... ويستمر {سحر} فرناندو بوتيرو في إغواء آسيا

يتلقى الفنان إلهامه من وحي الألوان وبهجة الحياة

الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
TT

... ويستمر {سحر} فرناندو بوتيرو في إغواء آسيا

الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا
الفنان فرناندو بوتيرو ووكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا

يلفت نظر الزائر لفندق بيننسولا الفاخر في هونغ كونغ، تلك الكوكبة من التحف والأعمال الفنية التي يتزين بها بهو الفندق الكبير. وإحدى هذه التحف يوحي شكلها بالبساطة، ولكن في نفس الوقت تبتهج بالألوان الزّاهية إذ تصور زوجين يجلسان في ارتياح وسكينة على عشب أخضر جميل، تحيط بهما الجبال البنية بقممها الخضراء من أعمال الفنان الكولومبي الشهير فرناندو بوتيرو، الذي يعتبر واحدا من أعظم الفنانين المعاصرين.
ويضمّ الفندق اثنين من الأعمال النّحتية الكبيرة، وثلاث منحوتات صغيرة أخرى، إضافة إلى ثماني لوحات، وإحداها هي من أعمال بوتيرو الأسطورية. أضفى فن بوتيرو سحابة من السّرور والسّحر والإعجاب على كل من شاهد أعماله في هونغ كونغ والصين، وهي من دون شك من الأعمال القوية في محتواها والفريدة في رسالتها.
يقول بعض الناس إنّ فرناندو بوتيرو مشهور برسم الناس البدناء، غير أنّ الحقيقة تقول إنّ عالمه الفني الخاص مفعم بالأحجام تماماً كما أوضح وكيل أعماله خوان كاميلو مونتانا، الذي يقول: إنّه «لم يكن يوما معنيا برسم الأشخاص البدناء. بل إنّ فنّه يدور حول تيمة الأحجام، ويتألف أسلوبها الفني من المبالغة في الحجم التي تتيح له عكس الحقيقة وواقع الحياة، بما هو مستشعر، ومبهج، ومحسوس عمّا يبدو في الواقع».
ويستطرد مونتانا قائلا: «إن أوليت اهتمامك لتشريح شخوصاته البشرية، فسوف تلحظ أنّهم أبدا ليسوا بدناء على نحو تشريحي، وإنّما مصورون بشيء من الضخامة المتعمدة. ومن جهة أخرى، فإنّه يبالغ في ضخامة أحجام كافة الأشياء التي يصورها بفنه، وليس فقط الشّخوصات البشرية. بل إنك تجد ذلك في المناظر الطبيعية، والفاكهة، وتصاوير الحياة، ومختلف الأشياء، وحتى الحيوانات. كلها تخرج في لوحاته بنفس الحجم النمطي الذي يحتفي بالحياة أيّما احتفاء».
وخوان كاميلو مونتانا هو أيضاً، مواطن كولومبي، وهو وكيل أعمال شاب مع سيرة ذاتية مهنية مثيرة للإعجاب في عالم الفن في قارة آسيا. ويعمل مع الفنان فرناندو بوتيرو منذ ست سنوات، ويعيش في شنغهاي الصينية بغية تنسيق معارض الفنان الكولومبي الشهير وتوسيع قاعدة تراثه الخاص حول العالم. ويقول: «لقد مرّت بي ست سنوات من رحلة مفعمة بكل ما هو سار وسعيد مع أعمال الفنان فرناندو بوتيرو».
- وظيفة الأحلام
ومع الاستماع إلى مونتانا حاكياً عن بوتيرو ورحلاته الفنية حول العالم، لا يسعك إلّا الاعتقاد بأنّه يعمل في وظيفته المثلى، وهو يؤكد ذلك تماما بقوله «إنّها وظيفة أحلامي بكل تأكيد. إنّني أعمل حاليا لدى واحد من أهم الفنانين المعاصرين على قيد الحياة في العالم، والأكثر أهمية في تاريخ الفنون في أميركا اللاتينية. وتتعلق وظيفتي بمحاولة نشر إرثه الفني وأعماله عن طريق تنظيم المعارض المتميزة، وعقد المحاضرات، والبرامج التثقيفية التي تثري حياة الناس الذين ينضمون إليها. والمقدرة على الحديث إليه، والعمل معه، والتعلم منه، هي من الميزات الفريدة التي أحظى بها وأقدرها. لم أتوقف عن التعلم منه أبداً. فلديه الكثير كي ينقله إلى الآخرين، وأنا أصبحت كالإسفنجة التي تمتصّ كل ما يصدر عنه وفي أي لحظة أوجد معه».
