كيف تحافظ على صحتك النفسية في العالم الافتراضي المثالي؟

كيف تحافظ على صحتك النفسية في العالم الافتراضي المثالي؟

يجب تجنب الانجذاب للمقارنات والتقييم على مواقع التواصل الاجتماعي
السبت - 25 جمادى الآخرة 1440 هـ - 02 مارس 2019 مـ رقم العدد [ 14704]

ذات مرة قال الرئيس الأميركي الراحل تيودور روزفلت إن «المقارنة تسرق الفرح»، ولم يكن وقتها يعني بهذا القول موقع «إنستغرام».
والتدوينات على هذا الموقع الإلكتروني متنوعة؛ فهي حافلة بطرق إعداد وجبات غذائية تجعل لعابك يسيل من فرط شهيتها، وأيضاً بمناظر طبيعية رائعة في أماكن بعيدة، وصور شخصية تم التقاطها ذاتياً «سيلفي» تكشف عن وجوه تبدو على درجة عالية من الجمال، بحيث تجعلك إذا قارنت نفسك بها تشعر بأنك مجرد غول قبيح الطلعة.
وفي العالم الافتراضي الكائن على وسائل التواصل الاجتماعي الموازي لعالمنا الواقعي، تبدو حياة كل شخص آخر يستخدمها كأنها على درجة كبيرة من المثالية، ومع أنه ليس سراً أن معظم الصور المنشورة على هذه الوسائل ليست تلقائية، وإنما يتم إعدادها بشكل فني أو مصطنع، وأحياناً بإدخال تعديلات عليها بتطبيقات تقنية (ويتوقف ذلك على طريقة استخدام الشخص لوسائل التواصل الاجتماعي) فيمكن أن يكون لها تأثير سلبي على الصحة النفسية للمشاهد.
وفي هذا الصدد، تقول خبيرة الطب النفسي سونيا أوتس: «إن هذه الصور أكثر من أي شيء آخر تمثل نوعاً من الاستخدام السلبي، أي غير الصحي لمواقع التواصل الاجتماعي، الذي يمكن أن يؤدّي إلى سوء الحالة المزاجية للمستخدم».
وأوضحت وكالة الأنباء الألمانية أنه ليست هناك فائدة من أن تقول لنفسك إنك لن تجري مقارنات بالآخرين، وتشير ورقة بحثية تم نشرها عام 2017، إلى وجود علاقة متبادلة سلبية بين الاستخدام السلبي لمواقع التواصل وحالة الشعور بالصحة والسعادة.
وتوضح أوتس قائلة إن «الأشخاص يظهرون دائماً في الغالب أفضل الجوانب في شخصياتهم على موقعَي (فيسبوك) و(إنستغرام) وغيرهما، وفي معظم الأحوال يجري المستخدمون السلبيون مقارنات متزايدة، أو يقارنون أنفسهم بأولئك الذين يرون أنهم أفضل منهم».
ويمكن أن تؤدي تلك المقارنات إلى شعور المستخدم بمستويات أدنى من احترام الذات والقيمة، وأيضاً بعدم الرضا عن أوضاع حياته الخاصة به.
ومن ناحية أخرى (وفقاً للورقة البحثية التي أعدها عدد من الباحثين) توجد علاقة متلازمة إيجابية بين الاستخدام النشط لشبكات التواصل الاجتماعي والشعور بالصحة والسعادة، وتقول أوتس: «بالتواصل مع أشخاص آخرين يمكنك أن تبدأ في بناء رأسمالك الاجتماعي».
والمستخدمون الذين يدونون التعليقات ويشاركون في الحوارات ويجادلون ويجرون المناقشات مع الآخرين، يجدون في وسائل التواصل الاجتماعي أداة يمكن أن تثري حياتهم.
وترى خبيرة الطب النفسي كارين كروميل أنه يجب تذكُّر قاعدة واحدة على الدوام ووضعها فوق أي اعتبار آخر في العصر الافتراضي، وهي أن الحياة الواقعية يجب أن تأتي في الأهمية أولاً، وإلا فإن دفة الأمور ستتحول إلى منحى خطير.
ومن الصعب أن يتم استبدال التقدير من الأصدقاء وأفراد الأسرة، ليحل بدلاً منه علامات الإعجاب والمتابعين على المواقع الإلكترونية الذين لم يتم الالتقاء بهم على الإطلاق بشكل شخصي، ولكي تتجنب الانجذاب الخطير للمقارنات والتقييم على مواقع التواصل الاجتماعي، فمن المهم أن يكون لديك كيان اجتماعي مستقر.
