تقرير حال الإعلام البريطاني: ضرورة ملحة لدعم الصحف المحلية لمحاربة الصوت الواحد

«غوغل» و«فيسبوك» تحصدان 54 % من إجمالي الإنفاق الإعلاني الرقمي

مسافرون يقرأون الصحف في قطار أنفاق لندن عام 1963 (غيتي)
مسافرون يقرأون الصحف في قطار أنفاق لندن عام 1963 (غيتي)
TT

تقرير حال الإعلام البريطاني: ضرورة ملحة لدعم الصحف المحلية لمحاربة الصوت الواحد

مسافرون يقرأون الصحف في قطار أنفاق لندن عام 1963 (غيتي)
مسافرون يقرأون الصحف في قطار أنفاق لندن عام 1963 (غيتي)

التحولات التقنية في عالم صناعة الإعلام من انتشار مواقع الأخبار على الشبكة العنكبوتية، والضغوط المتزايدة على الإعلام الورقي المكتوب، ومخاوف الأخبار الكاذبة، إلى جانب تحول التمويل الإعلاني إلى عمالقة الإنترنت، من أمثال «غوغل» و«فيسبوك»، أثارت مخاوف في أوساط الصناعة وبين مسؤولي الحكومة البريطانية. لذلك؛ اتخذت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي خطوة تكليف الباحثة الاقتصادية المرموقة فرانسيس كيرنكروس بإعداد تقرير عن حالة الإعلام البريطاني، وتقديم اقتراحات لتحسين الوضع الحالي، في عام 2018. وبعد سنة كاملة من البحث، قدمت كيرنكروس تقريرها النهائي وتوصياتها التي نشرت الأسبوع الماضي.
وصفت كيرنكروس تقريرها بالقول: إن الاقتراحات التي تقدمت بها من شأنها أن تحسّن الأفق للصحافة عالية المستوى، وأن تشجع نماذج إعلامية جديدة ليس فقط من ناحية التقنيات المتاحة، بل أيضاً من جوانب التجديد وأساليب المهنة الصحافية. واستعانت بخبراء إعلام من الصحافة الوطنية والإعلام الرقمي وصناعة الإعلان، كما ركزت في تقريرها على استعادة التوازن بين ناشري الأخبار وبين المنصات الرقمية التي تنشر ما ينتجونه. يأتي التقرير في مرحلة بها الكثير من المتغيرات في التقنية وتوجهات المستهلك؛ مما يمثل تحديات للصحافة ذات النوعية الجيدة، سواء في بريطانيا أو حول العالم.
وترى كيرنكروس، أنه في بعض الأحيان لا بد من الإشراف الحكومي من أجل التزام منصات أخبار الإنترنت بمعايير إعلامية لتحسين الثقة في الأخبار التي تبثها مع تعيين مراقب عليها. كما يتعين على الحكومة النظر في الدعم المباشر لمصادر الأخبار المحلية، وتقديم إعفاءات ضريبية للإعلام الذي يتوجه للصالح العام. كما طالب التقرير بمؤسسة توفر الدعم عبر صندوق خاص بالابتكار في مجال الأخبار التي تهم الصالح العام.
من بين التوصيات الأخرى التي قدمتها كيرنكروس:
- الالتزام بمعايير جديدة لاستعادة التوازن بين الناشرين وبين منصات الإنترنت.
- تنظر لجنة الاحتكارات في سوق الإعلان الرقمي للتأكد من وجود منافسة عادلة.
- لا بد أن تبذل منصات الإنترنت جهداً في تحسين حصول مستخدميها على الأخبار بأسلوب جيد وتحت رعاية من جهات رقابية.
- تنظر مؤسسة «أوفكوم» الحكومية للرقابة الإعلامية ومنع الاحتكار في نشاط أخبار هيئة الإذاعة البريطانية، وعما إذا كانت بعض المجالات يمكن خدمتها بطريقة أفضل من مؤسسات تجارية.
- على هيئة الإذاعة البريطانية أن تقدم المزيد من الدعم للناشرين المحليين بحيث تكون الأخبار التي تقدمها مكملة للأخبار المحلية.
- لا بد من تأسيس معهد مستقل لتوفير الأخبار التي تهم الصالح العام في المستقبل.
- ضرورة إنشاء صندوق للابتكار يساهم في تحسين توفير الأخبار التي تهم الصالح العام.
- إعفاءات ضريبية لتشجيع الدفع مقابل الأخبار الرقمية ولدعم الإعلام المحلي والصحافة الاستقصائية.
- توسيع مجال الدعم المالي لمصادر الأخبار المحلية بمساهمة هيئة الإذاعة البريطانية؛ لأنها تدعم تعددية الأصوات والديمقراطية.
وسوف تنظر الحكومة البريطانية في هذه التوصيات بالتفصيل، وفق ما أعلنت، ويكتب وزير الثقافة جيريمي رايت إلى سلطات منع الاحتكار و«أوفكوم» وغيرهما لفتح مناقشة حول تطبيق هذه التوصيات كل في مجاله. وترد الحكومة على توصيات التقرير خلال العام الحالي.

دواعي التقرير
هناك الكثير من التحديات التي تواجه الإعلام البريطاني الرصين من صحف قومية ومصادر أخبار ومجلات ومحطات تلفزيونية. مصدر هذه التحديات هو التوغل الرقمي الذي لا يعرف حدوداً جغرافية، وشبه الاحتكار في مجالات التواصل الذي تنفرد به مؤسسات عملاقة تعمل على نطاق عالمي. فهي لا تجذب فقط ملايين المستخدمين، بل تجذب معهم أيضاً مليارات الدولارات من الإيراد الإعلاني الذي تحول إليها من وسائل الإعلام المحلية، خصوصاً الصحف والتلفزيون.
هناك أيضاً مخاوف جانبية عبر عنها مستخدمو الأخبار، وهي كيفية التعرف على الأخبار الكاذبة التي تحولت إلى ظاهرة اسمها «Fake News». فقد اعترف ربع مستخدمي منصات الإنترنت بأنهم لا يعرفون كيفية التعرف على هذه الأخبار أو التحقق منها.
ويرى التقرير، أن على منصات الإنترنت التعرف السريع على الأخبار الكاذبة وإزالتها من على المواقع. ويتهدد خطر الأخبار الكاذبة الصحافة المكتوبة، سواء الورقية أو على الإنترنت؛ لأنها توفر أكبر نسبة من الأخبار الأولية المؤثرة مقارنة بالراديو والتلفزيون، وخصوصاً جانب الصحافة الاستقصائية منها.
وفي حين يعترف التقرير بوجود أزمة تحول في مجال الإعلام، كما هو الحال في الكثير من المجالات الأخرى، إلا أن بعض التوصيات تثير تساؤلات أكثر مما تجيب عن مخاوف. فما هي الحاجة مثلاً «إلى معهد مستقل لتوفير الأخبار التي تهم الصالح العام في المستقبل» أو تأسيس صندوق للابتكار؟ كما أن توفير حوافز حكومية أو إعفاءات ضريبية، أو حتى إشراف حكومي، سواء على الصحف أو على مصادر أخبار الإنترنت، كلها عناصر تتعارض جذرياً مع حرية الصحافة المفترضة، خصوصاً تلك التي تتوجه «إلى الصالح العام». ولا يهدف التقرير إلى حماية الناشرين أنفسهم، وإنما يتطلع إلى توفير المناخ عالي الكفاءة الذي يعملون فيه.

ردود الأفعال
تباينت ردود الأفعال من مواقع الإعلام المختلفة، خصوصاً تلك التي سبق لها التفاعل مع لجنة كيرنكروس. وكانت أبرز التعليقات من الجهات التالية:
- «فيسبوك»: أكد متحدث من «فيسبوك»، أن الشركة ملتزمة تماماً بدعم الناشرين في بريطانيا، والتأكد أن الجمهور يتصفح أخباراً ذات مصداقية على «فيسبوك». وأضاف المتحدث: إن «فيسبوك» تعاون مع فريق إعداد تقرير كيرنكروس خلال فترة عمله، وإنه يراجع توصيات التقرير. وأضاف: «كما أشار التقرير، فقد أحرزنا بعض التقدم في توفير بعض الأدوات التي تمكّن المستخدمين من تحديد الأخبار التي يعتمد عليها على موقعنا، بما في ذلك زر يوضح مصادر الأخبار على الموقع».
كما دشن «فيسبوك» صندوقاً في بريطانيا قيمته 4.5 مليون إسترليني لدعم جرائد المحليات في أنحاء البلاد. ووعد «فيسبوك» بالاستمرار في العمل مع الحكومة والمسؤولين والناشرين لتوفير نماذج مستدامة للأخبار ومنصة يمكن الاعتماد عليها لنشر أخبار ذات مصداقية.
- «غوغل»: وقال نائب رئيس الشركة لقطاع الأخبار رتشارد غينغراس: إن الموقع ملتزم بتقديم خدمات إعلامية لها قيمة، حيث يقوم الموقع بالتعامل مع البحث عن مصادر أخبار 10 مليارات مرة كل شهر. وأضاف: إن الشركة تشارك الناشرين في 70 في المائة من إيرادها الإعلامي.
- هيئة الإعلان: وهي تمثل صناعة الإعلان البريطانية وقالت: إنها تدعم تماماً الحاجة إلى صناعة إعلام جيدة ومستقلة ومستدامة على المدى البعيد. وفيما يتعلق صناعة الإعلان على الإنترنت، ترى الهيئة أن أي خطوات تتخذ في هذا المجال يجب أن تكون متناسبة مع الواقع ومبنية على أدلة؛ حتى لا يتضرر أحد من أطراف منظومة الإعلانات من المعلن والوكالة ووسائل الإعلام أو الشركات التقنية.
- لجنة الثقافة والإعلام والرياضة: وهي لجنة حكومية يرأسها داميان كولينز، الذي رحب بالتقرير وبالحاجة إلى قواعد للمهنة تعم على منصات الإعلام الإلكتروني ووسائط التواصل الاجتماعي. واقترح كولينز، أن تقوم شركات التواصل الاجتماعي بتطوير الأدوات التي تساعد مستخدميها، وأن تنظم المحتوى على مواقعها. لكنه اعترض على تأسيس معهد مستقل لتوفير الأخبار التي تهم الصالح العام، وقال: إن المؤسسات القائمة تكفي للقيام بالمهمة.
- وزير الدولة للثقافة والإعلام والرياضة، توم واطسون: وكان له اعتراضاته على التقرير، حيث اعتبر أن المطالبة بإعفاءات ضريبية على وسائل أخبار رقمية تهم الصالح العام هي فكرة تنتمي إلى حزب العمال، كما أن مهاجمة هيئة الإذاعة البريطانية هي في الواقع مهاجمة للجهة الخطأ. واعتبر واطسون أن المشكلة الحقيقية تكمن في حصول «فيسبوك» و«غوغل» على نصف الدخل الإعلاني البريطاني؛ مما يجعل تطوير وسائل الإعلام المستقلة على أسس مالية مستدامة مسألة صعبة المنال.
> هيئة الإذاعة البريطانية: نفى متحدث عن الهيئة وجود أي دليل على أن «بي بي سي» تزاحم أي مصادر أخبار محلية. وأضاف: إن الهيئة مستعدة لمشاركة الناشرين المحليين بالتقنيات والخبرة، لكن سحب خدمات الهيئة من توفير الأخبار المحلية سوف تكون نتائجه عكسية لما يريد التقرير.

الإعلام البريطاني الورقي خسر ثلثي إيراداته الإعلانية في 10 سنوات
> أكد تقرير حول ديناميكية سوق الإعلام في بريطانيا كان ضمن المصادر التي اعتمد عليها تقرير كيرنكروس، أن موارد الإعلان للإعلام المطبوع تراجعت بنسبة الثلثين في السنوات العشر حتى عام 2017 . كما أشار التقرير إلى أن توزيع الصحف القومية في بريطانيا تراجع من 11.5 مليون نسخة في عام 2008 إلى 5.8 مليون نسخة في عام 2018.
وفيما يتعلق بالصحف المحلية فقد تراجع توزيعها من 63.4 مليون نسخة أسبوعياً في عام 2007 إلى 31.4 مليون نسخة أسبوعياً في عام 2017.
وبين عامي 2007 و2017 تراجع توزيع الصحف بشكل عام بنسبة النصف. وما زال تيار التراجع مستمراً. أما عدد الصحافيين المتفرغين في بريطانيا، فقد تراجع من 23 ألف صحافي في عام 2007 إلى 17 ألفاً في العام الحالي، وما زال العدد يتناقص.
وفيما يتعلق بالإيراد الإعلاني، زاد الإنفاق الإعلاني البريطاني على الإنترنت من 3.5 مليار إسترليني (4.5 مليار دولار) في عام 2008 إلى 11.5 مليار إسترليني (14.9 مليار دولار) في عام 2017، بنسبة نمو سنوية تبلغ 14 في المائة. وفي المتوسط، تذهب نسبة 62 في المائة من الإنفاق الإعلاني على الإنترنت إلى الناشر، وهي نسبة متفاوتة بين 43 و72 في المائة. وحصلت «غوغل» و«فيسبوك» على نسبة 54 في المائة من إجمالي الإنفاق الإعلاني الرقمي. ويعتمد الناشرون على الإعلانات التي تحولت الآن إلى أنظمة أتوماتيكية مبرمجة بالكامل وتعتمد على حجم المرور بالموقع الإخباري.



ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
TT

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)

أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن. لكن إقالة مسؤولي «ستارز آند سترايبس»، بعد دفاعهم عن استقلالها التحريري، وضعت البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) أمام سؤال يتجاوز مصير ثلاثة موظفين: أين تنتهي سلطة الوزارة في إدارة الصحيفة، وأين يبدأ تدخلها في مضمونها؟

تزداد دلالة القضية لدى تزامنها مع قيود على حركة مراسلي الدفاع، واستبعاد صحافيين من اجتماعات لوزارة الخزانة، وتجدد دعاوى الرئيس دونالد ترمب على مؤسسات إعلامية، فضلاً عن تغييرات واسعة في قيادة المؤسسة العسكرية. بالتالي، بين تأكيد الإدارة أنها تحمي المعلومات الحساسة وتفرض الانضباط، وتحذير منتقديها من إخضاع الإعلام والمؤسسات لاختبارات الولاء، بات الخلاف يدور حول الجهة التي ترسم حدود الخبر المستقل عندما تكون الحكومة مموّلاً للصحيفة، ومصدراً للمعلومة، وموضوعاً للتغطية في الوقت نفسه.

إريك سلافين (ستارز آند سترايبس)

استقلال على المحك

بدأت القضية عندما أخطرت وزارة الحرب ناشر «ستارز آند سترايبس» ماكس ليديرر، ورئيس تحريرها إريك سلافين، والمراسلة لارا كورتي، بإنهاء خدماتهم في 21 أغسطس (آب) المنصرم، عازية القرار إلى «العصيان».

وذكرت تقارير صحافية أن كورتي وسلافين كانا قد دافعا في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» عن استقلال الصحيفة، ورفض ليديرر طلباً بإقالتهما. وردّ الثلاثة برفع دعوى اتحادية اتهموا فيها الوزارة بالانتقام منهم بسبب كلامهم، وبسبب تغطية أوضاع البحارة على حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن» إبّان مهمتها الطويلة المرتبطة بـ«حرب إيران». أما «البنتاغون» فلم يعلق على الاتهامات التفصيلية، وتمسّك بوصف المخالفة إدارياً.

ومنح تدخل القضاء القضية بعداً يتجاوز نزاعاً وظيفياً. فقد وافقت الوزارة على إبقاء الثلاثة في إجازة إدارية وتأجيل تنفيذ الإقالة حتى جلسة عقدت في 4 سبتمبر (أيلول) الحالي. وقضت المحكمة بالسماح مؤقّتاً بالمضي في الإقالات، ليس بسبب حق «البنتاغون» في الرقابة، بل لأن كلام كورتني وسلافين مع الشبكة جاء ضمن واجباتهما الوظيفية، لا بصفتهما مواطنين يحظون بحماية التعديل الدستوري الأول. ومع ذلك لم يحسم الحكم أصل الدعوى المتعلق باستقلالية الصحيفة.