وأثناء مشاهدة إحدى المنحوتات التي تصور حصانا ضخما، يواصل مونتانا توضيح مصدر إلهام سحر فرناندو بوتيرو الفني.
وفي ذلك يقول: «يتأصّل ارتباط الفنان بوتيرو بالأحجام الكبيرة في إعجابه العميق بعصر النّهضة، على اعتبار أنه يتصور أعمال الفنانين العظماء في فترات السمو الفني الإيطالي ما بين أوائل القرن الرابع عشر وحتى نهايات القرن السادس عشر الميلادي وهي صاحبة الأثر الأكبر عليه. وهو يؤمن بأنّ فناني عصر النهضة قد أحدثوا ثورة عارمة في عالم الفنون من خلال إعادة استحداث وإعادة تأكيد أهمية الحجم الكبير في الأعمال الفنية. تلك الأهمية التي ظلّت غائبة أو مهملة في فنون القرون الوسطى الأوروبية. واستخدمت الجداريات العظيمة لكل من غيوتو، وباولو أوشيلو، وبييرو ديلا فرانشيسكا، الحجم الكبير كوسيلة من وسائل دس أوهام المنظور والعمق لدى النّفس وللبعث بالرسالة الحسّية للفنون التي أغفلتها الفنون المسيحية خلال العصور الوسطى. والرسالة الحسية هي بالضبط ما يرغب فرناندو بوتيرو التمسك بها في عالم الفن الذي أوجده لنفسه من خلال لوحاته، ورسوماته، ومنحوتاته».
ومع ذلك، عندما تنظر إلى لوحاته المفعمة بالألوان الزّاهية تشعر كما لو أنّك داخل أتيليه الفنان بوتيرو نفسه. وكان لموطنه كولومبيا بعض الأثر على أعماله الفنية المستوحاة من هناك.
- إنجازات بوتيرو وأعماله
«أعتقد أنّه بصرف النّظر عن الأعمال الفنية الغربية العظيمة وعن ذكريات الطفولة لديه، التي تشكّل مصدر إلهامه الرئيسي، يتلقى الفنان بوتيرو إلهامه كذلك من وحي الألوان وبهجة الكون، حيث يميل الناس إلى الملابس الزاهية والاحتفال بالحياة عبر مختلف الأنشطة. وهذا واضح تماما، على سبيل المثال، في الأعمال التي نفذها على خلفية مصارعة الثيران والسيرك. ولكن في بعض الأحيان، وليس في أغلبها، تعد أعماله رد فعل على الأحداث السياسية التي تغضبه أو تثير حفيظته. ويبدو ذلك واضحا في السلسلة الفنية التي نفّذها بشأن أعمال العنف في كولومبيا في الوقت الذي كانت الصّحف القومية تتحدّث بصفة يومية عن المجازر وعمليات القتل والخطف والتفجيرات، أو عندما شعر باضطراره إلى ترك البصمة الفنية عن فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب العراقي وعلاقتها بالولايات المتحدة الأميركية، بعد أن قرأ مقالات الكاتب الصحافي الأميركي سيمور هيرش لصحيفة نيويورك تايمز مندّدا فيها بالجيش الأميركي وصنائعه في العراق».
وبالتفكير في كيفية تأثير غزارة إنتاجه الفني على حياته، سيما مع بلوغه الـ87 من عمره تقريبا، سألت السيد مونتانا إن كان الأمر صحيحاً أن بوتيرو لا يزال يزاول الرّسم بصفة يومية. فمن الجيد أن تعرف أنّه ينتقل بين موناكو وبين مرسمه في إيطاليا حيث ينتهي هناك من أعماله النحتية.
«في كل مكان وفي أي وقت لا يزال بوتيرو يواصل العمل والإبداع. إنه فنان غزير الإنتاج، وذلك لأنّه يعشق ما يفعل. ومن الدّروس التي استخلصتها من مراقبتي لأسلوب حياته، هو أنّه، إن كنت تريد أن تكون سعيداً فعليك أن تحب عملك. ولذلك فإنه لا يتوقف عن العمل أبداً، وهو لا يأخذ العطلات من عمله، ولا يقسّم الأسابيع بين أيام العمل وأيام العطلات. فهو يرسم أو ينحت في أعياد الميلاد أو في رأس السنة الجديدة، ذلك لأنّه لا يلحظ أنّها عطلة بالأساس. وفي أي مكان يعيش، يكون له مرسمه الخاص، الذي يقضي فيه ما يقارب 10 ساعات أو أكثر يوميا من العمل المستمر. والوقت الوحيد الذي لا يرسم أو ينحت فيه، هو عندما يحضر افتتاح معرض. وأود القول بأن هذا هو أقل الأمور المفضلة في العمل بالنسبة له».
- صبغة عالمية مدهشة وبسيطة
إن فنون بوتيرو ذات صبغة عالمية، ومثيرة للدهشة، ولكنها بمنتهى البساطة. ومن أفضل أعماله بالنسبة لي، هي لوحات المناظر الطبيعية، والوفرة اللونية التي يصوّر بها الحياة، وتفسيراته لأعمال الآخرين الفنية.
لدى فرناندو بوتيرو الكثير من الأعمال الفنية الشهيرة التي يميل الناس لمشاهدتها: منها تمثيلاته المختلفة للموناليزا، على سبيل المثال؛ ولوحة «ستيل لايف» المفعمة بالألوان الصفراء في الزهور، واللون الأزرق والأحمر، واللوحات الشّخصية التي رسمها لولده الصغير بيدريتو الذي توفي في حادثة سيارة وهو في الرابعة من عمره.
رغم ذلك، فإنّ أكثر أعمال الفنان بوتيرو شهرة، هي منحوتات الأماكن العامة، «المرأة المتكئة» في بلازا سانتو دومينغو في قرطاجنة، و«آدم» في وارنر تايم سنتر في نيويورك، و«هاند» في مدريد. وتلك هي الأعمال النّحتية التي يُسمح للنّاس بلمسها، والتي يوحي مظهرها العتيق برونق خاص بمزيد من زيارات الناس لها على الدّوام. وهذا ما يجلب السّرور الكبير للفنان بوتيرو، لأّنه يحب رؤية الناس على تواصل مباشر مع أعماله. وهو دائما ما يقول ذلك في مسيرته الفنية التي كرّسها لاستكشاف مكامن الأحجام الفنية الهائلة، ومن الطبيعي أن يرغب الفنان والمتذوّق للفن، أن يلمسا تلك الأحجام بأيديهما معا.
عندما أوشكت الجولة على الانتهاء، سألت السيد مونتانا عن التخطيطات المنتظرة لمعارض الفنان خلال العام الحالي؟ قال: «لدينا حالياً معرض واحد في مدريد. ونعمل على تنظيم معارض لدى مؤسسات مهمة في مختلف عواصم شرق آسيا مثل جاكرتا، وكوالالمبور، ومانيلا، وهونغ كونغ».
لم أستطع ترك مونتانا من دون أن أعرف إن كانت هناك من معارض ستُنظّم في منطقة الشرق الأوسط قريبا، فجاء ردّه أنّه يأمل أن يحظى بفرصة تنظيم معرض للفنان بوتيرو بحلول العام 2020. وأضاف أنّ منطقة الشرق الأوسط منطقة ثرية للغاية من الناحية الثقافية بالنسبة إليه وللفنان.
ومع انتهاء الجولة في معرض فرناندو بوتيرو في فندق بيننسولا الفاخر، أدركت أنّ أفضل لوحات بوتيرو لدي هي لوحة زهرة دوار الشمس الكبيرة التي توجد في الطابق الثاني من المعرض. وهي بمثابة تحية للفنان الهولندي الكبير فنسنت فان جوخ، وهي مفعمة بالألوان الأحمر والبرتقالي والأصفر والوردي والأزرق. وهي في مثل عنفوان فنون بوتيرو وتعكس سحر بلادنا كولومبيا الحبيبة.



مسجد القبلتين... لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي

منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
TT

مسجد القبلتين... لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي

منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)

على ربوة من الحرة الغربية في المدينة المنورة، يقف «مسجد القبلتين» شاهداً حياً على لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي؛ حيث لم يكن مجرد بناء من اللبن والسعف وجذوع النخيل عند تشييده في العام الثاني للهجرة، بل كان مسرحاً لحدث غيّر وجهة الصلاة في العالم أجمع.

تعود ذاكرة اللحظة المفصلية إلى يوم الـ15 من شعبان في العام الثاني للهجرة (واس)

قصة التحول: من القدس إلى مكة

تعود ذاكرة المكان إلى الـ15 من شعبان في العام الثاني للهجرة، حينما كان النبي محمد، يزور أم بشر من بني سلمة، وأثناء أدائه لصلاة الظهر، نزل الوحي الإلهي بآية كريمة، ليتحول النبي والمصلون خلفه في منتصف الصلاة من استقبال بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. وبتلك الركعات التي انقسمت بين قبلتين، اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد، وبات مزاراً لا تغيب عنه شمس الزوار.

يحكي الدكتور عبد الرحمن الوقيصي، الباحث في التاريخ، حكاية المسجد وتاريخيته، وقال حينما خلت البقاع حول مسجد النبي، أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم، التي هي اليوم منطقة مسـجد القبلتين وما حولها، إلى قرب المسـجد النبوي، فنهاهم النبي، وقال لهم حديثه المشهور: (يا بني سلِمةَ دِيارَكم تُكتَبْ لكم آثارُكم) قالها ثلاثاً.

ويضيف الوقيصي: «من هنا يظهر إعطاء النبي هذا المسجد، وما حوله أهمية خاصة، حتى لا تُهجر هذه المنطقة، وحتى يُكتب لهم أجر الصلاة في مسجدهم، الذي كان يعرف أصلاً باسم مسجد بني سلم في ذلك الوقت، وحتى يُكتب لهم أيضاً أجر القدوم إلى النبي والعودة إلى ديارهم في كل مرة يقدمون عليه».

عند تشييده في العام الثاني للهجرة كان المسجد مسرحاً لحدث غيّر وجهة الصلاة في العالم أجمع (واس)

رحلة الإعمار والازدهار

لم ينقطع اهتمام المسلمين بهذا المعلم عبر العصور؛ فقد جدده عمر بن عبد العزيز عام 87هـ، ثم شاهين الجمالي عام 893هـ، وصولاً إلى العصر العثماني في عهد سليمان القانوني.

إلا أن النقلة النوعية الكبرى بدأت في العهد السعودي، انطلاقاً من أمر الملك عبد العزيز، بتجديد عمارته وتوسعته وبناء مئذنة له لتصل مساحته إلى 425 متراً مربعاً.

واستمرت عجلة التطوير في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، الذي أمر بإعادة بناء المسجد وتوسعته وفق أحدث التقنيات الهندسية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، وصولاً إلى التحسينات المستمرة في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة ضيوف الرحمن.

أضيف إلى تاريخية المسجد مركز حضاري يستقبل الملايين سنوياً (واس)

رؤية حضارية لـ 8 ملايين زائر

واليوم، يشهد المسجد تحولاً جديداً تحت إشراف هيئة تطوير المدينة المنورة من خلال «مركز القبلتين الحضاري»، وهو مشروع تطويري شامل يهدف لتعزيز تجربة الزوار وربط التاريخ بالحاضر.

وتشمل أبرز ملامح التطوير الحديث، زيادة الطاقة الاستيعابية حيث قفزت القدرة الاستيعابية للمسجد والساحات الخارجية لتستوعب أكثر من 20 ألف مصلٍ في وقت واحد، إضافة إلى التجهيزات اللوجيستية، وتزويد الموقع بـ50 مظلة ذكية مزودة بمراوح رذاذ، بالإضافة إلى مواقف ضخمة تتسع لـ300 حافلة.

وسجل المركز أرقاماً قياسية، حيث استقبل أكثر من 8 ملايين زائر خلال عام 2025، ما يجعله إحدى أكثر الوجهات الدينية والسياحية جذباً في المنطقة. ويقع المركز على بُعد نحو 5 كم شمال غربي المسجد النبوي، ويفتح أبوابه على مدار الساعة، ليقدم نموذجاً فريداً يجمع بين الروحانية التاريخية والخدمات العصرية، مؤكداً مكانة المدينة المنورة وجهة عالمية للحضارة الإسلامية.


أعمال درامية رمضانية تحاكي مآسي «حقبة الأسد» في سوريا

الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)
الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)
TT

أعمال درامية رمضانية تحاكي مآسي «حقبة الأسد» في سوريا

الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)
الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)

في باحة سجن، يجثو رجال على الأرض مطأطئي الرؤوس وأرجلهم مقيّدة بسلاسل، بينما يصرخ بهم آمر السجن: «أنا هنا من يُحيي ويميت»، في مشهد تمثيلي يختصر عنف السجون في حقبة الحكم السابق في سوريا، التي تشكل محور مسلسلات عدة بدأت تُعرض في موسم شهر رمضان.

وتستحوذ السجون تحديداً وما شهدته أقبيتها وزنازينها من جرائم تعذيب وإخفاء قسري وإعدامات على اهتمام صناع الدراما، بعدما كانت معالجتها من المحرمات قبل إطاحة الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي حكمت عائلته البلاد لعقود بقبضة من حديد.

في بلدة زوق مكايل شمال شرقي بيروت، تحوّل معمل صابون مهجور إلى نسخة عن سجن صيدنايا، تُصوّر فيه الحلقات الأخيرة من مسلسل «الخروج إلى البئر» الذي يستعيد عصياناً شهيراً شهده السجن عام 2008، وأسفر عن مقتل العشرات.

ويقول مخرج المسلسل الأردني محمّد لطفي لوكالة الصحافة الفرنسية: «سجن صيدنايا بالنسبة إلى السوريين هو المكان المظلم» المليء بالقصص.

ويضيف: «نركّز في العمل على جزئية في مرحلة تاريخية معينة هي عصيان 2008، عندما انتفض السجناء على الجنود وسيطروا على السجن وحصلت مفاوضات بينهم وبين جهاز المخابرات السورية».

يرصد المسلسل، وفق كاتبه سامر رضوان، واقع علاقة التيارات الإسلاموية مع النظام السابق حينها، وما ترتب عليها من انعكاسات اجتماعية.

صور لمفقودين يُعتقد أنهم كانوا في سجن «صيدنايا» معلّقة بساحة المرجة وسط دمشق (أرشيفية - رويترز)

في أحد مشاهد الحلقة الأولى، يتعرض المعتقلون فور وصولهم إلى سجن صيدنايا لـ«ترحيب» على طريقة السجانين: إهانات وشتائم وضرب وحشي، قبل أن يخاطبهم آمر السجن بالقول: «هذا (المكان) لا يسمى سجناً، اسمه مطهر»، مضيفاً: «إما أن تطهّروا أرواحكم وعقولكم من الأفكار الخبيثة، وإما سأدعكم تشتهون نار جهنم ولا ترونها».

