كتائب الحر تشن «حرب تحرير» ضد «داعش» في شمال سوريا

معلومات عن أسر أميرها في الأتارب.. وقياديون في المعارضة يؤكدون استمرار المعارك حتى طرد التنظيم

استعراض عسكري لمقاتلين من تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» في مدينة تل أبيض قرب الحدود مع تركيا (رويترز)
استعراض عسكري لمقاتلين من تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» في مدينة تل أبيض قرب الحدود مع تركيا (رويترز)
TT

كتائب الحر تشن «حرب تحرير» ضد «داعش» في شمال سوريا

استعراض عسكري لمقاتلين من تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» في مدينة تل أبيض قرب الحدود مع تركيا (رويترز)
استعراض عسكري لمقاتلين من تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» في مدينة تل أبيض قرب الحدود مع تركيا (رويترز)

اندلعت أمس اشتباكات عنيفة بين كتائب إسلامية منضوية تحت جناح «الجيش السوري الحر» وتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف بـ«داعش»، تعد الأكبر ضد التنظيم الذي تنامى حضوره في سوريا خلال الأشهر الماضية.
وأبلغ قياديون في «جبهة ثوار سوريا» وكتائب إسلامية أخرى «الشرق الأوسط» بأن الجيش السوري الحر بدأ اليوم معركة القضاء على تنظيم «داعش» في حلب والشمال السوري بداية، ليتفرغ بعدها لقتال الجيش النظامي السوري. وأوضح ضابط قيادي في «جبهة ثوار سوريا» التي تشكلت أخيرا من عدد من كتائب وألوية الجيش الحر ويقودها قائد «لواء شهداء سوريا» جمال معروف وأعلنت انضواءها تحت راية أركان الجيش الحر، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «المعركة بدأت من دون تخطيط، وذلك عندما هاجمت قوات داعش في الرابعة من فجر أمس الفوج 46 بالقرب من الأتارب بريف حلب حيث يقوده ضابط تابع للجبهة وللجيش الحر ويتمركز فيه لواء المدرعات الأول مع 10 دبابات، وبين عناصره 18 ضابطا منشقا». وأضاف الضابط الذي قال إنه كان يتحدث من غرفة العمليات التي تقود المعارك أن «(داعش) ظنت أن الاستيلاء على الدبابات وأسر الضباط وجبة سهلة، لكننا قررنا أن الكيل قد طفح فبدأنا في شن هجوم مضاد لن ينتهي إلا بالقضاء على داعش من أرياف الشمال السوري وصولا إلى حماه»، مشددا على أنها «حركة على مستوى الشمال ابتداء من خان شيخون انتهاء بأطراف ريف حلب الشمالي في اعزاز».
ولفت إلى أن الفصائل المشتركة في هذا «الهجوم الشامل» هي «جبهة ثوار سوريا»، بالإضافة إلى «جيش المجاهدين» الذي يضم «كتائب نور الدين الزنكي الإسلامية» و«حركة النور الإسلامية» و«الفرقة 19» المتمركزة في حلب.
وأشار إلى أن القتلى من داعش بالعشرات بينما وصل عدد الأسرى إلى نحو 200 بينهم أمير داعش في الأتارب، مؤكدا أن كل المحاولات التي أبدتها داعش للتفاوض بشأن وقف العملية فشلت. وشدد على أنه «لن نرضى إلا بخروج (داعش) نهائيا من سوريا»، حيث «قررنا أنه على السوريين تسليم أنفسهم وسلاحهم، أما إذا رفضوا فالقتال بيننا وبينهم، أما المهاجرون فأمامهم 24 ساعة لمغادرة سوريا».
من جهته، أكد قائد الفرقة السابعة في الجيش الحر ونائب قائد جبهة ثوار سوريا للشؤون العسكرية العقيد هيثم العفيسي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «معرة النعمان تحررت بالكامل، وكل مقراتهم (داعش) تحت السيطرة»، مضيفا أن «عناصر داعش في المنطقة معتقلون في سجوننا». وأكد العفيسي أن الهدف من العملية «ضرب كل من يقف مع النظام ويحاول تغيير البوصلة عن مسارها الحقيقي وعدم استباحة دماء الآخرين وتكفيرهم». وأوضح أنه على الرغم من هذه العملية «فنحن ما زلنا مرابطين على جبهة وادي الضيف» بوجه قوات النظام.
وفي هذا الإطار، أكد قائد «كتائب نور الدين الزنكي الإسلامية» الشيخ توفيق شهاب الدين لـ«الشرق الأوسط» أنه «لن تقف المعركة إلا بعدما يتم محو كل أثر لداعش»، مشددا على أنه «لا تفاوض مع (داعش)، ولا تراجع في المعركة معهم». وشدد على أن «المعركة لم تكن محضّرة من قبل، لكنها نتيجة تراكمات وضغط على المدنيين والجيش الحر والكتائب الإسلامية من قبل (داعش)»، مشيرا إلى أن «(داعش) أذلت الشيوخ والأطفال وبالتالي أججت في الناس الشعور الذي أحسوه أول الثورة يوم خرجوا على النظام».
