«مهزلة» كيبا شتتت تركيز زملائه وأهانت اللعبة بأكملها

رغم اعتذار الحارس وتغريم تشيلسي له على تصرفه المخزي

TT

«مهزلة» كيبا شتتت تركيز زملائه وأهانت اللعبة بأكملها

منذ أسبوعين فقط كنا ننعى وفاة أعظم حراس المرمى في تاريخ إنجلترا، رجل اضطلع بعمله على أكمل وجه في كل هدوء. ولا يسعنا سوى محاولة تخيل ما كان سيشعر به جوردون بانكس لو أنه كان لا يزال حياً بيننا، تجاه سلوك كيبا أريزابالاغا في مباراة النهائي بكأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة الأحد، لكن من الصعب تخيل أن أحداً من اللاعبين من أبناء جيله لم يشعر بصدمة هائلة تجاه التمرد والعصيان الذي أظهره حارس المرمى الشاب القادم من إقليم الباسك.
في الحقيقة، توجه أرض استاد ويمبلي من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب ليس الأمر الوحيد الذي جرى تعديله على نحو راديكالي منذ أن قدم بانكس أروع لحظاته على الإطلاق على أرض هذا الملعب، الذي جاء أريزابالاغا بكل صلف ليدنسه برفضه قرار استبداله. وبكل تأكيد ينتمي حارس مرمى تشيلسي البالغ 24 عاماً الذي ضمه النادي مقابل 71.6 مليون جنيه إسترليني، والراتب الذي من المقرر أن يتقاضاه على امتداد سنوات تعاقده السبع والبالغ في الإجمالي 70 مليون جنيه إسترليني، إلى كوكب آخر تماماً غير ذلك الذي عاش عليه رجل بدأ مسيرته الكروية في حقبة كان الحد الأقصى لأجر اللاعب خلالها 20 جنيهاً إسترلينياً.
ومن الممكن أن يشعر المرء ببعض التعاطف تجاه الضغط النفسي المفروض على اللاعبين الشباب نتيجة الهبوط المفاجئ للثروة عليهم، لكن يظل هذا التعاطف عاجزاً عن طرح مبرر لرد فعل أريزابالاغا عندما رأى رقم قميصه على الشاشة الإلكترونية داخل الاستاد خلال اللحظات الأخيرة من الوقت الإضافي أمام مانشستر سيتي.
ويمكنك ربط هذا السلوك بالمشكلات القائمة خلف الكواليس داخل ستامفورد بريدج، وتنامي التساؤلات حول مدى ثقة اللاعبين في مدربهم، وحينئذ تتضح أمامك ملامح مشهد أصبح بمقدور أريزابالاغا في إطاره الاعتقاد بأن بإمكانه تحدي سلطة المدرب علانية والإفلات من عقوبة ذلك. في الواقع، لا أحد ينجو من مثل هذا الموقف سالماً سوى الحكم الذي لا تشمل سلطاته فرض رغبات مدرب أحد الفريقين داخل أرض الملعب. وقد سمح الحكم جون موس للحريق المفاجئ الذي اشتعل بالملعب بأن يخفت من تلقاء نفسه، ومضى بهدوء نحو تبادل الركلات الترجيحية التي شكلت نقطة ذروة أخرى مقابلة خلال المباراة.
ويمكنك القول بأنه إذا كان أريزابالاغا قد شعر بأن إصابته ليست سيئة للغاية بدرجة تمنعه من المشاركة في ركلات الترجيح، فإنه ربما يكون له كل الحق إذن في الإصرار على الاستمرار في المهمة التي اختير من أجلها (بعد ذلك، فاقم أريزابالاغا الجرم الذي اقترفه بادعائه أنه بالغ في التظاهر بالإصابة كي يحصل فريقه على فترة استراحة من اللعب).
إلا أن الحقيقة أنه ليس كل قرار استبدال لاعب ولا حتى غالبية هذه القرارات، في الوقت الحالي يصدر بسبب الإصابة. في الواقع، جرى إقرار نظام استبدال اللاعبين بهدف الحيلولة دون تكرار حادث مثل تعرض ساق روي دوايت للكسر أثناء مباراة نهائي كأس إنجلترا عام 1959 ليتقلص عدد لاعبي نوتنغهام فورست إلى 10 فقط في وقت مبكر من المباراة. إلا أنه بمرور الوقت تحولت هذه الأداة إلى سلاح معقد في إعادة الترتيب التكتيكي داخل الملعب. والسؤال: ما الذي يجعل الأمر الذي ينطبق على صانع الألعاب مختلفاً عن حارس المرمى؟
ولو أن ماوريسيو ساري كان يخطط منذ اللحظة الأولى للاستعانة بالحارس الآخر ويلي كاباييروفي ركلات الترجيح، فإن هذا يبدو قراراً منطقياً تماماً، فقد نجح حارس المرمى الأرجنتيني في صد ثلاثة ركلات جزاء في صفوف مانشستر سيتي أمام ليفربول في مباراة نهائي البطولة ذاتها منذ ثلاثة سنوات. وبعد انتقاله إلى تشيلسي، أنقذ الركلة الأولى في مجموعة ناجحة من ركلات الترجيح أمام نوريتش سيتي في الدور الثالث من بطولة كأس إنجلترا الموسم الماضي. وخلال مشاركته في صفوف مانشستر سيتي، ألف كاباليرو التصدي لركلات الجزاء من جانب الكثير من لاعبي تشيلسي.
ويعتبر هذا وحده سبباً مشروعاً للغاية للدفع به في نهاية الوقت الإضافي، حتى وإن كان أريزابالاغا قد ساعد تشيلسي على الاحتفاظ بشباك نظيفة على مدار 120 دقيقة إن كرة القدم، خاصة بالصورة التي يعرفها ساري ومدرب سيتي جوسيب غوارديولا، اللذان تابعا الأحداث داخل الملعب بمزيج من الذهول والصدمة، تدور حول فكرة الاعتماد على مهارات متخصصة. ونظراً لأن حارس المرمى الشاب طلب العلاج مرتين، من الواضح بسبب إصابته بشد عضلي، خلال اللحظات الأخيرة من الوقت الإضافي، بدا أنه ما من خيار آخر أمام المدرب.
منذ سنوات كثيرة مضت، كان «حراس المرمى مجانين» عنوان مجموعة من القصص القصيرة التي ألفها بريان غلانفيل حول كرة القدم. ربما يكون حراس المرمى مجانين بالفعل، لكنهم نادراً ما هبطوا لمستوى الخبل الذي أظهره أريزابالاغا. الحقيقة أن موجة الغضب التي دخل فيها أريزابالاغا خلقت مخاطرة أمام تشيلسي على صعيدين: أولهما أنه بذلك زاد الضغوط على نفسه في وقت كان التركيز الهادئ يمثل أهمية محورية بالنسبة له. ثانياً والأهم أن الدراما التي افتعلها شتتت تركيز زملاءه في لحظة كان خمسة منهم على الأقل في حاجة ماسة لكل ثانية ممكنة من الهدوء ورباطة الجأش. وقد رأينا كيف كانت نهاية هذا الوضع.
وجاء رد فعل ساري القوي ليفاقم الشعور بالملهاة، فقد أخذ يصرخ ويقطب جبينه وأطلق إيماءات وإشارات وتظاهر بأنه سيخرج من الملعب ثم تراجع بعد فتح الأبواب أمامه. وفي النهاية عاد لمقعده، وأمسك بمذكرة وقلم وشرع في الكتابة، ربما كان يضع مسودة خطاب لرومان أبراموفيتش أو إلى مسؤولي نابولي، يطلب العودة لوظيفته القديمة.
يمكنك أن تلوم ساري لفقدانه السيطرة على فريقه وعدم وجود قائد داخل أرض الملعب قادر على فرض هذه السيطرة، لكن لا يمكنك لومه على الشعور بالغضب. بعد شوط أول رتيب جرى خلاله تحييد خطر مهاجمي تشيلسي، نجح لاعبوه في التألق خلال الشوط الثاني قبل أن يقطع الوقت الإضافي الزخم الذي كانوا يشعرون به. إلا أنه يمكنك أيضاً لومه لوجود جورجينيو الذي منحت ركلة جزائه الرديئة الأولى المبادرة للخصم.
جدير بالذكر أنه ذات يوم كان أريزابالاغا يلعب في صفوف الفريق الثاني لأتليتيك بلباو في إسبانيا عندما أثار ليونيل ميسي غضب لويس إنريكي، مدرب برشلونة في ذلك الوقت برفضه الخروج من الملعب في وقت متأخر من مباراة أمام إيبار عام 2014 في وقت كان الفريق متقدم بنتيجة 3 - 0. في تلك اللحظة، كان اللاعب الأعظم في العالم يقر نموذجاً أمام لاعب شاب سيصبح لاحقاً حارس المرمى الأغلى في العالم. ومن رحم هذا الموقف وعدد من العوامل الأخرى، ظهرت الملهاة التي شاهدناها الأحد ولحظة تعرضت خلالها كرة القدم بأكملها للامتهان.
آخر حلقات هذه الملهاة كانت قرار تشيلسي معاقبة الحارس أريزابالاغا بخصم راتبه لمدة أسبوع واحد. وبدا أن أريزابالاغا يعاني من إصابة بعدما منع سيرجيو أغويرو من التسجيل في الدقائق الأخيرة من الوقت الإضافي وطلب منه المدرب ماوريتسيو ساري الخروج قبل أن يخسر تشيلسي 4 - 3 في ركلات الترجيح.
لكن بعدما توقف اللعب وطلب الحكم الرابع من أريزابالاغا الخروج ومشاركة الحارس البديل كاباييرو أصر الحارس الإسباني على أنه جاهز للعب ورفض الخروج وسط غضب واضح من ساري. وقال المدرب الإيطالي بعد اللقاء الذي انتهى دون أهداف إنه حدث «سوء فهم كبير»، لأنه اعتقد أن أريزابالاغا يعاني من شد عضلي، بينما أكد الحارس أنه سليم واستمر في الملعب لمحاولة التصدي لركلات الترجيح.
الاثنين قال أريزابالاغا إنه تقدم بالاعتذار إلى ساري وزملائه والجماهير بينما قرر تشيلسي تغريمه بسبب هذا التصرف.
وقال تشيلسي في بيان بموقعه على الإنترنت: «اتخذ النادي قرارا بتغريم كيبا راتبه لمدة أسبوع واحد والتبرع به لمؤسسة تشيلسي».
وأصدر كيبا وساري بيانين لتوضيح الموقف بعدما أثار هذا الأمر جدلا كبيرا في الأوساط الرياضية. وقال كيبا: «فكرت بشكل أكبر فيما حدث. رغم أنه حدث سوء فهم في الأمر، فإني ارتكبت خطأ كبيرا في طريقة التعامل مع الموقف. أريد أن أستغل الفرصة وأتقدم بالاعتذار بشكل كامل وشخصي إلى المدرب وويلي وزملائي والنادي. لقد فعلت ذلك الأمر وأريد التقدم بنفس الاعتذار إلى المشجعين. سأتعلم من هذه الواقعة وسأتقبل أي عقوبة أو قرار انضباطي يراه النادي مناسبا».


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.