يُعدّ سجن صيدنايا من أكبر السجون في سوريا، وكان مخصصاً للمعتقلين السياسيين وسجناء الحق العام، وهو يشكل وصمة عار في تاريخ حكم عائلة الأسد وجرحاً مفتوحاً لعشرات آلاف العائلات السورية. وقد وصفته منظمات حقوقية بأنه «مسلخ بشري».

تقدّر رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا عدد من دخلوه منذ انطلاق احتجاجات عام 2011 بنحو ثلاثين ألفاً، عدا عمن دخلوه قبل ذلك، لم يخرج منهم على قيد الحياة سوى ستّة آلاف فقط، بعد سقوط الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

خوف الممثلين

في المشهد الأول من المسلسل، يظهر الممثل السوري جمال سليمان، بدور السجين سلطان، في حوار قاسٍ مع أفراد أسرته، قبل أن يقفز بطلب منهم إلى بئر عميقة، في مشهد يعكس الصراعات والضغوط التي تحاصر عائلات المعتقلين في سوريا، لذنب وحيد: أنها عائلة معتقل، قد تجهل مصيره لسنوات وتتخبط بين فروع الأمن بحثاً عن أثر له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أرشيفية - أ.ب)

في منشور على «فيسبوك» قبل بدء عرض المسلسل على شاشات قناة «العربي 2» وتطبيق «العربي بلس» والقناة الثانية في شبكة «تلفزيون سوريا»، ذكر الكاتب سامر رضوان أنه أنهى كتابة المسلسل «قبل سقوط نظام الأسد بأربعة أشهر».

لكن تحديّات عدة حالت، وفق ما أبلغ مخرج المسلسل وكالة الصحافة الفرنسية نهاية العام الماضي، دون بدء التصوير قبل إطاحة الأسد، على رأسها خوف الممثلين حينها من رد فعل السلطات.

القيصر

أما بعد فرار الأسد من سوريا، فباتت القضايا المرتبطة بحكمه وعائلته محور اهتمام صناع الدراما. ويعرض مسلسل آخر بعنوان «القيصر: لا زمان ولا مكان»، شهادات وتجارب من داخل المعتقلات خلال سنوات الحرب. ومنذ عرض حلقته الأولى، أثار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

فعرض مسلسلات توثق تجارب المعتقلين يثير انتقادات عائلات لا تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها، وتحمل على السلطة الجديدة عدم جعلها الملف من أولوياتها.

في بيان صدر الأربعاء، أكدت رابطة عائلات قيصر، نسبة إلى ملفات قيصر التي ضمّت أكثر من خمسين ألف صورة لمعتقلين قضوا في السجون السورية إبان قمع الاحتجاجات، رفضها «القاطع لتحويل مأساتنا إلى مادة درامية تُعرض على الشاشات». وقالت: «أنين أبنائنا ليس مادة للتداول الفني»، مطالبة بتحقيق العدالة في المحاكم.

«المحافظة 15»

من سجن صيدنايا تحديداً، تبدأ قصة المسلسل «المحافظة 15» مع خروج لبناني وسوري منه بعد إطاحة الأسد.

من خلال قصة لبناني أمضى أكثر من 20 عاماً في الاعتقال وظنت عائلته أنه تُوفي، يستعيد المسلسل، وفق ما يشرح منتجه اللبناني مروان حداد لوكالة الصحافة الفرنسية، هيمنة الحُكم السوري السابق على حياة اللبنانيين.

ويسلّط الضوء من خلال لجوء عائلة المعتقل السوري إلى لبنان، على ظاهرة اللجوء إلى البلد الصغير الغارق في أزماته وفي تاريخ من العلاقة المتوترة مع سوريا. وتشرح كاتبة السيناريو اللبنانية كارين رزق الله: «عشنا لسنوات نردد أننا لا نريد أن يصبح لبنان المحافظة 15، وحاربنا كلٌّ على طريقته وفي مجاله».

