مجلس النواب الليبي يتراجع وينفي دعوته لتدخل عسكري دولي

ميلشيات طرابلس المسلحة تسابق الزمن لتحقيق إنجازات عسكرية

مجلس النواب الليبي يتراجع وينفي دعوته لتدخل عسكري دولي
TT

مجلس النواب الليبي يتراجع وينفي دعوته لتدخل عسكري دولي

مجلس النواب الليبي يتراجع وينفي دعوته لتدخل عسكري دولي

بدا أمس أن الميلشيات المسلحة التي تخوض منذ الشهر الماضي صراعا دمويا بالأسلحة الثقيلة للسيطرة على مطار العاصمة الليبية طرابلس، تسعى لاستباق التدخل الدولي المحتمل أو زيارة وشيكة لمبعوث الأمم المتحدة، وذلك بمحاولة حسم المعارك الطاحنة لصالحها وتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض.
وتصاعدت حدة القتال في محيط مطار طرابلس الدولي، فيما دافع مجلس النواب الليبي عن قراره بشأن دعوة المجتمع الدولي لوقف القتال الدائر منذ أكثر من شهر وخلف مئات القتلى والجرحى.
وقالت مصادر أمنية وعسكرية في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن «عدد الضحايا كبير من كل الأطراف المتحاربة، لكن لا تتوافر أي إحصائيات رسمية». مشيرة إلى أن الهلال الأحمر الليبي طلب من وزارة الداخلية رسميا توفير سائقين نظرا لعدم وجود سائقين يستطيعون الدخول لمناطق الاشتباكات.
وأوضحت المصادر أن القصف استمر بشكل متواصل منذ مساء أول من أمس وحتى مساء أمس دون توقف، حيث شمل عدة أماكن من طريق المطار وحي الأكواخ إلى جنزور مرورا بالسراج والنجيلة.
وكشفت المصادر النقاب عن وصول عتاد عسكري وذخيرة إضافية لميليشيات مصراتة وحلفائها من الجماعات المتطرفة، مشيرة إلى أن «المعلومات المتوفرة حتى الآن تفيد بسيطرة قوات فجر ليبيا على رئاسة الأركان وميدان الفروسية وسيطرة شبه تامة على محيط المطار».
في غضون ذلك، دافع مجلس النواب الليبي عن قراره بدعوة المجتمع الدولي للتدخل لوقف القتال الدائر في العاصمة، حيث قال إنه «لم يكن يعني التدخل العسكري المباشر، فيما بدا أنه بمثابة تراجع عن قراره في هذا الخصوص».
وقال المجلس في بيان له أمس إنه «اضطر إلى إصدار القرار بدعوة مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة للتدخل مبدئيا وممارسة بعض من الضغوط على ذوي العلاقة بالنزاع في الداخل أو الخارج، لفرض الأمن وحماية المدنين». وشدد على أن الغاية من ذلك القرار لم تكن الاستقواء بالأجنبي كما يروج البعض وتسوق له بعض وسائل الإعلام في حملات إعلامية غايتها بث الفتنة والتفريق بين أبناء الشعب الواحد، مؤكدا أنه «لن يكون هناك تدخل أجنبي على أرض ليبيا العزيزة إلا بغية حمايتها من العبث والتقسيم».
ولفت البيان إلى تأكيد أعضاء مجلس النواب «ممثلي الشعب الليبي على حرصهم على أمن وأمان جميع الليبيين ووحدة تراب ليبيا، برا بعهدهم ووفاء لأرواح الشهداء وتقديسا لدماء عطرت التراب الليبي ثمنا للحرية وتحقيقا للديمقراطية وسيادة دولة العدل والقانون».
وقال المجلس إنه دعا في قرارات رسمية سابقة كل أطراف النزاع إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار والاقتتال بين أطراف النزاع، لكنها لم تلتزم بتنفيذ القرار رغم صدور الأوامر لكل التشكيلات العسكرية بضرورة الالتزام بالتنفيذ.
ولفت المجلس إلى ما تشهده البلاد من ترد للأوضاع الأمنية واقتتال بين الإخوة وترويع للآمنين واقتحام لمقار مؤسسات الدولة والعبث والتخريب، وهدر للأموال العامة والخاصة، وحملات إعلامية رخيصة غايتها النيل من الشرعية وخيار ارتضاه الشعب الليبي بحرية ووعي إدراكا منه لخطورة المرحلة وحساسيتها. وأضاف: «لما كان لتدخل مجلس الأمن إبان حرب التحرير له ما يبرره، استنادا منه للإجماع العربي والدولي بوجوب التدخل بغاية وبهدف حماية المدنيين في مواجهة طاغية مستبد، فإن الحاجة لوقف حمام الدم وحرب إخوة الأمس الذين وحدتهم غاية الإطاحة بنظام الطغيان والاستبداد، وقد صيرتهم نعرات سياسية وغايات مشبوهة وهويات غريبة عن المجتمع الليبي إلى أعداء يتقاتلون ودونما وعي لماهية الواجب تجاه ليبيا أو لإدراك حقيقة الموقف».
