ميلانو ترسم مستقبلها بخطوط من ماضيها

أربعة مصممين بريطانيين يُنعشون بيوتاً عريقة ويضخون فيها دماء شابة

من عرض «بوتيغا فينيتا»
من عرض «بوتيغا فينيتا»
TT

ميلانو ترسم مستقبلها بخطوط من ماضيها

من عرض «بوتيغا فينيتا»
من عرض «بوتيغا فينيتا»

منذ فترة وبيوت أزياء إيطالية كبيرة تعاني من الجمود، إلى حد أن البعض اتهمها بالهرم، بالنظر إلى أن أغلبية أصحاب هذه البيوت تعدوا الستين من العمر بسنوات إن لم نقل بعقود. من جيورجيو أرماني إلى روبرتو كافالي مرورا بفالنتينو غارافاني قبل تقاعده وغيرهم. كان لا بد من دماء جديدة تُنعش هذه البيوت وتضخ فيها بعض الحيوية. وبالفعل لم يُقصر المؤسسون في هذا المجال. فجيورجيو أرماني يرعى عدة برامج تدعم الشباب، بينما سلم آخرون المشعل لجيل جديد من المصممين.
بعضهم ركز على أبناء جلدتهم، مثل داري «فالنتينو» التي أناطت المهمة ببير باولو بيكيولي و«غوتشي» بأليساندرو ميكيلي، وبالفعل لم يخيب أي منهما الآمال، لا من الناحية الفنية أو من الناحية التجارية بالنظر إلى ما يحققانه من نجاحات. بعضهم الآخر أختار أسماء بريطانية شابة لهذه المهمة، مثل «سالفاتوري فيراغامو» التي عينت بول أندرو، و«روبرتو كافالي» التي عينت بول ساريدج، و«بوتيغا فينينتا» دانييل لي، و«ماكس مارا» إيان غيريفنز. وكانت النتيجة خلال أسبوع ميلانو لخريف وشتاء 2019 الذي انتهى مؤخرا، مثيرة بنكهتها البريطانية الخفيفة، التي أكد فيها كل هؤلاء المصممين أنهم لا يعيشون بـ«ثقافة الجزيرة» وبأنهم منفتحون على العالم وقادرون على التأقلم بسهولة.
لا يختلف اثنان أن التحدي أمامهم كان كبيرا. فالإيطاليون معروف عنهم تعصبهم للحرفية وإلى التقاليد القديمة، وهذا يعني أنه كان على كل واحد منهم المحافظة على إرث عريق وفي الوقت ذاته إضافة جرعة شبابية وديناميكية تفرضها متطلبات السوق.
بول أندرو تحديدا كان عليه أن يحمل على أكتافه إرثا تم تجميعه على مدى قرن من الزمن تقريبا في دار «سالفاتوري فيراغامو» التي تأسست في عام 1923، لم يكن هو النجم الوحيد في العرض. فبحكم أن الدار تأسست على تصميم الأحذية، فإن مصممها الخاص بهذا الجانب غيوم مياند كان له دور في هذه العملية الصعبة. انتبه بول أندرو سريعا أن عنصر مهم في مهمته هي أن «يُوحد الرؤية» حسب قوله حتى تكتسب الصورة تسلسلا وسلاسة، وهذا ما كان. قال أيضا إنه استلهم تشكيلته، من حذاء قديم. حذاء صممه المؤسس في عام 1942 وكان بمثابة ثورة في ذلك الزمن حيث استعمل فيه جلد الشامواه وتقنية الباتشوورك وألوان قوس قزح. أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه كان مثيرا وجريئا في ذلك العهد. الأهم من هذا أنه يقول الكثير عن المرأة التي تم تصميمه لها في القرن الماضي. فمن الواضح أنها واثقة لا تخاف الألوان الزاهية بقدر ما ترفض الصورة النمطية وأن تكون عادية. وهذا ما تحديدا ما التقطه المصمم الشاب، وصاغه في أزياء لعبت فيها الجلود دورا مهما إلى جانب الألوان والتقنيات التقليدية والحديثة على حد سواء، فضلا عن نقشات أخذها من الأرشيف وتجلت كرُقع حديثة على الحرير المضلع. استغل إمكانات الدار وما تتوفر عليه من جلود وتقنيات في تطويعها لتكتسب خفة الحرير؛ حيث ظهرت إطلالات كاملة من الجلد الناعم، شملت معاطف بأحزمة وأخرى بقلنسوات تتسم بأسلوب رياضي، إلى جانب استعماله السخي للصوف الياباني والكشمير. لم ينس أن المرأة الناضجة زبونة مهمة ووفية للدار، لكنه لم ينس أيضا أن عليه أن يجذب زبونات شابات، لهذا كانت هناك الكثير من الفساتين المنسدلة والخفيفة إلى جانب التايورات المفصلة، في محاولة ذكية للجمع بين الأجيال، وكذلك الجمع بين القوة والشاعرية. كان للرجل أيضا مجموعة مهمة في هذه التشكيلة، وراعى فيها المصمم هي الأخرى كل الأذواق. ففيها ما يُلبي متطلبات رجل يمضي أوقاته بين أحضان الطبيعة، من خلال السترات والمعاطف المصممة من جلد الأيل والقماش المخملي المضلّع وقماش الجبردين، ومنها ما يلبي حاجة رجل أعمال، من خلال بدلات مفصلة، بعضها بأسلوب رياضي تغلب عليه الأكتاف الناعمة وجيوب عريضة على الصدر، بأقمشة بريطانية وإيطالية تقليدية.
في دار «روبرتو كافالي»، اجتهد المصمم البريطاني بول ساريدج بدوره أن يُلمع ماضيها ويعيده إلى الواجهة بشكل جديد. غاص في الأرشيف وتلاعب ببعض الرموز التقليدية فيما بدأ وكأنه تحية للمؤسس، لكن لحسن الحظ، لم يغرق في الحنين إلى الماضي. لم يغرف من رموزه بنهم، لأنه، وكما قال، كان واعيا أن مهمته هي التذكير بمجد الماضي وليس العودة إليه. من هذا المنظور كانت نقوش النمر والفهد التي اشتهرت بها الدار حاضرة في الأزياء النسائية والرجالية على حد سواء، لكن بألوان مثل الفوشيا والأزرق وما شابههما من ألوان أخرى ونقشات كلها تصرخ بالرفض أن تبقى لصيقة بامرأة أو رجل فاتهما قطار الموضة.
ربما يكون عرض «بوتيغا فينيتا» هو الأكثر إثارة للانتباه خلال أسبوع ميلانو. انتظره عشاق الموضة على أحر من الجمر لعدة أسباب. أولها أن المصمم البريطاني دانيال لي تخرج من معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير، وثانيا عمل مع عدة بيوت أزياء عالمية أكد فيها قدراته. ثالثا، وهذا هو الأهم، كان اليد اليمنى لمصممة «سيلين» فيبي فيلو السابقة، وبالتالي كانت شريحة كبير تأمل أن يأتي ما يقدمه نسخة عن أسلوبه في الدار الفرنسية، حتى يأخذهم إلى زمن فيبي فيلو بعد أن ألغى المصمم هادي سليمان الكثير من شخصيتها وبصماتها في عرضه الأخير. أمر أثار حفيظتهم وغضبهم عليه. فبالنسبة لهم لم يكن أسلوبها موضة أو مجرد أزياء بقدر ما كان هوية تعكس شخصيتهن ونضجهن الثقافي والفكري من خلال تصاميم هندسية وألوان تتسم ببرودة أعصاب لا يتقنها سواها. لكن دانييل لي لم يقع في المطب. لم يكن ما قدمه لـ«بوتيغا فينيتا» مطبوعا بأسلوب «سيلين»، على الأقل ليس بشكل واضح، ربما لأنه كان مُدركا لهذه التوقعات وخائفا من المقارنات. في المقابل، تعمد الابتعاد عما كان متوقعا منه وعانق رموز الدار الإيطالية التي التحق بها منذ عام تقريبا. والنتيجة كانت تشكيلة تشعر بأنها إيطالية الأناقة لكن خفيفة الروح فيها جُرأة وبعض الشقاوة البريطانية. كانت هناك الكثير من الإطلالات بياقات مفتوحة قال إنه استلهمها من لوحات تجسد عصر النهضة الإيطالية، لأن هذا الجزء من الجسد «هو الذي لا تشعر المرأة بالحرج عند إبرازه في أي مرحلة من عمرها»، لكن كانت هناك الكثير من الخامات المترفة وخاصة الجلود، بحكم أن الدار، مثل «سالفاتوري فيراغامو»، قامت على الإكسسوارات بداية.
أما في العرض الذي قدمه البريطاني إيان غيرفيثز لدار «ماكس مارا» فكانت الصورة مختلفة. ربما تكون تجارية أكثر لكنها كانت تثير الابتسام والسعادة في النفوس. منبع هذه السعادة أنها ذكرتنا نوعا ما بعروض الراحل جياني فرساتشي في الثمانينات، حين كانت العارضات السوبر يمشين على المنصة ثلاث أو رُباع، بابتسامات واسعة وخطى واثقة ولسان حالهن يقول بأن لا شيء مستحيل في الحياة وأنهن مستعدات لمواجهة كل تحدياتها بالأناقة. كان يؤمن مثل غيره بأن الإبهار فعلا يُحرر المرأة ويمنحها القوة. فيما عدا هذا، كانت الصورة التي التقطها إيان غريفيثز، عصرية بكل عناصرها وتفاصيلها الأخرى. فقد أثبت المصمم منذ انضمامه للدار أنه يعرف من هي زبونتها، وبأي قطعة سيُرضيها، لهذا كان المعطف هو البطل بلا منازع. قد يأخذ أشكالا مختلفة وألوانا متنوعة لكنه يبقى أنيقا ولافتا يُغني المرأة عن أي قطعة أخرى في الموسمين المقبلين. ما زاد من قوة الصورة ودراميتها أنه استعمل لونا واحدا في إطلالة كاملة، قد تشمل بنطلونا أو تنورة مع كنزة وحذاء عالي الرقبة. كان الهدف خلق تأثير درامي بلون واحد وبدرجات متقاربة عوض تكسيرها أو التخفيف منها، لا سيما أنها كما أثبت صورة «تحيي» ولا تميت. ورغم أن اللون البيج الجملي المرتبط بالدار غالبا، إلا أنه أدخل درجات أخرى منه إلى جانب ألوان قوس قزح المتوهجة مثل الأزرق والفوشيا وغيرها، وهو ما شكل مفاجأة في غاية الجمال.
> عرض «فندي»... رسالة حب لكارل لاغرفيلد
> كان متوقعاً وطبيعياً أن يتحول عرض «فندي» إلى احتفال حزين؛ فقد كان آخر تشكيلة أشرف كارل لاغرفيلد على تصميمها قبل رحيله في الأسبوع الماضي. فرغم أن اسم المصمم اشتهر أكثر مع «شانيل»، فإن قصته مع دار «فندي» تعدّ من «أطول قصص الحب»؛ حسب قول سيلفيا فندي. قصة عمرها 54 عاماً، بدأت عندما كان شاباً، ولم تخبُ شعلتها إلا بموته. وأكدت سيلفيا، سليلة العائلة المؤسسة وهي أيضاً صديقته وزميلته في العمل، أنه أشرف على كل تفاصيلها، بدءاً من رسم الاسكيتشات إلى اختيار الخامات والألوان. وأضافت أن آخر ما تتذكره قبل موته بأيام قليلة مكالمتهما معاً التي كان شغله الشاغل فيها أن «تكون التشكيلة غنية وجميلة». لهذا كان العرض لكل من تابعه بمثابة الفصل الأخير من قصة رومانسية. لم يكن مأتماً حزيناً، وبالتالي لم يكن ضرورياً أن يتذكر الضيوف محاسنه أو أن يذكروها، لأنه كان حاضراً معهم طوال الـ15 دقيقة، وهي مدة عرض شاركت فيه مجموعة من عارضاته المفضلات مثل كايا غيربر وجيجي حديد... وغيرهما. بعد نهاية العرض ذكرت سيلفيا فندي أنه كان رسالة حب، مضيفة أن «علاقته مع (فندي) أطول من قصة حب، لأنها ستستمر للأبد».
وكان المصمم قد التحق بالدار الإيطالية في عام 1965، وعمل مع كل أفراد العائلة التي كانت مؤلفة من 5 أخوات، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى مجموعة «إل في آم آش». طوال هذا الوقت كانت له بطاقة بيضاء يتصرف بموجبها بحرية وبعقد بلا نهاية، وهو ما يمكن القول إنه فريد من نوعه في عالم الموضة. لهذا فإن فقدانه بالنسبة لسيلفيا التي عملت معه لـ24 عاماً بمثابة فقدان فرد من أفراد العائلة.
من ناحية ما تم عرضه من تصاميم، فإن كل شيء فيها يشير إلى أن المصمم كان يعرف أنها ستكون آخر تشكيلة له، بعد أن اشتد عليه المرض، لهذا صب فيها كل ما يملكه من قوة. أول مجموعة تميزت بياقات مربوطة على العنق، تلتها مجموعة بأكتاف محددة، ثم أخرى مزينة بالفرو عند الحواشي، وطبعاً كان هناك كثير من الجلود المقطعة بالليزر. وطبعاً لم يرد أن يُنهي هذا الفصل من حياته من دون أن يترك أثره مطبوعاً عليها، من خلال لوغو كان قد صممه في عام 1981 ظهر في كثير من الأزرار والنقشات. لكن الموضة لم تكن بحاجة إلى هذا اللوغو لكي تتذكره.


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

المنصات الكبيرة قد توفر دفعة هائلة للمصممين الناشئين وتُلمّعهم، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو علاماتهم.

جميلة حلفيشي (لندن)

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.