ومنذ دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 حتى خروجه عام 2005، تحكّمت دمشق بكل مفاصل الحياة السياسية واتُّهمت باغتيال سياسيين وصحافيين ورجال دين لبنانيين معارضين لحافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ولا تزال عائلات لبنانية تنتظر معرفة مصير أبنائها من المخطوفين في سوريا. وتشرح رزق الله: «يعرف بعضهم في قرارة أنفسهم أن أبناءهم رحلوا، لكنهم في حاجة إلى خاتمة لهذه القضية، وإلى معرفة هل توفي هذا الشخص؟ في أي تاريخ وفي أي مكان».


نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
TT

نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)
اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)

يقول العديد من مُلّاك الحيوانات الأليفة إن حيواناتهم مصدر سعادة كبير لهم، وأنها تُخفف عنهم الشعور بالوحدة وتُحسِّن من صحتهم النفسية بشكل عام.

وقد أظهرت العديد من الدراسات النفسية فوائد اقتناء حيوان أليف للصحة البدنية والنفسية. ومع ذلك، قد يواجه مُلَّاك الحيوانات الأليفة مواقف صعبة للغاية تُؤثر سلباً على صحتهم النفسية.

على سبيل المثال، قد يكون الأمر مُحبِطاً للغاية إذا كان الكلب سيئ التدريب وعدوانياً ويعض صاحبه أو غيره. كذلك، إذا مرض الحيوان الأليف، فقد تتدهور الحالة النفسية لصاحبه بسبب القلق الشديد، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

أيضاً، قد تُؤدي تكاليف العلاج البيطري الباهظة إلى مشكلات نفسية لبعض مُلَّاك الحيوانات الأليفة. لذا، فإن العلاقة بين اقتناء حيوان أليف والصحة النفسية ليست بالبساطة التي تبدو عليها للوهلة الأولى. لذلك، هناك حاجة إلى دراسات نفسية أعمق لاستكشاف هذه العلاقة بشكل أكثر تفصيلاً.

دراسة جديدة

وبحثت دراسة جديدة نُشرت خلال العام الحالي تأثير اقتناء حيوان أليف على الصحة والرفاهية من منظور جديد. وفي الدراسة التي حملت عنوان «الأثر السببي لاقتناء الحيوانات الأليفة على الصحة والرفاهية»، قام فريق بحثي بقيادة العالم ماكسيم أنانييف من جامعة ملبورن في أستراليا بتحليل بيانات بحثت في الآثار النفسية لاقتناء الحيوانات الأليفة.

وجُمعت بيانات الدراسة على مدى سنوات عديدة. وقام العلماء بتحليل بيانات 495 من مُلَّاك الحيوانات الأليفة، والذين يمتلكون أي نوع من الحيوانات الأليفة، مثل القطط والكلاب والخيول والطيور والأسماك. وقد قام جميع مُلَّاك الحيوانات الأليفة بملء استبيانات حول الرضا عن الحياة، والشعور بالوحدة، والصحة النفسية، والصحة العامة.

نتائج مفاجئة

وفي نتائج مثيرة للدهشة، اتضح أن امتلاك حيوان أليف لم يُظهر أي آثار إيجابية أو سلبية على الرضا عن الحياة، أو الشعور بالوحدة، أو الصحة النفسية، أو الصحة العامة.

وهذا لا يعني أن بعض الأشخاص سيشهدون تحسناً كبيراً في رفاهيتهم بفضل امتلاك حيوان أليف. إنما يُظهر أنه على مستوى مئات الأشخاص، تتوازن الآثار الإيجابية والسلبية لامتلاك حيوان أليف.

فبينما يستفيد البعض بشكل كبير من حيواناتهم الأليفة، يعاني آخرون من تدهور في صحتهم النفسية بسبب مشكلات تتعلق بها.

ووفق «سيكولوجي توداي»، فبالرغم من أن نتائج هذه الدراسة تتعارض مع دراسات سابقة، فإن حجم العينة الكبير وتصميمها عالي الجودة يضمنان متانة النتائج.