ولاحظ أن أرواح الليبيين عادت لتكون مهددة وفي خطر يفوق الخطر الذي استدعى مجلس الأمن للتدخل إبان بدايات ثورة السابع عشر من فبراير (شباط) عام 2011 ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي، مشيرا إلى أن هذا حدث في الوقت الذي لم تخل فيه ليبيا من التدخل الأجنبي خفيا كان أو ظاهرا وبأشكال متعددة.
من جهته، قال مكتب بيرناردينو ليون مبعوث الأمم المتحدة الخاص الجديد إلى ليبيا إنه «يعتزم زيارة طرابلس في مطلع الأسبوع المقبل سعيا لتحقيق هدنة بين الفصائل المسلحة التي حولت الاشتباكات فيما بينها إلى مناطق من العاصمة الليبية إلى ساحة قتال».
وقال بيان من مكتب ليون إن «زيارته لطرابلس لإجراء محادثات ستشرف عليها الأمم المتحدة باعتبارها الوسيط الدولي الوحيد المقبول لدى جميع الأطراف الليبية». وأضاف البيان «في هذا الإطار اعتزم السفر إلى طرابلس في مطلع الأسبوع المقبل لمواصلة دعم المحادثات بين الأطراف».
وقال ليون «في رأيي الشخصي هناك بعض الأمور الملحة وهناك مبدأ يجب الاتفاق عليه. المبدأ هو أنه يجب أن يكون هناك وقف حقيقي لإطلاق النار.. أتوقع من خلاله أن يجري كلا الطرفين المحادثات بنية حسنة وألا يستغلوها من أجل إعادة تنظيم قواتهم». وأضاف أن المحادثات يجب أن تتعامل مع الصراعات في مناطق أخرى في ليبيا وسيطرة الحكومة على المطارات بمساعدة الأمم المتحدة وانسحاب الجماعات المسلحة وحلفائها من طرابلس.
واندلعت معظم المعارك حول مطار طرابلس الدولي الذي يسيطر عليه مقاتلون من الزنتان منذ أن شقوا طريقهم إلى العاصمة خلال حرب عام 2011.
وتبادلت قوات الزنتان ومصراتة القصف بصواريخ غراد والمدفعية في جنوب طرابلس مما أجبر مئات الأسر على الفرار من ديارها وأسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص.
وتظاهر عدة آلاف في طرابلس وبنغازي ومصراتة ومدن أخرى وهاجم مسلحون المتظاهرين في ميدان الشهداء في وسط طرابلس وردت الشرطة بإطلاق النار ولم يتضح وقوع أي إصابات.
وقالت وكالة الأنباء المحلية إن مدن طرابلس ومصراتة وبنغازي وغريان شهدت مظاهرات حاشدة رفضا لدعوات التدخل الأجنبي في ليبيا تحت أي مسمى، ومعارضة لعقد جلسات مجلس النواب بمدينة طبرق، وتأييدا لما يعرف بعملية فجر ليبيا. وجدد المتظاهرون المطالبة بالإسراع بنقل جلسات البرلمان لمقره بمدينة بنغازي، معتبرين أن عقده في طبرق غير دستوري وغير قانوني وغير شرعي.
وفي علامة على الاستقطاب العميق في البلاد خرجت جماعة تؤيد اجتماع البرلمان في بلدة طبرق الشرقية وقراره دعوة الأمم المتحدة للتدخل إلى الشوارع في مدينة بنغازي. ويصف ساسة من ذوي الميول الإسلامية وحلفاؤهم من مدينة مصراتة اجتماع البرلمان بأنه غير دستوري لانعقاده في طبرق بدلا من طرابلس أو بنغازي.
وزادت معركة منفصلة تدور في مدينة بنغازي في شرق ليبيا من صعوبة الوضع الأمني في ليبيا حيث طرد تحالف من المتشددين الإسلاميين ومقاتلي المعارضة السابقين الجيش من المدينة.
ويسعى ليون إلى إنهاء القتال بين كتائب من مصراتة ومقاتلين متحالفين مع بلدة الزنتان في غرب البلاد بعد تفجر الصراع بينهما في صورة اشتباكات هي الأسوأ منذ الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي عام 2011.
ودفعت المعارك بين كتائب المقاتلين السابقين الذين حاربوا القذافي معا الأمم المتحدة والحكومات الغربية إلى إغلاق بعثاتها وإجلاء الدبلوماسيين خوفا من انزلاق ليبيا إلى أتون حرب أهلية.
ولا تزال الحكومة الهشة في ليبيا دون جيش وطني وتصرف رواتب منتظمة غالبا لمقاتلي المعارضة السابقين باعتبارهم قوات أمن شبه رسمية كطريقة لاستمالتهم لتأييد الدولة الجديدة.
لكن الفصائل المدججة بالسلاح تتحالف مع فصائل سياسية متنافسة وهم غالبا ما يبدون ولاء لمناطقهم أو مدينتهم أو للقادة العسكريين المحليين أكثر من ولائهم للحكومة المركزية.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.