غزيون يفترشون ممرات مستشفى الشفاء وحدائقه.. وينتظرون تحقق الوعود

غزيون يفترشون ممرات مستشفى الشفاء وحدائقه.. وينتظرون تحقق الوعود

أحدهم لـ {الشرق الأوسط} : أحرس خيمة عائلتي ليلا وأنام بضع ساعات نهارا
الأحد - 21 شوال 1435 هـ - 17 أغسطس 2014 مـ
نازحون يفترشون حدائق مستشفى الشفاء في غزة («الشرق الأوسط»)

في قسم الباطنة، أحد أكثر الأقسام ازدحاما بالمرضى وبالزوار في مستشفى الشفاء، يفترش محمد حلس (34 سنة) أرض أحد الممرات العامة في القسم، وينام ظهيرة كل يوم نحو ثلاث ساعات فقط، واضعا يديه أسفل رأسه وهو يحاول أن يريح جسده المنهك الذي أتعبه بعد يوم طويل قضاه يبحث بين المؤسسات عمن ينقذ عائلته من المأساة التي حلت بها بعد أن دمر منزله ولم يبق له سوى المستشفى ملاذا أخيرا بعد أن فقد الأمل في أن تعود حياته كما كانت.
يحاول حلس الابتعاد عن زوجته وأطفاله الذين يعيشون في إحدى الخيام التي تنتشر في الحديقة وبعض المناطق المفتوحة من مستشفى الشفاء، الذي تحول هو الآخر إلى مأوى لآلاف النازحين. ينام حلس بعيدا عن أفراد عائلته حتى لا يتألم قلبه أكثر لما حل بالعائلة، ناهيك عن الفقر الذي دفعه مرة إلى حد التفكير ببيع كليته أو أحد أطفاله كي تحيا أسرته بأمان قبل أن يقتلها الفقر أكثر.
تعيش بناته الثلاث وزوجته إلى جانب شقيقتيه في الخيمة التي لا تتعدى مساحتها مترين مربعين وفي داخلها تحاول الأسرة قضاء يومها بأي شكل كان، على أمل العودة في يوم من الأيام إلى منزل يضمهم جميعا مثل الآخرين. لكن هذه الصور المؤلمة التي يراها حلس بعينيه تفقده الصبر لما آلت إليه ظروفه.
وضع يديه على وجهه ثم لطمه بقوة وقال بلغته الغزية والغضب باد على وجهه: «شو عملنا ليصير فينا هيك؟ والله ما في بأيدي شيء أعمله، ما معي فلوس أتأجر شقة، 15 سنة عاطل عن العمل بعتاش من الكابونات اللي بتيجي من بعض المؤسسات الدولية، وغير هيك ما فيه أي دخل إلي».
أشار في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه ذهب لمؤسسات مختلفة كي يستأجر له شقة سكنية يعيش فيها، مبينا أنه تلقى وعودا كثيرة لكن جميعها لم تنفذ وأن كثيرين أمثاله يتلقون مثل هذه الوعود من مؤسسات محلية وأخرى خارجية عبر ممثليها في غزة لكنها كلها وعود «كاذبة»، كما يصفها.
يضيف حلس وهو يحمل طفلته ذات الأعوام الأربعة ويتحسس وجهها الصغير ذا البشرة الرقيقة: «من منكم يرضى على نفسه أن تنام زوجته وأطفاله وأخواته في خيمة بالأماكن العامة؟ أليس هذا من الظلم الشديد؟ ساعات طويلة أجلس على باب الخيمة في الليل أحرس عائلتي وأنام ساعتين أو ثلاثا يوميا فقط».
هذه الحال ذاتها تعيشها مئات العوائل التي تفترش ساحات مستشفى الشفاء. يقول النازح فرج الدردساوي لـ«الشرق الأوسط» إن عائلته المكونة من 7 أفراد هم والدته وزوجته وشقيقته وأطفاله الأربعة، لم تعد تسعهم الخيمة التي يعيشون فيها بعد أن دمر منزلهم خلال مجزرة حي الشجاعية التي أدت لمقتل أكثر من 70 فلسطينيا.
وأشار إلى أن بعض أقربائه قتلوا في هذا الهجوم وأصيب آخرون ما زالوا يتلقون العلاج في مستشفيات مختلفة من خارج قطاع غزة.
ويجتهد الدردساوي لأن يقضي ليله حارسا خاصا على خيمة عائلته ويجمع من تعرف عليهم من النازحين حوله ويسهرون طويلا في بعض الليالي يتسامرون ويتناقلون الأحاديث بينهم، ويطلق بعضهم النكات التي تغير من أجواء الحديث الذي تطغى عليه حالهم التي وصلوا إليها، وهم يراقبون الأحداث السياسية.
ويضيف متعجبا من الحال التي وصل إليها: «ما فيه حاجة نعملها غير نقعد ونحكي سوا بعد ما جمعنا الهم مع بعض، بنحاول ننسى همومنا بكل طريقة ممكنة، من دون هيك يمكن ننجلط ونموت وبعدها نترك أولادنا يموتوا بحسرتهم».
وتضطر زوجة الدردساوي يوميا لغسل ما لديها من ملابس أطفالها وعائلتها لعدم وجود بديل لديها سوى القليل الذي يكفيها ليوم أو آخر. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «زوجي ينقل الماء من أقسام المشفى باستخدام الأواني الفارغة وأغسل الملابس يوميا، وخاصة ملابس الأطفال الذين بحاجة لتغيير ملابسهم بشكل يومي».
وتضيف أنهم يعيشون ظروفا صعبة للغاية وأنهم يضطرون للذهاب لمنازل أقرباء في مدينة غزة للاغتسال بها، لافتة إلى أنها ترفض وزوجها التوجه للسكن لدى أقربائهم حتى لا تزيد من أعباء الحياة عليهم. وتقدر أعداد النازحين إلى مستشفى الشفاء بأكثر من ألفي فلسطيني يعيشون في الخيام التي نصبت متجاورة في مناطق مفتوحة من المستشفى. وتعمل مؤسسات مختلفة على تقديم ما يمكن توفيره من طعام ومساعدات مختلفة لتلك العوائل المشردة.
وتستغل المواطنة فاطمة المغني إصابة شقيقتها لتتمكن من النوم في الغرفة التي تتلقى العلاج فيها داخل المستشفى بعد أن دمر منزلها وتضرر منزل شقيقتها جزئيا.
وتقول وقد بدا عليها الألم الكبير الذي يوجع قلبها بعد أن أصبحت بلا مأوى، إنه لا يوجد لديها بديل غير البقاء مع شقيقتها بعد أن توفي زوجها منذ سنوات وبقيت في منزلها وحيدة قبل أن يدمر بشكل كامل.
وأشارت إلى أنها لم تستطع طوال سنوات زواجها الذي استمر أكثر من 37 سنة من أن تنجب أي طفل، وبقيت بلا أبناء أو بنات يقفون إلى جانبها في المحن التي تتعرض لها. وتؤكد أنها باقية عند شقيقتها في المشفى بشكل دائم ولا تغادره لأنها لا تعرف إلى أين تذهب، على أمل أن تجد مكانا آمنا بعد أن تشفى شقيقتها.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة