صالح يعطي لماكرون مخرجاً بمحاكمة «الدواعش» الفرنسيين في العراق

صالح يعطي لماكرون مخرجاً بمحاكمة «الدواعش» الفرنسيين في العراق

الرئيسان اتفقا على بلورة «خريطة طريق استراتيجية» للعلاقات
الثلاثاء - 21 جمادى الآخرة 1440 هـ - 26 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14700]
الرئيس العراقي يتحدث في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الفرنسي بعد محادثاتهما في باريس أمس (أ.ف.ب)

بدأ الرئيس العراقي برهم صالح زيارة حافلة من يومين إلى باريس بدعوة رسمية من السلطات الفرنسية قادته أمس إلى لقاء الرئيس إيمانويل ماكرون ظهرا في قصر الإليزيه في إطار غداء عمل مع الوزراء المرافقين (الخارجية والتجارة والثقافة). وسبق ذلك اجتماع في مقر اليونيسكو بالمديرة العامة للمنظمة الدولية أودري أزولاي. وعصرا، ألقى برهم صالح محاضرة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية قبل أن يلتقي مساء وزير الخارجية جان إيف لودريان.
وهذه الزيارة، الأولى للرئيس العراقي إلى باريس منذ انتخابه، وفرت الفرصة للطرفين لتبادل الرسائل مباشرة. وبالنظر لتطورات الموقف في شمال شرقي سوريا وقرب القضاء نهائيا على فلول «داعش» المحاصرة، فقد كان الملف الإرهابي حاضرا بقوة في مناقشات الطرفين وفق ما أشار إليه ماكرون ووضح في المؤتمر الصحافي الذي أعقب اللقاء.
الرسالة العراقية الأولى لفرنسا، بعد أن قامت قوات سوريا الديمقراطية بتسليم السلطات الأمنية العراقية عدة مئات من «الدواعش» بينهم 14 فرنسيا أن بغداد، بحسب ما قاله الرئيس صالح «مستعدة لتسلم المتهمين الذين ارتكبوا جرائم ضد العراقيين والمنشآت العراقية في العراق وهم سيحاكمون وفق القانون العراقي. وما نقوم به يجيزه القانون الدولي وهو السياق الذي نتعامل به مع هذا الموضوع». وأهمية ما قام به العراق و«انفتاحه» على هذا «الحل» وقبول استعادة أجانب مروا بالعراق أو ارتكبوا أعمالا إرهابية في هذا البلد أنه يوفر لفرنسا «مخرجا» من أزمة استعادة متطرفيها المحرجة للحكومة. وهذا المخرج، إذا ما استكملت بغداد قبول المتطرفين الفرنسيين الآخرين الموجودين في أيدي القوات الكردية «يحصن» باريس بوجه الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي على الأوروبيين وبوجه «إلحاح» أكراد سوريا على أن تسترد الدول الأوروبية وغير الأوروبية متطرفيها. وتفيد مصادر فرنسية واسعة الاطلاع أنه لن يكون من الصعب في ظل هذا المعيار «الذي أشار إليه صالح» أن تنجح فرنسا في إبقاء متطرفيها بعيدا عن حدودها وبعهدة العراق، حيث سيحاكمون ويقضون أحكامهم. وتفيد معلومات غير رسمية متداولة في باريس بوجود «توافق» بين باريس وبغداد على أن تعمد فرنسا إلى دعم القوات الأمنية والعسكرية العراقية عتادا وتدريبا مقابل «الخدمة» التي يؤديها العراق لفرنسا.
والواقع أن فرنسا عازمة على تعزيز وجودها في العراق. وفي كلمته أمس، أشار ماكرون أكثر من مرة إلى أن بلاده «تنوي البقاء إلى جانب العراق سياسيا وعسكريا» وتسعى «لأن تسهم لوقت طويل في دفع علاقاتها العسكرية والأمنية وتعزيز قدرات الجيش العراقي». وذهب ماكرون أبعد من ذلك بتأكيده أن باريس «تدعم سياسة العراق الإقليمية المتوازنة» وترى أن من الضروري «المحافظة على هذا البلد من مخاض أزمات الشرق الأوسط أكانت مرتبطة بسوريا أو إيران». وبحسب ماكرون، فإن الطرفين سوف يعملان على بلورة «خريطة طريق استراتيجية» سوف تحدد التوجهات الكبرى للعلاقات الثنائية بناء على تصور مفاده أن للعراق «دورا أساسيا ومحوريا في المنطقة» وفرنسا تريد أن تكون أحد شركائه. لكن باريس تريد كذلك انخراط التحالف الدولي في هذه المهمة وهي تعمل على أن يتيقن أطرافه «لأهمية الدور الذي يلعبه العراق في المنطقة».