ورأى شهاب الدين أن «المظاهرات التي شهدتها حلب وإدلب اليوم تأييدا لنا ضد (داعش) تؤكد صوابنا وأن هذا الشعب مقهور ويعاني ظلما منهم (داعش)، وحين رآنا نهجم كسر عقدة الخوف مجددا»، آملا في انضمام جهات أخرى كالجبهة الإسلامية إلى المعركة. لكن الجبهة الإسلامية أصدرت باسم مجلس الشورى طلبا من الدولة الإسلامية بعدم الاعتداء خصوصا على الفوج 46، داعيا إلى التهدئة، ومحذرا من أن هذه المعارك تخدم النظام.
وفي هذا السياق، أكد الناطق العسكري باسم الجبهة الإسلامية النقيب إسلام علوش، ردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما إذا كانت الجبهة ستتدخل عسكريا، أن «البيان واضح حاليا، وفي حال ورود أي مستجدات سنطلعكم بها إن شاء الله». ولم يحدد علوش ماذا يقصد بالمستجدات، مشيرا إلى أنه «لا أدري ماذا سيستجد في الساعات المقبلة».
وقد اختطف تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» أمس خمسة عاملين في منظمة «أطباء بلا حدود» في إحدى قرى الساحل السوري إثر اقتحام المستشفى الميداني الذي كانوا يوجدون فيها، تزامنا مع اندلاع الاشتباكات. وأشار ناشطون في جبل التركمان بريف محافظة اللاذقية إلى أن عناصر تنظيم «داعش» اقتحموا مستشفى «أطباء بلا حدود» في قرية «برناص» التي تقع بين الساحل وبلدة جسر الشغور. وأوضح الناشطون أن «عناصر (داعش) اعتقلوا الكادر الأجنبي بالكامل مع السوريين الذين يعملون معهم بحجة التحقيق معهم، ليفرجوا لاحقا عن الطاقم السوري ويبقوا على الطاقم الأجنبي».
وأعلنت منظمة «أطباء بلا حدود» خطف خمسة من العاملين معها، وأكدت مسؤولة الإعلام والاتصالات في المنظمة، إيناس أبو خلف، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «لواء التوحيد أبلغ المنظمة بأن الجهة المسؤولة عن الاختطاف هي (داعش)»، مشيرة إلى أن «المنظمة لا تزال تتقصى الأنباء عن العاملين المختطفين». وفي حين لم تفصح أبو خلف عن جنسيات المختطفين الخمسة أو طبيعة عملهم، أكدت أن «المنظمة تقوم بإجراء اتصالات مع الجهات المعنية في محاولة للإفراج عنهم».
من جهته، قال الناشط المعارض المقرب من تنظيم «داعش» في ريف اللاذقية، عمر الجبلاوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العاملين في منظمة (أطباء بلا حدود) اختطفوا من قبل (الدولة) على خلفية اتهامهم بالعمالة للنظام السوري».
وفي ريف اللاذقية أيضا، اتهمت شبكة «سوريا مباشر» المعارضة تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» باقتحام مكتبها في جبل التركمان باللاذقية واختطاف الصحافي طارق شيخو، بعد ساعات من قيام التنظيم أيضا باقتحام عدة مكاتب إعلامية في حلب وإدلب.
كما أعلنت مجموعة فصائل إسلامية وكتائب تابعة للجيش الحر في تسجيل مصور عن تشكيل «جيش المجاهدين» في محافظة حلب، وهو يضم كلا من تجمع ألوية «فاستقم كما أمرت» و«الفرقة 19» وكتائب «نور الدين الزنكي الإسلامية» و«حركة النور الإسلامية». ورجح ناشطون أن تكون مهمة هذا الجيش مواجهة «داعش» في حلب خلال الفترة المقبلة.
وشهدت الفترة الماضية توترا كبيرا بين كتائب المعارضة ومسلحي تنظيم «داعش»، إثر قيام الأخير باغتيال عدد من ضباط الجيش الحر وخطف وتعذيب عدد من الناشطين الإعلاميين والمدنيين والأطباء. وقال معارضون إن هذا التطور خلق حالة استياء لدى السوريين ودفعهم للخروج في مظاهرات أمس الجمعة، شملت مختلف المدن والقرى السورية للتنديد بانتهاكات «داعش». وأطلق الناشطون على هذه المظاهرات اسم «أبو ريان (حسين السليمان) شهيد الغدر»، والذي قتل في ريف حلب منذ أيام على يد عناصر من تنظيم «الدولة الإسلامية» بعد اختطافه لأكثر من عشرين يوما. وطالب المتظاهرون في الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة في حلب إضافة إلى مناطق من ريف إدلب وحماه وحمص بوضع حد لسلوكيات تنظيم «الدولة الإسلامية». ومن الشعارات التي أطلقها المتظاهرون، بحسب أشرطة فيديو نشرت على الإنترنت «الجيش الحر للأبد.. دايس داعش والأسد»، و«داعش تطلع برّه».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.