون من خلال إعادة استحداث وإعادة تأكيد أهمية الحجم الكبير في الأعمال الفنية. تلك الأهمية التي ظلّت غائبة أو مهملة في فنون القرون الوسطى الأوروبية. واستخدمت الجداريات العظيمة لكل من غيوتو، وباولو أوشيلو، وبييرو ديلا فرانشيسكا، الحجم الكبير كوسيلة من وسائل دس أوهام المنظور والعمق لدى النّفس وللبعث بالرسالة الحسّية للفنون التي أغفلتها الفنون المسيحية خلال العصور الوسطى. والرسالة الحسية هي بالضبط ما يرغب فرناندو بوتيرو التمسك بها في عالم الفن الذي أوجده لنفسه من خلال لوحاته، ورسوماته، ومنحوتاته».
ومع ذلك، عندما تنظر إلى لوحاته المفعمة بالألوان الزّاهية تشعر كما لو أنّك داخل أتيليه الفنان بوتيرو نفسه. وكان لموطنه كولومبيا بعض الأثر على أعماله الفنية المستوحاة من هناك.
- إنجازات بوتيرو وأعماله
«أعتقد أنّه بصرف النّظر عن الأعمال الفنية الغربية العظيمة وعن ذكريات الطفولة لديه، التي تشكّل مصدر إلهامه الرئيسي، يتلقى الفنان بوتيرو إلهامه كذلك من وحي الألوان وبهجة الكون، حيث يميل الناس إلى الملابس الزاهية والاحتفال بالحياة عبر مختلف الأنشطة. وهذا واضح تماما، على سبيل المثال، في الأعمال التي نفذها على خلفية مصارعة الثيران والسيرك. ولكن في بعض الأحيان، وليس في أغلبها، تعد أعماله رد فعل على الأحداث السياسية التي تغضبه أو تثير حفيظته. ويبدو ذلك واضحا في السلسلة الفنية التي نفّذها بشأن أعمال العنف في كولومبيا في الوقت الذي كانت الصّحف القومية تتحدّث بصفة يومية عن المجازر وعمليات القتل والخطف والتفجيرات، أو عندما شعر باضطراره إلى ترك البصمة الفنية عن فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب العراقي وعلاقتها بالولايات المتحدة الأميركية، بعد أن قرأ مقالات الكاتب الصحافي الأميركي سيمور هيرش لصحيفة نيويورك تايمز مندّدا فيها بالجيش الأميركي وصنائعه في العراق».
وبالتفكير في كيفية تأثير غزارة إنتاجه الفني على حياته، سيما مع بلوغه الـ87 من عمره تقريبا، سألت السيد مونتانا إن كان الأمر صحيحاً أن بوتيرو لا يزال يزاول الرّسم بصفة يومية. فمن الجيد أن تعرف أنّه ينتقل بين موناكو وبين مرسمه في إيطاليا حيث ينتهي هناك من أعماله النحتية.
«في كل مكان وفي أي وقت لا يزال بوتيرو يواصل العمل والإبداع. إنه فنان غزير الإنتاج، وذلك لأنّه يعشق ما يفعل. ومن الدّروس التي استخلصتها من مراقبتي لأسلوب حياته، هو أنّه، إن كنت تريد أن تكون سعيداً فعليك أن تحب عملك. ولذلك فإنه لا يتوقف عن العمل أبداً، وهو لا يأخذ العطلات من عمله، ولا يقسّم الأسابيع بين أيام العمل وأيام العطلات. فهو يرسم أو ينحت في أعياد الميلاد أو في رأس السنة الجديدة، ذلك لأنّه لا يلحظ أنّها عطلة بالأساس. وفي أي مكان يعيش، يكون له مرسمه الخاص، الذي يقضي فيه ما يقارب 10 ساعات أو أكثر يوميا من العمل المستمر. والوقت الوحيد الذي لا يرسم أو ينحت فيه، هو عندما يحضر افتتاح معرض. وأود القول بأن هذا هو أقل الأمور المفضلة في العمل بالنسبة له».
- صبغة عالمية مدهشة وبسيطة
إن فنون بوتيرو ذات صبغة عالمية، ومثيرة للدهشة، ولكنها بمنتهى البساطة. ومن أفضل أعماله بالنسبة لي، هي لوحات المناظر الطبيعية، والوفرة اللونية التي يصوّر بها الحياة، وتفسيراته لأعمال الآخرين الفنية.
لدى فرناندو بوتيرو الكثير من الأعمال الفنية الشهيرة التي يميل الناس لمشاهدتها: منها تمثيلاته المختلفة للموناليزا، على سبيل المثال؛ ولوحة «ستيل لايف» المفعمة بالألوان الصفراء في الزهور، واللون الأزرق والأحمر، واللوحات الشّخصية التي رسمها لولده الصغير بيدريتو الذي توفي في حادثة سيارة وهو في الرابعة من عمره.
رغم ذلك، فإنّ أكثر أعمال الفنان بوتيرو شهرة، هي منحوتات الأماكن العامة، «المرأة المتكئة» في بلازا سانتو دومينغو في قرطاجنة، و«آدم» في وارنر تايم سنتر في نيويورك، و«هاند» في مدريد. وتلك هي الأعمال النّحتية التي يُسمح للنّاس بلمسها، والتي يوحي مظهرها العتيق برونق خاص بمزيد من زيارات الناس لها على الدّوام. وهذا ما يجلب السّرور الكبير للفنان بوتيرو، لأّنه يحب رؤية الناس على تواصل مباشر مع أعماله. وهو دائما ما يقول ذلك في مسيرته الفنية التي كرّسها لاستكشاف مكامن الأحجام الفنية الهائلة، ومن الطبيعي أن يرغب الفنان والمتذوّق للفن، أن يلمسا تلك الأحجام بأيديهما معا.
عندما أوشكت الجولة على الانتهاء، سألت السيد مونتانا عن التخطيطات المنتظرة لمعارض الفنان خلال العام الحالي؟ قال: «لدينا حالياً معرض واحد في مدريد. ونعمل على تنظيم معارض لدى مؤسسات مهمة في مختلف عواصم شرق آسيا مثل جاكرتا، وكوالالمبور، ومانيلا، وهونغ كونغ».
لم أستطع ترك مونتانا من دون أن أعرف إن كانت هناك من معارض ستُنظّم في منطقة الشرق الأوسط قريبا، فجاء ردّه أنّه يأمل أن يحظى بفرصة تنظيم معرض للفنان بوتيرو بحلول العام 2020. وأضاف أنّ منطقة الشرق الأوسط منطقة ثرية للغاية من الناحية الثقافية بالنسبة إليه وللفنان.
ومع انتهاء الجولة في معرض فرناندو بوتيرو في فندق بيننسولا الفاخر، أدركت أنّ أفضل لوحات بوتيرو لدي هي لوحة زهرة دوار الشمس الكبيرة التي توجد في الطابق الثاني من المعرض. وهي بمثابة تحية للفنان الهولندي الكبير فنسنت فان جوخ، وهي مفعمة بالألوان الأحمر والبرتقالي والأصفر والوردي والأزرق. وهي في مثل عنفوان فنون بوتيرو وتعكس سحر بلادنا كولومبيا الحبيبة.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.