لارا كورتي (بوليتيكو)

خصوصية النزاع

خصوصية النزاع أن «ستارز آند سترايبس» ليست صحيفة خاصة عادية ولا نشرة علاقات عامة عسكرية. بل هي مموّلة جزئياً من وزارة الحرب، لكن القواعد الناظمة لعملها تشدد على تدفق الأخبار من دون إدارة أو رقابة، وعلى عدم حجب الأخبار السلبية عمداً. ولهذا أثارت خطة «التحديث» التي بدأها «البنتاغون» هذا العام اعتراضات واسعة: فلقد قيّدت استخدام وكالات الأنباء، وربطت المحتوى بمقتضيات «النظام والانضباط»، وأُقيلت أمينة المظالم المكلفة حماية الاستقلال، ثم عُيّن ضابط في الخدمة نائباً للناشر. وتدّعي الوزارة أن على الصحيفة أن تحمي المعلومات المصنّفة (سرّيةً أو شبه سرّية) وتتفادى ما يضرّ بالأمن القومي؛ لكن المُعترضين يخشون أن يتحوّل معيار أمني مشروع إلى باب فضفاض للتدخل في الاختيارات التحريرية.

ماكس ليديرر (ستارز آند سترايبس)

من «البنتاغون»... إلى الخزانة

لا تقف المسألة عند الصحيفة العسكرية. فمنذ الخريف الماضي، فرض «البنتاغون» قواعد اعتماد اعترضت عليها معظم المؤسسات الكبرى، بما فيها وسائل محافظة، لأنها قد تعرّض الصحافي لفقدان بطاقته إذا سعى إلى معلومات لم تجز الوزارة نشرها، حتى عندما لا تكون سرية.

وفي مارس (آذار) قضت محكمة اتحادية بأن أجزاء من السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس، لكن الوزارة أصدرت قواعد بديلة شملت تقييد الحركة واشتراط المرافقة. ثم في يونيو (حزيران)، صُنّف المكتب الصحافي مساحة مخصّصة للتعامل مع معلومات حسّاسة، ومُنع المراسلون من دخوله.

وهكذا انتقل الخلاف من سؤال حول حماية الأسرار إلى سؤال أوسع عن مقدار الوصول اللازم كي تظلّ الرّقابة الصحافية ممكنة. وامتد الجدل إلى وزارة الخزانة التي رفضت اعتماد مراسلين من صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وقناة «بلومبرغ» لتغطية اجتماعات وزراء مالية «مجموعة العشرين» في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولينا. وأفادت الخزانة بأن نحو 300 إعلامي من 12 دولة حصلوا على وصول واسع، وأن التغطية ينبغي أن تلتزم الوقائع لا أن تطارد النقرات والإثارة. كذلك ذكّر الوزير سكوت بيسينت بأن الاستبعاد لا يتعلّق بوجهات النظر، لكن الوزارة لم تقدّم تفسيراً محدداً لاختيار المراسلين المُستبعَدين، ما أبقى الشُّبهة قائمة لدى المؤسّسات الثلاث، لا سيما مع وجود حرب وعقوبات وتضخّم وأسواق سندات على جدول الاجتماع.

من جانب آخر، حدّث ترمب دعوى تشهير يطالب فيها «نيويورك تايمز» ودار «بنغوين راندوم هاوس» للنشر بـ15 مليار دولار، مضيفاً تفاصيل يدّعي أنها تثبت تعمّد الإضرار بسمعته التجارية والسياسية. ويُذكر أنه سبق للمحكمة رفض الصيغة الأولى لإفراطها في الطول والاستطراد، قبل إعادة تقديمها؛ في حين تؤكد الصحيفة دقة عملها، وتقول إن الشكوى لا تثبت «سوء النّية الفعلي» المطلوب قانوناً. وللعلم، الدعاوى حقٌ متاح لأي متضرِّر، لكن كثرتها، مقترنة بقيود الوصول، هي ما يدفع منظّمات الصحافة إلى التحذير من أثر «ترهيبي» حتى عندما تنتهي بعض القضايا بالرفض.

كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي

اختبار حياد المؤسسة

في أي حال، تكتسب معركة الإعلام هذه حساسيتها الأكبر لأنها تتزامن مع تغيير واسع في قيادة المؤسّسة العسكرية. ووفق إحصاء نشرته قناة «سي بي إس نيوز»، غادر أو أُقيل ما لا يقل عن 20 جنرالاً وأميرالاً ومسؤولاً مدنياً منذ تولّي بيت هيغسيث وزارة الدفاع، أي ما يعادل 10 في المائة من أفراد القيادة. وجاءت استقالة وزير الجيش دان دريسكول يوم 31 أغسطس، بعد إقالة رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، لتعمّق الأسئلة حول مسار التحديث والقيادة خلال الحرب.

ويرى منتقدون ديمقراطيون ومسؤولون سابقون أن الإقالات تُضعِف الخبرة وتقرّب المؤسّسة من اختبارات الولاء، بينما يملك الرئيس ووزير الدفاع قانوناً سلطة تغيير كبار القادة، وتقول الوزارة إن الحديث عن الفوضى «لا أساس له»، وإنها تعيد التركيز على الجاهزية و«روح المحارب». أيضاً، لا تثبت التغييرات، بمجرد حدوثها، أن كل قائد أُبعِد لأسباب حزبية، مثلما لا تجعل كل قاعدة أمنية عملاً من أعمال الرقابة. لكن المشكلة تكمن في الأثر التراكمي وفي نقص التفسيرات العلنية. ذلك أنه كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة، صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي. ثم إن التقارير عن تعيين شخصيات إعلامية مُتماهية مع خطاب «ماغا» السياسي اليميني في وظائف مدنية داخل «البنتاغون»، واستمرارها في الترويج لهيغسيث ومهاجمة منتقديه، تعزّز الانطباع بأن المسألة تتعلّق بإدارة الرواية أيضاً، لا بضبط التسريبات فحسب.

بناءً عليه، يرى المُنتقدون أن القضية لا تدور في جوهرها حول امتيازات المراسلين، بل حول علاقة السلطة بالمعلومة في زمن حرب. فالإدارة تستطيع وضع قواعد لحماية الأسرار ومحاسبة الموظفين، لكن هذه السلطة تُصبح موضِع شكٍ عندما تغيب المعايير المُتساوية والتفسيرات القابلة للفحص. وستحدِّد المحاكم والكونغرس، بقدر ما تحدد قرارات «البنتاغون»، ما إذا كانت «ستارز آند سترايبس» ستبقى نموذجاً لصحافة مستقلّة داخل مؤسّسة عسكرية، أم تتحوّل إلى علامة على أن إعادة تشكيل واشنطن شملت أيضاً تضييق المسافة بين الخبر الرسمي والخبر المستقلّ.


مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
TT

مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)

باشرت مؤسسات إعلامية في إعادة تنسيق محتواها، ما يسمح لأدوات الذكاء الاصطناعي بقراءته، وترشيحه في إجاباتها عن أسئلة المستخدمين، وهو اتجاه عدّه خبراء مؤشراً على تحوّل في سوق الإعلام الرقمي فرضته قواعد السوق، وزيادة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي.

وبحسب تقرير نشره موقع «دي جي داي» الأسبوع الماضي، فإن مؤسسة «يو إس إيه توداي» الأميركية بدأت فعلاً في اختبار طُرقٍ جديدة لتنسيق المحتوى، ولتمكين محرّكات الذكاء الاصطناعي من قراءته في خطوة «تستهدف تعزيز فرص (يو إس إيه توداي) في إبرام اتفاقات لترخيص محتواها لدى شركات الذكاء الاصطناعي». ونقل الموقع عن مايك ريد، رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي لـ«يو إس إيه توداي»، قوله إن «المؤسسة باتت مطالبة بإنتاج وتنسيق المحتوى للبشر والآلات معاً».

للعلم، «يو إس إيه توداي» ليست وحدها في هذا الاتجاه، بل بدأت مؤسسات أخرى مثل «تايم» و«ذا إيكونوميست» بإنتاج محتوى يسهل على محركات الذكاء الاصطناعي قراءته.

وفي تعليق لـ«الشرق الأوسط» اعتبرت مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي، وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي الليبية، إعادة هيكلة المحتوى الرقمي الموجّه إلى الآلة «تحولاً فرضته التحوّلات البنيوية في سلوكيات البحث، وسوق النشر الرقمي».

وأوضحت أن «التعامل مع الذكاء الاصطناعي لم يعُد يقتصر على الصراع القانوني حول الملكية الفكرية، بل امتد إلى بناء نموذج عمل تقني وتجاري متكامل، وقائم على تحويل المحتوى إلى أصل معرفي مُصمم خصيصاً للذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن «المؤسسات الإعلامية تسعى الآن إلى ضمان ظهور محتواها في أنظمة البحث الذكي، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وتسهيل قراءته عبر الأجهزة المختلفة، وزيادة تفاعل الجمهور، وإعادة استغلال الأرشيف الصحافي لإنتاج محتوى متجدد يعزز الموثوقية، وفرص تحقيق العائدات المادية... وبالتالي، فهذه الاستراتيجية تساعد المؤسسات الإعلامية في تنويع أرباحها عبر بيع بياناتها لشركات التقنية، وتقليل الاعتماد على الإعلانات التقليدية، وأيضاً تحمي حقوقها الفكرية، وترسخ مكانتها كمصدر موثوق، مع ظهور اسم العلامة التجارية مباشرة في إجابات محركات الذكاء الاصطناعي».

