{وارسو}... الطريق إلى محاصرة إيران

{وارسو}... الطريق إلى محاصرة إيران

السبت - 11 جمادى الآخرة 1440 هـ - 16 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14690]
جانب من مؤتمر وارسو الذي عقد أول من أمس (أ.ب)
لندن: أمير طاهري
أثار مؤتمر وارسو للسلام والأمن في الشرق الأوسط عاصفة عاتية من التعليقات الإيجابية والسلبية حتى قبل الإعلان عن بدء انعقاده.

واعتبرت طهران المؤتمر محاولة جديدة لعزلها دولياً، مما يجعلها أكثر عرضة للمزيد من العقوبات أو حتى المعاقبة العسكرية. فيما ترى روسيا المؤتمر من زاوية أنه محاولة لعقد ائتلاف جديد من بلدان شرق وأواسط أوروبا، بالإضافة إلى جميع بلدان الشرق الأوسط تقريباً تحت قيادة الولايات المتحدة لإطاحة طموحات موسكو على صعيد السياسات الخارجية.

ورحَّب جانب من المعارضة الإيرانية بالمؤتمر باعتبار أنه إشارة واضحة لاستعداد الإدارة الأميركية الحالية، على أدنى تقدير، لإعادة التفكير بشأن استراتيجية الرئيس الأسبق باراك أوباما المعنية باستيعاب الجمهورية الإسلامية على الصعيد العالمي.

وعلى هذا المنوال، ومن خلال الهيمنة على المناقشات الجارية بشأن إيران على مدى أسابيع، أنجز مؤتمر وارسو ما كانت إدارة الرئيس ترمب تصبو إلى تحقيقه. كما يتيح المؤتمر الفرصة لتقييم نجاح أو فشل سياسات الرئيس ترمب حيال إيران حتى الآن. ونلحظ في خانة النجاح حقيقة مفادها أن دونالد ترمب قد اضطلع بمهمة تفكيك استراتيجية سلفه باراك أوباما بكل جدية.

وبالإضافة إلى إدانة ما يُسمى «اتفاق أوباما النووي»، عكفت الإدارة الأميركية الجديدة على تطهير جميع الشخصيات ذوي الصلة باتفاق أوباما النووي داخل وزارة الخارجية الأميركية، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع كذلك. كما أجريت محاولة أخرى لإعادة توجيه القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية الخاضعة لحكومة الولايات المتحدة بعيداً عن المواقف المتعاطفة إزاء النظام الإيراني، التي كانت تعتمدها تلك القنوات والمحطات، في عهد الرئيس الأسبق.

وحالف ترمب النجاح في إعادة فرض أغلب حزم العقوبات الاقتصادية التي علقتها إدارة الرئيس أوباما من قبل، مع إضافة حزم جديدة من العقوبات من جانب إدارته، وذلك من دون مواجهة معارضة كبيرة سواء داخل الولايات المتحدة نفسها أو على صعيد الحلفاء الغربيين أو الإقليميين على حد سواء.

والتصور السائد يفيد بأن الولايات المتحدة لن تصادق أبدا على الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على نحو ما أراد الرئيس أوباما بكل وضوح من قبل. وأسفر ذلك التصور عن بعض التحول في السلوكيات داخل المنطقة.

والأهم من ذلك، على الأرجح، أن إدارة الرئيس الأميركي قد صاغت «قائمة مرجعية» من 12 نقطة لما تريد من طهران أن تفعله. ولقد حازت واشنطن، بتلك الخطوة، أكبر نجاح ممكن لها حتى الآن.

ومن الواضح، أنه على الرغم من الارتباط القائم مع الملالي، كانت طهران تحاول جاهدة وبكل هدوء الامتثال لمطالب «الشيطان الأكبر» الأميركي.

ولقد برزت أكبر الإشارات على ذلك إثر الخطاب الحاشد الذي ألقاه الرئيس الإيراني حسن روحاني في العاصمة طهران يوم الاثنين الماضي. ففي منتصف الخطاب الطويل المسهب، الذي استمرّ قرابة الساعة إلا ربع الساعة، انطلقت رسالة دبلوماسية خفية صوب واشنطن: «بقدر تعلق الأمر بالصواريخ الباليستية، فإن طهران سوف تفعل (بالضبط) ما تريده الولايات المتحدة»!

وتخفت الرسالة في طيات إسهاب لغوي طنان من التحدي والمجابهة، إذ قال الرئيس روحاني إن طهران لا تتلقى أوامرها من أي أحد فيما يخص برامج الصواريخ. ثم انتقل إلى أسماء الصواريخ التي ليس لدى الولايات المتحدة أي اعتراض يُذكر عليها، مستبعداً بكل صرامة نوعيات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي ترغب واشنطن في تجميد برامجها لدى إيران.

ومن المثير للاهتمام أن رسالة روحاني المشفرة قد تحللت إلى أجزائها البسيطة من خلال القائمة المرجعية الرسمية المعنية بأنواع الصواريخ التي نشرتها وسائل الإعلام الحكومية الرسمية في طهران.

وتُظهر القائمة المرجعية المذكورة أن إيران عملت على تطوير وتكديس، خلال العقود الأربعة المنقضية، ما مجموعه 17 صاروخاً باليستياً، لا يتجاوز أي صاروخ منهم مدى 2000 كيلومتر الذي حددته واشنطن. كما تنص القائمة المرجعية الرسمية على ما يمكن لطهران أن تفعله بكل صاروخ من هذه الصواريخ على وجه التحديد. وتعكس الصورة الإجمالية للأمر أن ترسانة الصواريخ والقذائف «المسرحية» التي تُستخدم في ساحات المعارك والقتال موجّهة للعمليات قصيرة ومتوسطة المدى فحسب!

كما تذكر القائمة المرجعية الرسمية نوعين من الصواريخ الإيرانية القادرة على إطلاق الأقمار الصناعية إلى مداراتها في الفضاء الخارجي، والمسبار الفضائي، وخمسة من نظم «أرض - جو» الدفاعية. وتعتبر أي من هذه في محل انتهاك شروط قرار مجلس الأمن الدولي رقم «2032»، الذي استند إليه بومبيو في مطالبه المتألفة من 12 نقطة الموجهة إلى إيران.

كما أقرت الحكومة الإيرانية، على مستوى المرشد الأعلى خامنئي، وعلى مستوى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، ورئيس الأركان الإيراني الجنرال محمد باقري، بتجميد مشروعها الصاروخي أقل من مدى 2000 كيلومتر، وذلك على نحو علني.

وعلى الصعيد السوري، غضَّت إيران الطرف عن الهجمات المتعددة التي شنتها إسرائيل على مواقعها هناك، مع التعهد الصارم بالانتقام في كل مرة من دون الانتقال إلى التنفيذ الفعلي على الإطلاق. كما وجهت طهران الأوامر إلى قوات «حزب الله» اللبناني الموالية لها بالتزام الهدوء التام.

واضطرار طهران، كذلك، إلى تخفيض وجودها العسكري في سوريا يُعدّ من قبل أغلب المحليين والمراقبين المعنيين بالأمر أمراً حتمياً لا خيار فيه، ولأن الانسحاب الكامل ليس بالأمر الهين، إذ لن ترغب طهران الآن في استضافة قرابة 80 ألفاً من المقاتلين والمرتزقة الذين حشدتهم في سوريا والقادمين من لبنان، وأفغانستان، وباكستان، وسوريا، والعراق على أراضيها، فإن جلب كثير من الرجال المخضرمين بخبرات الحرب والقتال إلى داخل البلاد يمكن أن يشكل مصدر إزعاج وقلق، وربما تهديدا محتملا لأي نظام قائم في طهران.

كما أعلنت إيران، وبشكل علني، عن انتهاء مهمة بعثتها الاستشارية العسكرية في العراق. وفي الأثناء ذاتها، صدرت الأوامر إلى الجنرال قاسم سليماني، المسؤول عن ملف «تصدير» الثورة، بالتزام الهدوء والبقاء بعيداً عن الأنظار.

وكان الرجل قد أمضى الذكرى الأربعين للثورة الخمينية في مسقط رأسه بمدينة كرمان، البعيدة عن طهران، بدلاً من اعتلاء أكتاف المتظاهرين، كما اعتاد أن يفعل في غير مناسبة مماثلة في العاصمة من قبل. وفي العام الماضي، كان علي خامنئي قد هدد بحرق الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة إذا ما انسحبت منه الولايات المتحدة. وبعد ذلك بعام، لم يصنع مما قال شيئا. كما أنه لم يوجه الأوامر باستئناف المشروع النووي بكامل طاقته كما كان متوقعاً.

وبدلاً من ذلك، قَبِل، في هوانٍ، الخطة المزرية التي ابتدعتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا للسماح لإيران بشراء الطعام والإمدادات الطبية في مقابل النفط الخام، وهذه أسوأ بكثير من خطة النفط مقابل الغذاء التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق في عهد صدام حسين، وذلك لأن الدول الأوروبية لن تبتاع النفط بنفسها. إذ سوف يتعين على إيران الذهاب والعثور على عملاء للنفط، ثم تطلب منهم سداد المدفوعات إلى الشركاء الأوروبيين الثلاثة المذكورين.

كما يُمكن اعتبار القرار الإيراني بتخفيض نغمة إنكارها المستمرة للمحرقة النازية، والقضاء على أميركا، والقضاء على إسرائيل، من زاوية الأثر الإيجابي للضغوط المتزايدة التي تمارسها واشنطن. ومنحت طهران تأشيرات دخول لكثير من الشخصيات في الدوائر الدولية المعادية للولايات المتحدة والمعادين للسامية على الصعيد العالمي، ولكن فور الوصول، كانوا يتلقون التعليمات من السلطات الإيرانية بالتزام برامجهم السياحية المقررة، والابتعاد قدر الإمكان عن العاصمة طهران.

يمكن للارتفاع المفاجئ والأخير في الأنشطة من جانب القوى المعارضة لطهران أن يضاف إلى نجاحات الرئيس دونالد ترمب، لا لشيء إلا لأنه يعكس الرسالة التي تقول إن مغازلة باراك أوباما للملالي قد ولى زمانها إلى غير رجعة.

ومع ذلك، وعلى الصعيد السلبي، لم تُفلح واشنطن في تسوية النقاش الذي ابتليت به منذ أن استولى الملالي على السلطة في طهران قبل 40 عاماً. ويدور هذا النقاش حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إقناع طهران بالعودة إلى الحظيرة الدولية من خلال دعم وإسناد فصيل ما يُسمى الإصلاحيين أو المعتدلين أو المعروفين إعلامياً باسم «فتيان نيويورك».

تعمل طهران على تنفيذ قائمة الـ12 نقطة المرجعية التي صاغها الوزير المخضرم مايك بومبيو.

لكن حتى وإن كان الأمر كذلك، فإن التغير التكتيكي في السلوكيات لن يسفر عن حل نهائي للمعضلة الخمينية التي تطارد الشرق الأوسط منذ عقود. وقد تنزع الجمهورية الإسلامية، على عادتها المعروفة، إلى انتهاج سياسات الغش والتراجع، والتصرف بالشكل اللائق حتى خداع الخصم تماماً، أو حتى تشتت انتباهه عن مقاصدها الحقيقية. وغالباً ما يتحدث محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني عن «مهادنة ترمب»، على أمل أن تعاود الحكومة الأميركية الديمقراطية المقبلة استلهام خيالات باراك أوباما السابقة عن التطبيع الكامل مع إيران.

ولا يزال جواد ظريف وغيره يعتقدون أنه إن تحولت الأمور من السيئ إلى الأسوأ، فقد يستطيعون تهدئة دونالد ترمب بالمزيد من الصور الفوتوغرافية، والوعود بانتهاج أفضل السلوكيات في المستقبل. وهذا هو السبب في انتشار الشائعات حالياً بأن هناك خمس قنوات اتصال خلفية تعمل على قدم وساق للوساطة فيما بين طهران وواشنطن، وأنه ربما يرسل ترمب صهره لمقابلة علي خامنئي في طهران قريباً!

أخيراً، لا تزال إدارة الرئيس ترمب أبعد ما تكون عن إحياء شروط قرارات الأمم المتحدة السبعة التي تعمدت الجمهورية الإسلامية انتهاكها على نحو منهجي.

والسؤال القائم هو عما إذا كانت المعضلة الإيرانية، التي ثار اللغط الكثير بشأنها، يمكن حلها من خلال التغيير المؤقت في سلوكيات طهران من عدمه؟
ايران أخبار إيران

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة