«أسبوع لندن» لخريف وشتاء 2019... بين الموضة الإيجابية والثورات الشبابية

المصممون أبدعوا بتبنيهم القضايا الإنسانية وتنوع مقاسات ومفاهيم الجمال

من عرض آشلي ويليامز
من عرض آشلي ويليامز
TT

«أسبوع لندن» لخريف وشتاء 2019... بين الموضة الإيجابية والثورات الشبابية

من عرض آشلي ويليامز
من عرض آشلي ويليامز

يبدو أن صناع الموضة تعبوا من الحديث عن «بريكست»... على الأقل أدركوا أن الأمر قد خرج من أيديهم في هذه المرحلة. ولأن الابتكار والتجديد هو شُغلهم الأول، كان أيضاً شاغلهم هذا الموسم، حيث تركوا السياسة للساسة ووجهوا أنظارهم إلى قضايا جديدة، مثل حماية الأرض من التلوث، والمناداة بالاحتفال بالتنوع بكل أشكاله، والمناداة بحرية أكبر للتعبير عن الذات.
يوم الأحد الماضي مثلا؛ تعطلت حركة السير في بعض المناطق بسبب مظاهرة قد لا تكون لها علاقة بالموضة، لكن المنظمين استغلوا المناسبة لجذب مزيد من الاهتمام إلى قضيتهم. احتلوا 5 جسور على نهر التيمس، وهم يلبسون أفضل ما عندهم من ملابس «وكأنهم يحضرون جنازة أنيقة» حسب قولهم. قضيتهم هي الاحتجاج على سياسة الحكومة تجاه التغير المناخي والأزمة البيئية. ورغم أنه لا أحد من المتظاهرين يلوم منظمة الموضة على هذه الأزمة، فإنهم يرون أنها لها يداً في بعض تأثيراتها السلبية، كما بيدها أن تقدم حلولاً لها.
من جهتها، تؤكد «المنظمة البريطانية للموضة»، ومنذ بضع سنوات، أنها جادة في محاولاتها لأن تكون سباقة في تطوير الموضة وجعلها «خضراء» ومستدامة. من هذا المنظور، رفعت هذا الموسم شعار «الموضة الإيجابية» الذي تداولته كل وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الموضة لم تقتصر على عروض الأزياء الرسمية والفعاليات الهامشية، بل أيضا على ما كان يجري في الشوارع خارج العروض. غابت صورة «الطواويس» التي كنا نراها في المواسم الماضية، مثلا، كذلك الغرابة التي كانت تستهدف لفت الأنظار وإحداث الصدمة أولا وأخيرا. غابت أيضا المظاهرات التي كان يقوم بها المناهضون لاستعمال الفرو الطبيعي لأن المنظمة سدت عليهم هذا الطريق، بعد أن أعلنت في الموسم الماضي، ولأول مرة منذ تأسيسها، منع استعمال الفرو الطبيعي في عروضها الرسمية. محل هذه الغيابات ظهرت حركة تمرد جديدة، يمكن تشبيهها بتلك التي عشناها في السبعينات من القرن الماضي، وكانت هي الأخرى تمردا على التابوهات والمتعارف عليه، وظهرت بالوتيرة نفسها محدثة تغييرات اجتماعية لا تزال ملموسة حتى الآن، حيث أثمرت موضة «البانكس» وموضة «الشارع».
لهذا لم يكن غريباً أن نتابع عروضاً ارتجالية في الشارع، ظهرت فيها عارضات عاديات جدا، إذا أخذنا بعين الاعتبار أحجامهن الكبيرة أو نحافتهن الزائدة وأطوالهن المتباينة، من بينهن مؤثرات معروفات، رفعن لافتات كتبن عليها شعارات مثل: «يجب على الموضة تمكيننا وليس العكس» أو «جمالنا يتعدى المقاييس» وما شابه.
لكن وبما أننا في لندن، العاصمة التي تُفرخ المواهب والأفكار المبتكرة، فكان لا بد من أن يكون شعار «الموضة الإيجابية»، الذي رفعته وتبنته المنظمة ملموسا وليس مجرد تنظير. قد يتساءل البعض؛ ما علاقة ما يقدمه المصممون بالمنظمة، أَفَلَيْست لهم حرية الإبداع؟ والجواب أنها لا تتدخل في عملية الإبداع بقدر ما تُشرف على زيادة الوعي لدى المصممين الصاعدين تحديدا، بأهمية بعض القضايا الاجتماعية، على رأسها الموضة المستدامة، من خلال برامج تهدف إلى دعمهم لوجيستياً ومادياً. وبالفعل أثمرت هذه المبادرات فعاليات عدة مهمة، مثل الحملة التي تعاونت فيها المصممة أيمي باوني، مؤسسة علامة «ماذر أوف بيرل» مع قناة «بي بي سي أورث» لزيادة التوعية بأهمية الحفاظ على البيئة، من خلال نقاشات ومداولات حول دور صناعة الموضة في إيقاف التلوث البلاستيكي والعمل على تغيير إيجابي وسُبل تحقيقه. الرسالة التي تؤمن بها كل من المصممة والقناة هي أن «الموضة لها تأثير قوي على العالم، وبالتالي بإمكانها نشر مزيد من التوعية لإيجاد حلول». المصممة باوني أطلقت أيضا خطأ مستداماً، انطلاقاً من إيمانها بأنه «بإمكاننا أن نتعلم دروساً قيمة مما يحدث، وليس هناك أي داعٍ لكي نبقى جامدين؛ نفكر ونتحدث عما حدث في الماضي فقط... علينا في المقابل أن نتحرك ونتعاون الآن باستعمال كل التقنيات الجديدة لإحداث هذا التغيير وتحسين الظروف».
لكن حتى بالنسبة لمن لم يرفعوا شعارات واضحة، فإن هذا الاتجاه كان ملحوظاً في كثير من العروض؛ الأمر الذي يؤكد أن لندن لا تزال العاصمة التي تنطلق منها الحركات الاجتماعية وتولد فيها الأفكار الرائدة، وهو ما يظهر جليا في الأزياء بكل تفاصيلها، من الخطوط والقصات، إلى نوعية الأقمشة وتقنياتها والطبعات الديجيتال التي برع فيها كثير من مصمميها وسوقوها إلى العالم. كانت هناك واقعية ملموسة هذا الموسم. فإلى عهد قريب، كنا قبل حضور أي عرض نُهيئ أنفسنا للمسة جنون. كنا نعرف مسبقا أننا سنحلق إلى عوالم من الخيال والفانتازيا. لكن شتان بين الأمس والحاضر.
فقد تغيرت الأمور في السنوات الأخيرة بسبب العولمة والمنافسة الشديدة في الاستحواذ على اهتمام الأسواق النامية. ولا يختلف اثنان على أن منظمة الموضة البريطانية لعبت دورا كبيرا في هذا التغيير. فرغم أنها لا تزال تشجع على الإبداع وتحرص عليه، كما لا تمانع في بعض الجنون ما دامت فيه فنون، فإنها تقوم بدورات تدريبية عدة تقدم فيها دروساً قيمة في فنون التسويق. فقد انتبهت إلى أن مصمميها، حين كانوا يتخرجون في معاهدها الشهيرة، مثل «سنترال سانت مارتن» و«لندن كوليدج أوف فاشون» وغيرهما في الماضي، كان حافزهم الأول والأخير هو التميز بأي شكل وبغض النظر عما إذا كانت التصاميم ستباع أم لا. هذا ما عملت على تصحيحه بترويضها بعض جنوحهم من دون أن تقص أجنحتهم تماما. لحسن الحظ أن المصممين استوعبوا الدرس، وهو ما لمسناه في كثير من العروض التي لا تزال تذكرنا بشخصية لندن الجانحة لبعض الغرابة، وبالتالي تجعلنا نعيش اللحظة بكل جمالياتها وفنونها، إلا إنها تتبنى أيضا الأناقة، بالشكل الذي تحلم به المرأة. وليس أدل على هذا مما قدمه كل من المصمم الشاب أساي وماركة «16أرلينغتون» في أول يوم من الأسبوع... الأول يخاطب الشباب بحداثته وعصريته، والثاني يخاطب النجوم والمشاهير بألوانه وتطريزاته الغنية. مساء اليوم نفسه قدمت المصممة آشلي ويليام، تشكيلة عكست نظرتها الشابة لبنات جيلها، من مثيلات أليكسا تشانغ ودايزي لو، ونيكولا روبرتس. ورغم أنه من الصعب القول إن الأزياء التي قدمتها ستُحدث ثورة في موضة الموسم المقبل، فإنها أنيقة ومفعمة بالحيوية. كانت بها لمسة «غرانج»، كما تلونت بدرجات النيون التي ظهرت في كثير من العروض الأخرى طوال الأسبوع، مثل الأصفر والبرتقالي والأخضر والأزرق... وغيرها من الدرجات الفاقعة. كانت هناك أيضا لمسة «إنجليزية» تجسدت في بعض الكنزات المفتوحة والقطع المطرزة بالترتر على شكل مربعات.
من جهته، استبق المصمم البريطاني المخضرم جاسبر كونران، الأحداث الإيجابية التي نادى بها المتظاهرون، فيما يتعلق بمطالبتهم بمراعاة التنوع والاحتفال بالمرأة بمقاساتها المختلفة، وبدل أن يقدم تشكيلة محددة على الجسم، تُبرز تضاريسه، فإنه أخفاها تحت خطوط واسعة لا تخلو من أناقة ولمسة بوهيمية محسوبة. والنتيجة أن ما كان في الماضي يعد عاديا، بدا في قمة الأنوثة من خلال فساتين منسدلة على الجسم، تؤكد أن الراحة من أهم التفاصيل التي أهملها المصممون في الماضي. والطريف أن المرأة لم تنتبه إلى أنها تفتقدها إلا مؤخرا وبعد أن اقترحوها عليها. الفضل طبعا يعود إلى الجيل الجديد، الذي لا يريد أن يتنازل عن أي شيء يخدمه؛ من الأناقة والراحة، إلى التميز. فساتين كثيرة ومتنوعة قدمها المصمم البريطاني المخضرم، كان القاسم المشترك بينها انسدالها على الجسم، وأيضا ألوانها الخريفية الهادئة، التي تباينت بين درجات الشوكولاته والبرتقال.
في المقابل، تبنى المصمم بورا أكسو خطوطا أكثر تحديدا على الجسم من دون أن ينسى عنصر الراحة، بدليل أن كل ما قدمه كان عبارة عن فساتين؛ كثير منها بكشاكش، قال إنه استلهمها من فالنتينا تيريشكوفا، أول امرأة تقوم برحلة إلى الفضاء في عام 1963. وجد المصمم أن قصتها مثيرة وملهمة في الوقت ذاته، لأنها تعكس قوة المرأة وقدرتها على مواجهة كل الصعوبات. فهي من أصول جد متواضعة؛ حيث كان أبوها مجرد عامل بسيط في مصنع نسيج، لهذا اضطرت إلى أن تترك المدرسة وهي في عمر 17 عاما لتعمل معه في المصنع، لكنها كانت تحلم بأكثر من هذا بكثير، لهذا صممت على أن تُكمل دراستها بالمراسلة. في عيد ميلادها الـ18 التحقت بناد نسائي للقفز بالمظلات، وكتبت طلبا إلى مركز الفضاء تعرض فيه خدماتها للعمل مع رواد الفضاء. تم قبولها رغم عدم إكمالها دراستها مقارنة بغيرها. نظرا لكفاءتها وصلابتها؛ اختيرت في يونيو (حزيران) من عام 1963 لقضاء 3 أيام في الفضاء. وبالفعل حامت مركبتها 48 مرة حول الأرض. بعدها درست الهندسة وتخرجت في عام 1969 لتصبح ناشطة نسوية من الوزن الثقيل. وهذا ما التقطه المصمم في تشكيلة تعكس رحلتها المكوكية من دون أن ينسى أصولها القروية. كان هناك مزج بين القديم والحديث، واستكشاف لخامات جديدة ومزج بين الألوان. فالدرجات الهادئة خلقت إطلالات تتسم بالغموض، بينما الدرجات المتوهجة القوة والإرادة. وجاءت الخلطة في النهاية مزيجا بين الأنوثة الناعمة من خلال التطريزات واستعماله الأورغانزا والتول، والثقة والقوة من خلال الخطوط المحددة والجريئة.
لكن لا بد من القول إن عرض ماري كاترانتزو كان أكبر مفاجأة، ولو أن كلمة مفاجأة ليست في محلها بالنظر إلى أن المصممة تُتحف عالم الموضة منذ أكثر من 10 سنوات بالفنية والاحترافية. تشكيلتها لخريف وشتاء 2019 لم تكن «لندنية» بقدر ما كانت «باريسية»، لسبب بسيط؛ هو أن كل قطعة فيها كانت تحاكي الـ«هوت كوتير»... كشاكش كثيرة وسخاء في استعمال الريش جعل العارضات يبدون كأنهن طيور الجنة.
رغم الأحجام الكبيرة والطبقات والكشاكش المتعددة وسخاء التطريزات، فإنه كانت هناك خفة تكاد تلمسها من مجرد النظر إليها. تفسير المصممة أنها تشكيلة مستوحاة «من الأرض... من الريح ومن النار» وبالفعل كل هذه العناصر كانت موجودة بأسلوب كاترانتزو الشاعري. فقد ترجمتها من خلال الخطوط والتقنيات والحركة، وليس أدل على ذلك من الفستان الأصفر الفاقع الذي افتتحت به العارضة نتاليا فوديانوفا العرض وتكوّن من كشاكش من العنق إلى الأرض... كان بخفة الريش، وظهرت فيه كأنها عصفور كناري، خصوصاً أنه أخفى نصف وجهها. كانت هناك قطع أخرى تم تطريزها بسخاء وذكاء بحيث لم تُخلف أي انطباع بالمبالغة بقدر ما أثارت الإعجاب لأنها أخذت أشكال ورود طبيعية. ما يُحسب لماري كاترانتزو أنها ليست مطالبة بتبرير أي شيء تقدمه... فهي امرأة، وتفهم ما تريده المرأة أيا كانت مقاييسها.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.