مع هذا ترى مي عبد الغني أن «ذلك سيكبّد المؤسّسات الإعلامية تكاليف باهظة، ويضعها أمام تحدّيات تقنية لتعديل بنيتها، وتحمّل تقلبات الخوارزميات، مع تراجع الزيارات المباشرة لمواقعها، لاكتفاء المستخدم بإجابات الذكاء الاصطناعي»، مشددة على أن «هذا التحول يهدّد بتعميق الفجوة بين المؤسسات الكبرى والصحافة المحلية».

ومن ثم، تابعت: «إن مستقبل الصحافة يتشكّل عبر معادلة توازن بين احتياجات القارئ ومتطلبات الآلة وفق نموذج ثنائي الطبقات: الطبقة الأولى تتعلق بالإنتاج التحريري البشري، وتركّز على القيمة المُضافة التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن تقديمها، كالتحقيقات الميدانية، والتحليلات العميقة، والحوارات الحصرية، والتجارب الإنسانية، أما الطبقة الثانية فإنها تتعلّق بالتوزيع، والتهيئة البرمجية؛ حيث تتولّى الخوارزميات آلياً تفكيك المقال، وتحويله إلى صيَغ رقمية، ومعالجة بياناته الوصفية، لتسهيل استهلاكه عبر برمجيات الذكاء الاصطناعي».

وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية تعرف باسم «GEO»، أي «تحسين المحتوى بما يناسب محركات الذكاء الاصطناعي»، وهذه استراتيجية شبيهة بتلك الخاصة بتحسين المحتوى ليتوافق مع خوارزميات محركات البحث التقليدية «SEO».

من جانب آخر، يرى محمد الصاوي، الباحث المصري المتخصص، والمحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، أن الاتجاه نحو إعداد محتوى أكثر قابلية للفهم والوصول من جانب روبوتات ومحركات الذكاء الاصطناعي يعد «مؤشراً مهماً على تحول في طبيعة صناعة المحتوى الإعلامي واقتصادياته».

وهنا أوضح الصاوي لـ«الشرق الأوسط» أن «المؤسسات الصحافية لم تعُد تفكر فقط في كيفية جذب القارئ إلى مواقعها، إنما أيضاً في كيفية جعل محتواها مصدراً يمكن أن تعتمد عليه أدوات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع ظهور سوق متنامية لترخيص المحتوى لشركات الذكاء الاصطناعي».

وأردف أن «هذا التحول يتجاوز الصحافة، ويمتد إلى العلاقات العامة، وإدارة السمعة، وأبحاث الصورة الذهنية للحكومات، والشركات، والمؤسسات»، مشيراً إلى أنه «جرت العادة على قياس الحضور الإعلامي من خلال مؤشرات مثل الحصة الصوتية، وتحليل المشاعر، واتجاهات التغطية، لكن ظهر اليوم مستوى جديد من القياس يتمثل في كيفية ظهور المؤسسة في إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي، ومدى دقة ما تقدمه من معلومات».

بالتالي، لا يرى الصاوي أن «المستقبل يعني أن الصحافة ستكتب للآلة بدلاً من الإنسان... بل ما يحدث يدل على اتجاه الصحافة للكتابة للآلة والإنسان معاً، وكما فرضت محرّكات البحث، في السابق، مفاهيم مثل تحسين الظهور في محركات البحث، يظهر الآن مفهوم جديد يتعلق بمدى حضور المؤسسة ومعلوماتها ومصادرها داخل إجابات الذكاء الاصطناعي».

واختتم بالقول إن «قدرة المؤسّسة على التأثير في البيئة المعلوماتية التي تتشكّل منها إجابات الذكاء الاصطناعي ستعدّ في المستقبل مؤشراً جديداً من مؤشرات الحضور، والسمعة الإعلامية».


«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
TT

«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)

وقّعت مجموعة «STC» والمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) مذكرة تفاهم لاستكشاف مجالات تعاون استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرات الإنتاج الإعلامي بالمملكة، وذلك على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» بالعاصمة الرياض.

وجاءت المذكرة لتجمع بين قدرات «STC» في البنية التحتية الرقمية والاتصالات والحوسبة السحابية، وخبرات «SRMG» في الإعلام وصناعة المحتوى والإنتاج، حيث يركز التعاون على دعم منظومة الإنتاج السعودية، وتعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل البلاد وخارجها.

ويعكس التعاون بين «STC»، ممكّن التحوّل الرقمي، و«SRMG»، أكبر مجموعة إعلامية متكاملة بالمنطقة، التزاماً مشتركاً بتطوير التقنيات والمنصات والقدرات الإنتاجية التي تدعم مكانة السعودية وجهةً إقليميةً وعالميةً رائدة في مجال إنتاج المحتوى.

من جانبه، قال رياض معوّض، الرئيس التنفيذي لوحدة الأعمال في «STC»: «نمتلك البنية التحتية والقدرات السحابية والخبرات التقنية اللازمة لدعم الجيل القادم من الإنتاج الإعلامي بالمملكة»، مضيفاً: «من خلال شراكتنا مع (SRMG) نجمع بين هذه القدرات والخبرات الإعلامية الرائدة في المنطقة للعمل معاً على تطوير قطاع إنتاج المحتوى» في السعودية.

توقيع مذكرة التفاهم بين المجموعتين على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» في الرياض (SRMG)

بدورها، أوضحت جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي لـ«SRMG»، أن «التكنولوجيا تعيد تشكيل صناعة الإعلام، بالتوازي مع تغير سلوك الجمهور وتزايد الطلب على محتوى عالي الجودة يُقدَّم بسرعة وعلى نطاق واسع»، مؤكدة مواصلتهم «الاستثمار في القدرات والشراكات والمنصات التي تعزز طرق صناعة المحتوى وتقديمه».

وأشارت الراشد إلى أنه «من خلال تعاوننا مع (STC)، سنستكشف نماذج إنتاج أكثر ترابطاً، ومدعومة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما يسهِم في دعم المواهب السعودية والنمو المستمر لقطاع الإعلام بالمملكة».

وبموجب المذكرة، سيستكشف الجانبان فرص التعاون ضمن خمسة مجالات رئيسية، تشمل توفير حلول اتصال عالية الكفاءة، بما في ذلك الألياف الضوئية والحوسبة الطرفية، لدعم الاستوديوهات الحديثة وبيئات الإنتاج عن بُعد ومسارات العمل السحابية عبر عمليات «SRMG»، كما سيبحثان فرص تطوير مراكز إنتاج حديثة مجهزة بتقنيات بث متقدمة.

وتشمل المذكرة أيضاً منصات سحابية آمنة لتخزين المحتوى الإعلامي وتحريره وإدارة أصوله، إلى جانب مسارات عمل مشتركة لمرحلة ما بعد الإنتاج، بما يسهم في رفع سرعة وكفاءة تسليم المحتوى. كما ستستكشف المجموعتان تقنيات إنتاج ناشئة وتختبرها، بما في ذلك الإنتاج الافتراضي، والمعالجة الفورية، وأدوات الواقع المعزز والواقع الافتراضي.

وسيقيّم الجانبان كذلك استخدام حلول الذكاء الاصطناعي عبر مراحل إعداد المحتوى، بما يشمل تطوير النصوص، وتحرير الفيديو، واقتراح المحتوى، وأتمتة عمليات الإنتاج، مع التركيز على رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز القدرات الإبداعية على نطاق واسع.

ومن خلال الجمع بين قدرات «STC» التقنية المتقدمة وخبرات «SRMG» الإعلامية وفهمها العميق لجمهور المنطقة وقدراتها في إنتاج المحتوى، سيسهم التعاون في تطوير بيئة إنتاج إعلامي أكثر ترابطاً واستعداداً للمستقبل في البلاد، ودعم المواهب الإبداعية السعودية وإنتاج محتوى يواكب تطلعات الجمهور المحلي ويصل إلى الجمهور حول العالم.