الائتلاف السوري منقسم حيال «جنيف 2» ويدعم المقاتلين ضد «القاعدة»

منافسة بين الجربا وحجاب على رئاسته

منافسة بين الجربا (يمين) وحجاب على رئاسته الائتلاف السوري
منافسة بين الجربا (يمين) وحجاب على رئاسته الائتلاف السوري
TT

الائتلاف السوري منقسم حيال «جنيف 2» ويدعم المقاتلين ضد «القاعدة»

منافسة بين الجربا (يمين) وحجاب على رئاسته الائتلاف السوري
منافسة بين الجربا (يمين) وحجاب على رئاسته الائتلاف السوري

في حين يلتئم الائتلاف الوطني السوري المعارض، اليوم وغدا، في إسطنبول، تتزايد الضغوط الدولية عليه لحمله على قبول المشاركة في مؤتمر «جنيف 2» للسلام المقرر في 22 الحالي في مدينة مونترو السويسرية.
وستبحث الهيئة العامة للائتلاف اليوم قرارها النهائي بشأن المشاركة في مؤتمر «جنيف 2» وانتخاب هيئة رئاسية جديدة للائتلاف في وقت تنحصر فيه المنافسة بين رئيس الائتلاف الحالي أحمد الجربا ورئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب.
وقالت مصادر غربية وأخرى من المعارضة السورية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن الائتلاف في «وضع حرج» في حال المشاركة في المؤتمر أو من عدمها. فضلا عن أن خطر الانقسام يتهدد صفوفه، بعد أن أعلن المجلس الوطني، وهو مكون أساسي من مكوناته، أنه يرفض التوجه إلى جنيف، وأنه قد ينسحب من الائتلاف في حال قبل الأخير الدعوة التي لم توجه إليه، بعد بانتظار أن يحسم أمره، ويشكل وفده المفاوض.
وأفادت مصادر المعارضة أن ثمة تيارا داخل الائتلاف يدفع باتجاه المشاركة «بأي ثمن» على الرغم من غياب «الضمانات» التي طلبتها المعارضة عربيا وإقليميا ودوليا، وغموض ما يمكن أن يسفر عنه المؤتمر لجهة تشكيل سلطة انتقالية تعود إليها كل الصلاحيات التنفيذية، في ظل الرفض المسبق والمعلن للنظام قبول تسليم سلطاته ورغبته بحرف غرض الاجتماع نحو محاربة الإرهاب، وهو ما يحظى بدعم الطرف الروسي.
فضلا عن ذلك، لا يبدو أن المعارضة ستحصل على ورقة ما «تسهل» عليها أمر المشاركة، كقبول النظام إطلاق سراح عدة آلاف من النساء والأطفال، أو فك الحصار عن عدد من المناطق، أو قبول إيجاد ممرات إنسانية آمنة.
وطالبت المعارضة في الأيام الماضية بإقامة منطقة حظر جوي كلي أو جزئي. ولا شيء يفيد بأن أمرا كهذا سيتحقق أو حتى يطرح على طاولة النقاش، علما بأنه يحتاج لقرار ملزم من مجلس الأمن، وهو أمر مستبعد كليا في الوقت الحاضر.
بيد أن تيار «الحمائم» الداعي للمشاركة داخل الائتلاف ينبه، على الرغم من كل المحاذير، على رفض الدعوة «لأنها سيكون بمثابة هدية لنظام الأسد» الذي «يقوم بكل ما هو في استطاعته لدفع المعارضة للامتناع». فضلا عن ذلك، فإن الرفض «سيثير حفيظة» عدد من أصدقاء الشعب السوري وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي تضغط بكل قوة على المعارضة «للاستفادة» من فرصة جنيف والتحدث إلى العالم أجمع.
وبحسب مصادر الائتلاف، فإن ممثلي واشنطن «لم يقدموا أي شيء ملموس» للمعارضة، لجهة ما يمكن أن تسفر عنه مفاوضات جنيف. وفي السياق نفسه، فإن مصادر دبلوماسية أوروبية مواكبة للاتصالات الجارية تقول للمعارضة إن المواقف المعلنة، إن من قبل النظام أو من قبل الطرف الروسي، هي «مواقف تفاوضية»، مما يعني أنها قابلة للتبدل. وبخصوص الموقف الروسي بالذات، وعلى الرغم من ثبات موسكو في التأكيد على أن كل المسائل «يجب أن تطرح على طاولة المفاوضات»، فإن المصادر المشار إليها قالت لـ«الشرق الأوسط» إن موسكو «لن تقدم على خطوة التخلي عن الأسد، في حال قبلت التخلي عنه، إلا في نهاية المسار، أي بعد حصولها على ضمانات لجهة تشكيل الحكومة الانتقالية وصلاحياتها والشخصيات المؤثرة فيها ومستقبل القوات المسلحة السورية والأجهزة الأمنية والمصالح الروسية». ودعت هذه المصادر إلى توقع مفاوضات «صعبة ومعقدة» في جنيف.
ومقابل «الحمائم» الذين يرون أن مخاطر الامتناع تزيد على مساوئ المشاركة، فإن تيار «الصقور» يرى العكس تماما، انطلاقا من معطى أن المفاوضات «لن تسفر عن شيء»، وأنه «ليس في الأفق أي عنصر مشجع».
ويطرح هذا التيار حلا جذريا «بديلا» يقوم على السعي لتوحيد صفوف المعارضة الميدانية، من خلال التوصل إلى تفاهم وتعاون وتنسيق بين الجيش السوري الحر (أو ما تبقى منه) والجبهة الإسلامية «الجديدة» وجبهة ثوار سوريا التي تضم 16 فصيلا ومجموعة «الضباط الأحرار» ومجموعة قاسم سعد الدين وآخرين، والسعي لتشكيل «جبهة موحدة» من كل هؤلاء. ويرى دعاة هذا التيار أن هذا الخيار هو «الوحيد الممكن» حيث إن الائتلاف «لن يحصل على شيء» من جنيف، بل إنه قد يساهم من حيث لا يرغب في تثبيت شرعية الأسد في السلطة أو تغطية ترشحه مجددا، بينما المطلوب إخراجه من المشهد السياسي السوري.
ويتخوف التيار المعارض داخل الائتلاف من النتائج الكارثية عليه في حال شاركت المعارضة في المفاوضات بسبب رفض القاعدة الشعبية والقوى المقاتلة لمسار سياسي غير مضمون ولغياب آلية للتنفيذ ولحال ميزان القوى الميداني. وبخصوص النقطة الأخيرة، فقد كشفت مصادر معارضة أن ويندي شيرمان، مساعدة وزير الخارجية الأميركي، دعت المعارضة السورية التي التقتها أكثر من مرة، إلى «تناسي» موضوع إيجاد «توازن» ميداني قبل المفاوضات، وإلى «الاستفادة» من المنبر الذي سيشكله جنيف لتدافع المعارضة عن قضيتها.
وبحسب المعلومات والتقارير المتوافرة، فإن ثمة «تقاسما» للمهام بين واشنطن وموسكو، إذ تتولى الأولى مهمة التنسيق مع الأطراف المعارضة لتشكيل وفدها، بينما الثانية تتعهد النظام السوري.
ويرفض هذا التيار أن يكون الائتلاف داعية للتحارب الداخلي مع الجهات المتشددة، معتبرا أن الهدف اليوم هو إسقاط الأسد، وسيعود للشعب السوري لاحقا أن يقرر شكل النظام السياسي الذي يريده.
وتقارن مصادر غربية بين وضع المعارضة السورية في موضوع «جنيف 2» اليوم وحال السلطة الفلسطينية في المفاوضات مع إسرائيل، لجهة المكاسب أو الخسائر الناجمة عن خيار التفاوض أو عدمه.
وبين هؤلاء وأولئك، تجهد مجموعة من الائتلاف في البحث عن صيغة تنحي مسؤولية عدم انعقاد جنيف، عن عاتق المعارضة، وتتلافى الذهاب إلى المؤتمر الموعود بموجب الشروط التي يضعها النظام السوري، وتوفر مخرجا للمؤتمرين في إسطنبول اليوم وغدا، لتفادي مزيد من الانقسامات الداخلية.
وفي غضون ذلك، قال عضو الأمانة العامة للمجلس الوطني عبد الرحمن الحاج في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن الهيئة العامة للائتلاف ستتخذ خلال اجتماعها (اليوم وغدا) قرارها النهائي بشأن المشاركة في مؤتمر جنيف 2»، مؤكدا «وجود انقسام حاد في وجهات النظر بشأن المشاركة في المؤتمر الدولي، بحيث يتساوى عدد مؤيدي الذهاب إلى جنيف مع عدد المعارضين لهذه الخطوة».
وأوضح أن «البند الثاني المدرج على جدول اجتماع الهيئة العامة يتضمن انتخاب هيئة رئاسية جديدة للائتلاف»، لافتا إلى أن «المنافسة محصورة بين رئيس الائتلاف الحالي أحمد الجربا ورئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب المدعوم من كتلة أمين عام الائتلاف السابق مصطفى الصباغ»، مرجحا الكفة لصالح الجربا بسبب وجود إجماع أكبر عليه.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.