مصدر عراقي: المالكي طالب بحماية وإعفائه من الملاحقات القانونية وامتيازات مقابل انسحابه

نائب من التحالف الوطني قال إن الإدارة الأميركية تدخلت بقوة لإجباره على الانسحاب من الترشح لولاية ثالثة

رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في خطاب تنحيه لصالح حيدر العبادي محاطا به وبأعضاء التحالف الوطني أول من أمس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في خطاب تنحيه لصالح حيدر العبادي محاطا به وبأعضاء التحالف الوطني أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

مصدر عراقي: المالكي طالب بحماية وإعفائه من الملاحقات القانونية وامتيازات مقابل انسحابه

رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في خطاب تنحيه لصالح حيدر العبادي محاطا به وبأعضاء التحالف الوطني أول من أمس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في خطاب تنحيه لصالح حيدر العبادي محاطا به وبأعضاء التحالف الوطني أول من أمس (أ.ف.ب)

حتى الساعة التاسعة من مساء أول من أمس لم يكن نوري المالكي، رئيس الحكومة العراقية السابق، قد كتب بيانا أو خطاب انسحابه من منصبه، مصرا على البقاء فيه لولاية ثالثة، لكن الأخبار كانت قد تسربت من معاونيه وبعض المقربين منه بأن نهاية شوط حكمه ستنتهي في الليلة نفسها (أول من أمس)، وبأنه سحب بالفعل شكواه للمحكمة الاتحادية بشرعية ترشحه وعدم دستورية تكليف حيدر العبادي من قبل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم بتشكيل الحكومة، خاصة بعد أن وصلته رسائل شخصية من المحكمة الاتحادية تفيد بأنها غير مهتمة بهذه الشكوى من جهة، وأن الموضوع سياسي وليس قضائيا. ثم جاء السفر المفاجئ لرئيس المحكمة مدحت المحمود إلى خارج العراق، تلك السفرة التي قال عنها أحد النواب من التحالف الوطني بأنها كانت بتدبير أو نصيحة من السفارة الأميركية.
وفيما إذا كان المالكي قد طالب بضمانات قبيل انسحابه الذي أجبر عليه، فإن كل الدلائل تؤكد أنه طالب بضمانات كبيرة، وهذا ما أكده لـ«الشرق الأوسط» في عمان، مثال الألوسي النائب عن تيار التحالف المدني الديمقراطي، وهو تيار مستقل له ستة أعضاء في البرلمان العراقي، قائلا إن «المالكي طالب بضمانات لا يمكن قبولها من قبل أي جهة أو كتلة بما فيها التحالف الوطني»، مشيرا إلى أن «هذه الضمانات تعفيه من أي ملاحقات قانونية مستقبلية هو وعائلته والمقربين منه، وتمنحه امتيازات مادية وعسكرية».
ولدى سؤال الألوسي عما إذا كانت هناك ملاحقات قانونية ستجري بحق المالكي أم لا؟ أجاب قائلا: «بالتأكيد، سيتحمل المالكي وباعتباره كان المسؤول التنفيذي الأول في العراق، ومثلما كان يؤكد باستمرار، ما جرى من عمليات قتل وتهجير وقصف المدن ودخول داعش وضياع مليارات الدولارات التي تصرف بها من دون أي تفسير قانوني»، مشيرا إلى أن «هناك الآن ثلاث دعاوى في محكمة العدل ضد المالكي تتعلق بجرائم إبادة ضد الإنسانية، إضافة إلى الدعاوى التي سنرفعها ضده أمام القضاء العراقي». وأضاف النائب عن التيار المدني الديمقراطي، قائلا إن «المالكي مزق وحدة البلد وهمش الجميع وتصرف بصورة فردية، وهو أول من خرق الدستور الذي يتحدث عنه وتشبث به من أجل البقاء لولاية ثالثة»، منبها إلى أن «نهاية حقبة المالكي تعني اختتام فترة الانهيار والعبث وبداية فترة جديدة من الأمل خاصة للشباب العراقي الذي كاد يفقد فرصته في العمل والطموح، هذا فيما يتعلق بالوضع الداخلي، أما ما يتعلق بالسياسة الخارجية فهناك تأييد دولي وإقليمي للعراق اليوم، وهذا التأييد يعني عودة العراق إلى الساحة الدولية بعد أن ضاع البلد بسبب تخبط السياسات الخارجية التي كان ينتهجها رئيس الحكومة السابق».