بيد أن الدفع الخارجي لا يكفي بحسب فرنسا التي تشدد على أهمية تعزيز النظام الديمقراطي وتحقيق التوازن السياسي «يضم جميع المكونات ويوفر التنمية الاقتصادية ويمكن من القضاء على جذور (داعش)». وفرنسا «جاهزة» للمساعدة أيضا في هذه المجالات كالمساهمة في إعادة الإعمار وتحقيق اللامركزية وتوفير الاستقرار وفرص العمل ومساهمة الشركات الفرنسية والعمل بمشاريع ثقافية وتعليمية.
هذا التناول الفرنسي يتطابق مع ما يريده العراق، وفق ما شرحه برهم صالح، الذي اعتبر أن عنوان المرحلة القادمة هي «الاستتباب الأمني والاستقرار المستدامان ولن يتحققا إلا بعد ان يصبح العراق قادرا مقتدرا في المعادلة الإقليمية». وأضاف الرئيس العراقي أن بلاده «مقبلة على استحقاق الإعمار وإعادة تنشيط الاقتصاد والتركيز على التنمية البشرية وهذا ليس سهلا ولذا نتوقع من الحلفاء والأصدقاء في أوروبا والعالم المساعدة في إعادة الإعمار وتوفير فرص العمل وعودة النازحين...». وردا على التساؤلات التي يثيرها الفرنسيون وغير الفرنسيين بعيدا عن الإعلام، حول العملية السياسية الداخلية والتجاذبات بين الأحزاب، شدد صالح علن أن العراق «مستمر في بناء الدولة بما يضمن الحريات الديمقراطية والمدنية والوصول إلى استقرار وسلام دائمين»، مستدركا أنه لا يقول إن «الوضع في العراق كله على ما يرام».
وعلى المستوى الإقليمي، كانت رسالة صالح واضحة وقوامها أن العراق «لا يريد أن يكون ساحة تنازع وتناحر بين الفرقاء الإقليميين والدوليين»، في إشارة واضحة إلى التنازع الأميركي - الإيراني حول العراق. وبحسب ما قاله، فإن المطلوب «المحافظة على المصلحة العراقية ورؤيتنا لها تكمن في النأي بالنفس عن سياسة المحاور ولن ننحاز إلا لأمن العراق ومصالحه ومصالح دول المنطقة». بيد أن ما يدهش في خطاب الرئيس العراقي أنه يؤكد من جهة، أن علاقات بلاده مع الجيران «جيدة»، لكنه يضيف فورا أن «تقديره» أن «جيران العراق الكل من منظوره لا يريد نجاح الوضع العراقي لهذه الدرجة كذلك تلك القوى الدولية».
وحمل المؤتمر الصحافي المشترك عنصرا إضافيا على صلة بالوضع العراقي - السوري وهو يتناول قرار باريس بالنسبة لمصير القوة الخاصة التي تنشرها إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية بعد أن عدل الرئيس الأميركي موقفه وقبل الإبقاء على بضعة مئات من جنوده في المنطقة. وفي هذا السياق، رحب الرئيس الفرنسي بالقرار الأميركي الذي «يتوافق» مع سياسة باريس وما كانت تصر عليه لجهة «البقاء إلى جانب القوات التي أسهمت ميدانيا في الحرب على الإرهاب وتحرير سوريا من (داعش)». لكنه رفض الخوض فيما ستقوم به بلاده التي رفضت سابقا وبشكل قاطع الإبقاء على قوتها في حال رحل الأميركيون. وقالت مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة «معطى جديدا» طرأ مع تغير الموقف الأميركي لكن ذلك كله «يحتاج لتوضيح».
بموازاة اللقاء مع السلطات الفرنسية، حمل اجتماع صالح بمديرة عام اليونيسكو طمأنة للجانب العراقي لعزم المنظمة الدولية على السير بالمشاريع الخاصة بالموصل أكان إعادة إعمار مسجد النوري أو العمل على إعادة إطلاق الحياة الفكرية والاجتماعية في هذه المدينة المنكوبة. ووعدت أزولاي بزيارة العراق قبل نهاية العام فيما وعد ماكرون بالذهاب إلى بغداد «في الأشهر القليلة القادمة».


فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة