حرير حسين كامل: عشت سنوات عمري في ظل رشاشات الحراسة

حفيدة صدام حسين تكتب مذكراتها

صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
TT

حرير حسين كامل: عشت سنوات عمري في ظل رشاشات الحراسة

صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين

وضعتُ إلى يمين الطاولة كتاب «حفيدة صدام... حرير حسين كامل» الذي انتهيت من قراءته للتو، وعلى غلافه «الداركنس» أنظر إلى الوجه الوسيم للحفيدة حرير، وهو مغطى بقماش مشبّك أسود!
فكرتُ أن سقوط نظام جدها وأبيها جلب لها بعض المنافع ربما، وإلا لم يكن بمقدورها الظهور – على هذه الشاكلة - في أرقى مطبوعات البعث، لو كان جدها وأبوها على قيد الحياة!
يا إلهي... أي ذكرى مخيفة ومرعبة، لصدام حسين ولنسيبه حسين كامل والد السيدة حرير في بالي؟! أنا الذي ولدت بعد عام واحد فقط من ثورة تموز «المجيدة» 1968، التي كان جدها أحد صناديدها! بيد أن ذكريات الخوف الممض والرعب الأليم التي اختبرتها وغيري من العراقيين، ينبغي ألا تحول دون الكتابة بتوازن وقليل من الإنصاف ربما!
ثم قلت: أنت مجرد مراسل صحافي يكتب تقارير سياسية مملة كل يوم، فما شأنك بالكتب والثقافة وذكريات السلطة في العراق ومن يقف وراءها!
ثم فكرت: لكنني أنفقت بـ«همّة» أكثر من عشر ساعات لإتمام ما كتبته السيدة حرير عن الأهوال والأحوال ومآل صدام حسين وأسرته، الذي حكم العراق بـ«النار والحديد» من عام 1979 وحتى عام 2003، إن استطعنا بمضض تجاوز أنه كان الحاكم الفعلي بعد عام 1968!
أن تنفق كل هذا الوقت في قراءة كتاب، فمعنى ذلك أنه أثار لديك، هناك... في أقصى زوايا الذاكرة، شجوناً يمكن أن تكتب!
حكم «النار والحديد» الذي أطلقته على حقبة حكم جدها، تعبير لن تتقبله السيدة حرير! هذا شيء مفهوم ومؤكد، ففي ظنها ويقينها - استناداً إلى ما كتبَت - أن جدها وأباها وعمها وخالاها عدي وقصي صدام حسين، عاشوا وماتوا في «البطولة وخدمة العراق»!
«العيش في البطولة» ليس كل ما سطرته حروف حرير في مذكراتها، إنما كتبت أيضاً أشياء غير قليلة كانت مصفوفة بحزم في خزانة أسرار العائلة الحاكمة الحديدية. على أن إخراج تلك الأسرار بدا في مراحل كثيرة من الكتاب أنه لم يكن دون دراية أو تخطيط مسبقين.
من الواضح، أنه أُريد من خلال المذكرات تحقيق مجموعة أهداف في مرمى الخسارة التي تكبدتها العائلة بعد 2003، سواء تلك الناجمة عن كسر هيبة الجد صدام حسين عبر الإسقاط الأميركي المباشر المدعوم بالرغبة الشعبية المعروفة حينذاك، أو الخسارة الشخصية التي تعرضت لها العائلة ووالدها حسين كامل، على يد أقرب المقربين إليه من آل عبد الغفور.
والمذكرات بعد ذلك، كتبت من حيث الأسلوب والانتقال بالأحداث، بطريقة جيدة تدل على عمل تحريري محترف، ولا يستبعد أن طبع الكتاب (لم يوضع له عنوان أو ذكر لدار النشر التي طبعته) تم بإشراف والدتها رغد صدام حسين، وهناك من يرى أنه كتب رداً على مذكرات منسوبة لبرزان التكريتي (أعدم عام 2007)، وهو أخ لصدام غير شقيق، والذي وجّه اتهامات وانتقادات لاذعة لوالد المؤلفة، حسين كامل.
ثم إنها - المذكرات - وكأي نص على مستوى من الأهمية، يمكن لمن يقرأه، أن يخرج بخلاصات تنسجم مع زاوية نظره لموضوع صدام وأسرته الحاكمة.
فالناقمون على أسرة صدام مثلاً، يمكنهم أن يُشبعوا مشاعر الكراهية والتشفي بتلك العائلة بضوء ما ورد في المذكرات؛ خاصة بالنسبة للخصومات العنيفة بين أجنحتها، حتى أن صدام كان يردد غالباً أن «العراق بجفة (كفة) وعائلتي بجفة»! كما تذكر الكاتبة، إلى جانب الأهوال التي اختبرتها العائلة طوال فترة حكمها، وحالة عدم الاستقرار والتنقل بين البيوت البديلة التي لازمتها تبعاً للدواعي الأمنية، التي بلغت ذروتها مع الهجوم الأميركي على العراق عام 2003.
كان يطلب من «عوائل» صدام دائماً إخلاء منازل سكنهم خلال 7 دقائق فقط! وهو الوقت الذي يستغرقه سقوط الصاروخ الأميركي على الهدف بعد عبوره الحدود العراقية، ولعل الأكثر دلالة على حافة المخاطر التي سارت عليها العائلة، ما قالته السيدة حرير في أحد أسطر مذكراتها: «عشت سنوات عمري منذ الولادة وإلى الزواج تحت ظل رشاشات الحراسة!».
يستطيع كذلك، أولئك الذين ما زالوا ينظرون إلى صدام كـ«زعيم أوحد للأمة» أن يدعموا تلك القناعة ببعض ما ورد في الكتاب من أفعال وسلوكيات، قام بها صدام في مواقف مختلفة، باعتبار أن الكتاب برمته مخصص لهذا الغرض، ومن تلك السلوكيات حب جدها للناس البسطاء، وطريقة ترحيبهم به عبر ترديدهم أهزوجة: «هلا بيك هلا»، كما تذكر الحفيدة في المتن.
غير أن من يتعامل مع النص بـ«برود محتمل»، فإنه سيجد كثيراً مما يثير الفضول والدهشة في عالم صدام حسين السري وعائلته.
«كل فتاة معجبة بأبيها»، هذه مسألة طبيعية، لذلك نجد أن المذكرات تتمحور بمعظمها حول «أبطالها» كما تسميهم، وهم كل من جدها صدام حسين (أعدم عام 2006) وأبيها حسين كامل، وأخيه صدام كامل (قتلا عام 1995 بعد عودتهما من الأردن) وأمها رغد صدام حسين، وخاليها عدي وقصي صدام حسين، وابن الأخير مصطفى (قتل الثلاثة على يد الأميركان بعد العثور عليهم مختفين في أحد المنازل بالموصل عام 2003).
لعل أبرز ما تكشفه المذكرات بالنسبة للحياة الداخلية لصدام وعائلته، هو إصرار الأخير على تزويج بناته وحفيداته في سن مبكرة، وقبل أن يبلغن سن الرشد المحدد في القانون العراقي، وهو 18 عاماً! فابنته الكبرى رغد، والدة الكاتبة، تزوجت من حسين كامل وهي بسن لا تتجاوز الـ15 عاماً، وكذلك بقية البنات.
كان صدام، وخلافاً للمعلن من توجهاته العلمانية، شديد التمسك بالقيم العشائرية، خاصة حين يصل الأمر لقضايا الزواج؛ حيث يُبلَّغ بسن الفتيات اللائي بلغن سن الـ15 عاماً، ليختار لهن ما يناسبهن من فتيان أبناء العمومة في العشيرة حصراً! مع ملاحظة أن صدام لم يكن يعنى العناية المناسبة بمستوى التعليم الذي تحصل عليه بنات العائلة، حتى أنه أنشأ مدرسة عادية؛ لكنها خاصة، لأبناء وبنات العائلة والمقربين منها فقط.
لم تشر المذكرات إلى عناية الأسرة الحاكمة بتعليم أبنائها أو بناتها، شأن الأسر الحاكمة والثرية، بعض اللغات الأجنبية أو الموسيقى؛ لكنها تشير في أكثر من موضع إلى عناية الأسر بالأكل والعطور والملابس وفق آخر صيحات الموضة العالمية، إضافة طبعاً إلى الاهتمام اللافت بتعليم فن الرماية واستخدام الأسلحة! وتذكر الكاتبة أن عطر صدام المفضل كان «أولد سبايس» قبل أن يتخلى عنه بسبب حساسية ألمت به.
يستطيع القارئ أيضاً أن يكتشف التناقض الصارخ فيما تذكره الكاتبة عن جدها وأفراد الأسرة من «مآثر»، وبين ما عرف لدى عامة العراقيين من سلوكيات لأفراد تلك الأسرة.
ففي مطلع الكتاب (صفحة 10) تقول الكاتبة إن جدها كان لا يسمح لعائلته بشرب «البيبسي» أيام حقبة الحصار الاقتصادي، في تسعينات القرن الماضي؛ لأن «من المعيب أن يمنع صدام (البيبسي) عن الشعب العراقي، ثم يكون حاضراً على مائدة صدام حسين»؛ لكنها لم تفسر لنا – مثلاً - كيف كان صدام حسين يسمح لنفسه بركوب عربة من الذهب الخالص في يوم الاحتفال بعيد ميلاده؟!
كذلك تقول الكاتبة إن خالها عدي صدام حسين كان يصلي ويصوم يومي الاثنين والخميس، وهو المعروف بنزقه وحفلاته الليلية الصاخبة، التي كانت السبب في هروب زوجته وابنة عمه برزان، وعودتها إلى عائلتها في سويسرا!
تبدأ حرير، المصابة بربو ولادي، مذكراتها بما تسميه «العصر الذهبي»، وتقصد به منتصف ثمانينات القرن الماضي؛ حين ولدت وسماها جدها وحملها بين يديه. وتقول: «كان له طقس لم يكسره منذ أول حفيده له وحتى (استشهاده)، الرجال يسميهم آباؤهم وأمهاتهم والنساء(الحفيدات) يسميهن هو بنفسه». وعملية التسمية تتم دائماً بأن «يفتح المصحف الكريم على أي صفحة، ويبدأ القراءة، وإذا صادفه اسم يرى أنه يصلح وتنطبق عليه المواصفات، سمَّى به الحفيدة».
وتستمر في سرد تفاصيل العصر الذهبي لصدام وأسرته، وكيف كان ينادي زوجته، ساجدة خير الله «سجيدات». وتذكر أنه كان يوجد في «كل قصر وكل بيت مسبح خاص... لا يفرغ إلا نادراً».
في الفصل الثاني من الكتاب، تتحدث عن طفولتها المبكرة وخاليها قصي وعدي، وكيف أن تطلعات الأخير لم تكن متوافقة مع تطلعات أبيه صدام «ما أدى إلى صدامات بشكل مباشر بينهما». وتعترف أن خالها «كان ابناً مدللاً، وقد أثَّر ذلك بشكل أو بآخر على سمعته في المجتمع العراقي».
تحلو للحفيدة المقارنة على طول خط المذكرات بين عهد جدها «الذهبي» وعهد «العملاء» بعد 2003، وفاتها أن العقل العربي عموماً ومنه العراقي، عقل مقارنة وليس عقل تجريد، لذلك كان العراقيون، زمن جدها، ينظرون بإكبار ومحبة للعهود التي سبقته، خاصة عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، ويعتبرونه عهد بساطة وتسامح، مقارنة بعهد جدها شديد القسوة والتوحش.
في الفصل الرابع تتحدث عن الخلافات داخل أسرة صدام وبقية العوائل من أبناء عمومته، وأغلبها لا تتجاوز حدود الخلاف على تزويج النساء، والمصالح المالية، والأطماع المتعلقة بالمنصب، والقرب من شخص الرئيس.
ثم تتحدث في الفصل الخامس عن بنات صدام الثلاث، رغد ورنا وحلا، وكيف أن الأخيرة ساءت علاقتها بالاثنتين بعد هروبهما وزوجيهما إلى الأردن عام 1995.
وفي الفصول اللاحقة تتحدث عن حادث الهروب، ولا تذكر الكاتبة السبب الحقيقي وراءه؛ لأنها تريد المحافظة على صورة علاقة التضامن الوردية التي رسمتها لـ«أبطالها»، لذلك نراها تقول: «مع ازدياد الحقد والغيرة من والدي، خاصة من الحلقة الأقرب إلى جدي، لم تعد الأمور كما كانت، والطعنة الحقيقية جاءت من أعمامه ومن أقاربه» وتقصد أعمام أبيها آل عبد الغفور، الذين أصدروا بياناً كذبوا فيه ما ورد في المذكرات من طعن بهم.
ثم بعد ذلك تتحدث عن العيش في الأردن، ورعاية الملك الراحل الحسين بن طلال، وزياراته المنتظمة لهم. وتذكر أن جدها كان يحبه، وأن «العراق خصص راتباً ثابتاً للعائلة المالكة الأردنية» في تلك السنوات. ثم تتحدث عن عودتهم إلى العراق، والمجزرة التي ارتكبتها عشيرة صدام ضد أبيها بمنزل في بغداد، وبإشراف مباشر من خالها عدي صدام حسين، وعلي حسن المجيد، عم أبيها الذي قتل في الحادث، ومعه شقيقه صدام كامل، وأبوهما كامل حسن المجيد، وجميع أفراد أسرة عمها الآخر حكيم كامل، زوجته وأبناؤه وبناته، وضمنهم طفل في سن الرضاعة!
ثم تصل إلى لحظة عام 2003، والصعوبات التي وجدتها أمها وخالتها في الفرار من بغداد، وصولاً إلى سوريا رفقة 9 من الأبناء والبنات، وكيف أنهم نجوا أكثر من مرة من الموت بأعجوبة، وكيف كانوا لا يثقون بحماية جدتها ساجدة خير الله: «لم نكن نحب الحرس الخاص بجدتي ساجدة، ولا نحس بلحظة من الأمان معهم!» وتذكر أن جدتها تعيش حالياً في دولة قطر.
الخلاصة، أن أغلب فصول المذكرات تزخر بـ«مديح مبالغ لعهد جدها» وبحالة الخوف المتواصل الذي كان يشعر به صدام وعائلته، والاحترازات الأمنية المتشددة، وذلك يكشف بداهة عن أن الحاكم الخائف لا يمكن إلا أن يحكم بلداً وشعباً خائفين.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.