وبدا الألوسي متفائلا برحيل المالكي؛ «فهذا يعني بداية جديدة، ويعني أن التحالف الوطني الذي اتخذ قرارا جريئا وعى مسؤوليته تجاه العراق، وأن هناك آلية عمل جديدة ستجري في الحكومة ومجلس النواب، كما أن الأكراد والسنة يشعرون اليوم بأن هناك بارقة أمل جديدة في مشاركتهم وبقوة في القرار السياسي والأمني».
وفي العودة إلى تفاصيل الضمانات التي كان المالكي قد طلبها قبيل انسحابه من السلطة، قال نائب عن التحالف الوطني، فضل عدم نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعضاء في التحالف كانوا قد عرضوا على المالكي بعض الضمانات قبل أسبوعين، وفي أغلبها ضمانات تكفل أمنه وأمن عائلته، إضافة إلى ضمانات مادية دون التطرق إلى ضمانات تحميه من الملاحقات القانونية كونها مسألة لا تتعلق بالتحالف الوطني، فنحن لا نستطيع أن نجبر الكتل الأخرى على منحه مثل هذه الضمانات»، مشيرا إلى أن «المالكي، ومن معه، رفضوا هذه الضمانات، بل إن فريقه المقرب سخر منها وعدها إهانة له ولائتلاف دولة القانون صاحب الحق الدستوري بتشكيل الحكومة وحصريا من قبل المالكي».
وقال: «لو كانوا قد قبلوا بهذه الضمانات كانت ستجد قبولا إقليميا ودوليا، لكنه (المالكي) ضيع عليه هذه الفرصة».
وأضاف أن «المالكي كان الوحيد الذي لم يفهم رسائل المرجعية التي جاءت من قبل آية الله علي السيستاني، وكانت رسالة السيستاني قوية وهي أحد أهم عوامل إجباره على الانسحاب، ومن قبل بقية الكتل وكذلك الإصرار الإقليمي والدولي على عدم مقبولية بقائه في السلطة للمرة الثالثة، بل على العكس من ذلك كان متيقنا من أنه باق وليس هناك من حل آخر، بل تحدى كل هذه الجهات وخاصة المرجعية عندما دعاها إلى عدم التدخل في الشأن السياسي».
وفيما إذا كان هناك تدخل مؤثر من قبل الإدارة الأميركية في موضوع تنحي المالكي وانسحابه، قال عضو التحالف الوطني: «نعم وبالتأكيد، كان هناك تدخل مباشر في هذا الموضوع، وقد تم إبلاغ المالكي علنا وسرا بضرورة انسحابه وإلا فإنه سيجري عزله سواء شاء أم أبى»، مشيرا إلى أن «إجراءات أمنية طبقتها السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء لحفظ الأوضاع هناك وحماية بعض المسؤولين والقادة السياسيين داخل المنطقة الخضراء وفي بغداد بعدما كان نجله أحمد المالكي قد ألغى بطاقات دخول بعض المسؤولين إلى المنطقة الخضراء بحجة أنها مزورة، وكان في مقدمة اهتمام السفارة الأميركية حياة الرئيس العراقي فؤاد معصوم وأمنه، وقد تم توفير وضع آمن له للوصول إلى المنطقة الخضراء يوم تكليف حيدر العبادي بتشكيل الحكومة».
الضمانات التي طالب بها المالكي قبيل انسحابه من الترشيح لرئاسة الحكومة، وحسب النائب عن التحالف الوطني، كانت تتضمن «عدم الملاحقة القانونية للمالكي وأفراد عائلته وكل من عمل معه، إضافة إلى تخصيص قوة مكونة من 2500 عسكري، أي ما يعادل تشكيل لواء في الجيش العراقي ومن أفراد الأجهزة الأمنية يوضعون تحت تصرفه وهو من يختارهم ومن دون أن يقدم قوائم بأسمائهم للحكومة الجديدة، وضمان بقائه في قصره وامتيازاته لأربع سنوات أخرى، وأن توضع تحت تصرفه ميزانية ضخمة»، مشيرا إلى أن «أي جهة لن توافق على مثل هذه الطلبات وهي بمثابة تشكيل دولة سرية داخل الدولة العراقية».
ونبه النائب عن التحالف الوطني إلى «الموقف الشجاع والقوي للسيدين مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، وعمار الحكيم، زعيم المجلس الأعلى الإسلامي، بالوقوف بشدة ضد مبدأ الولاية الثالثة للمالكي وقيادة قرار التحالف الوطني بهذا الاتجاه، إضافة طبعا إلى موقف القيادة الكردية المتمثل بالسيد مسعود بارزاني، ورئيس إقليم كردستان العراق، وموقف الكتل السنية وائتلاف الوطنية بزعامة الدكتور إياد علاوي»، مشيرا إلى «أننا اليوم ننظر إلى المستقبل ونعد حقبة المالكي في الماضي وعلينا تحقيق الإنجازات لبلدنا ولأبناء شعبنا».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.