والأكثر من هذا هو أن مسألة القيمة الذاتية للشخص تقف على الدرجة ذاتها من الأهمية، وتوضح كروميل قائلة: «إنني كمدربة على فنون الحياة يأتي إليّ غالباً أشخاص تعرضوا لمتاعب من جراء ضغوط وسائل التواصل الاجتماعي».
وتضيف: «في هذه الحالات أقدم النصح دائماً بتوجيه السؤال: ما القيم التي تُعدّ مهمة حقيقة بالنسبة لي؟»، ويرد معظم من يريدون الاستشارة بالإجابات ذاتها: الأمانة والصدق والصراحة وهي أمور قليلة الوجود على مواقع التواصل.
وتتابع كروميل قائلة إن «الأشخاص لا يزالون يمكنهم تعلم كيف يستخدمون التطبيقات بشكل يتماشى مع القيم التي يؤمنون بها».
ويشمل ذلك تصوير نفسك على المواقع الإلكترونية بالطريقة التي ترغب أن يصور الآخرون أنفسهم بها، وهذا ليس شيئاً سيئاً بالضرورة، فهناك كثير من الأشخاص الآخرين الذين يسعون ويبحثون عن المصداقية والأصالة في العالم الافتراضي أيضاً، وهذه هي الطريقة التي وجد بها بعض نجوم «إنستغرام» مثل سيليست باربر جمهورهم، وهذه الممثلة الكوميدية الأسترالية لديها خمسة ملايين متابع، وهي تلتقط لنفسها صوراً مثالية مثل تلك التي تُنشر على «إنستغرام»، ثم تشكلها بدرجة أقل من المثالية.
إنها لفكرة جيدة أن تحتفظ بسجلّ للأشخاص الذين تقارن نفسك بانتظام معهم في العالم الافتراضي، وذلك وفقاً لما يقول فوكه هايدمان الذي يتعامل مع قضايا التواصل الاجتماعي وغيرها على مدونته، كما يقدم المشورة للشركات.
ويضيف: «بإمكاننا أن نقوم بأنفسنا بتحديد الشخصية التي نتابعها على مختلف شبكات التواصل»، وأولئك الذين يتابعون الشخصيات المؤثرة ونجوم المجتمع، الذين لديهم هدف الحصول على أكبر عدد من علامات الإعجاب على قدر الإمكان يواجهون بشكل مستمر عالماً من الوهم.
واللوغاريتمات الرياضية الموجودة على تطبيقات الكومبيوتر وتُستخدم في إطار الذكاء الاصطناعي، يمكنها أن تجعل الأمور أكثر سوءاً أيضاً، وفي هذا الصدد يوضح هايدمان قائلاً: «إنها تشوه مداركنا، بمعنى أن أصدقاءنا في الحياة الواقعية يحصلون على معدلات أقل من التفاعل، ومن ثم يظهرون بمعدلات أقل في المدونات التي نكتبها».
ولاستعادة القليل من السيطرة على ما تراه، فكر في النظر إلى الأشخاص الذين تتابعهم، واحذف شخصاً أو اثنين منهم من الموقع الذي تستخدمه.
وتقدم كاترينا كاتسر، وهي متخصصة في السلوك الرقمي بعض النصائح للتأكد من أنك لا تستخدم المواقع الإلكترونية طوال الوقت، ومن بينها استخدام تطبيقات تخبرك عن المدة الزمنية التي أمضيتها في تصفح المواقع على هاتفك الجوال، إلى جانب إخفاء هاتفك عن نظرك حتى لا يغريك وجوده أمامك بفحص ما جاءك عليه من رسائل كل بضع دقائق.
وبالإضافة إلى ذلك، فعند التجمع مع أفراد العائلة أو الأصدقاء فكر في تجميع هواتفهم الجوالة، واجعل أول شخص يفحص الرسائل على هاتفه يسدد ثمن الدفعة الثانية من المشروبات، أو ينظف أطباق الطعام.
وتقول كاتسر إن مغادرة منزلك دون أن تحمل معك هاتفك من آن لآخر تعد أيضاً عادة حميدة، ويدرك كثير من الناس أنهم لا يفتقدون أشياء كثيرة أثناء جولة شرائية بمتجر للبقالة أو موعد لتناول طعام الغداء عند ترك الهاتف الجوال.


المانيا الصحة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة