الانتخابات الفلسطينية المعلقة منذ زمن... أجريت مرتين خلال 23 سنة

«فتح» تريدها «تشريعية» فقط و«حماس» تفضّلها «عامة» شاملة

الانتخابات الفلسطينية المعلقة منذ زمن... أجريت مرتين خلال 23 سنة
TT

الانتخابات الفلسطينية المعلقة منذ زمن... أجريت مرتين خلال 23 سنة

الانتخابات الفلسطينية المعلقة منذ زمن... أجريت مرتين خلال 23 سنة

لا أحد، ولا حتى الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه، يعرف إذا ما كانت ستجري انتخابات تشريعية في الأراضي الفلسطينية خلال الشهور القليلة المقبلة، لأنه، بخلاف الدول الأخرى، تتحكم في هذا الأمر ثلاث سلطات، هي: السلطة الفلسطينية التي يقودها عباس في الضفة الغربية. و«سلطة» حماس التي تحكم قطاع غزة. وطبعاً، إسرائيل التي تسيطر على كل شيء، ناهيك بتدخلات إقليمية ودولية على شكل مهدّدين أو ناصحين. وعلى الرغم من أن الدعوة لإجراء انتخابات لم تصدر بمرسوم رئاسي بعد، فإن عباس يقول إنه ينوي ذلك «قريباً»، لأن «الديمقراطية» هي الطريق الوحيدة لاستعادة الوحدة. يمثل موقف محمود عباس موقف حركة «فتح» والقريبين منها. وهو يتركز على أن الانتخابات قد تنجح في تحقيق ما فشلت فيه المباحثات والاتفاقات والمصالحات. وهذا موقف مناقض لموقف حركة «حماس» والقريبين منها، ومؤداه أن الانتخابات التشريعية المزمعة ستعزّز الانفصال (بين الضفة الغربية وقطاع غزة) ليس أكثر.

لم تقفز فكرة إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية فجأة إلى طاولة الرئيس محمود عباس، ذلك أنها كثيراً وُضِعت على الطاولة بهدف إنهاء سيطرة حركة «حماس» على مجلس معطّل. غير أن إخراج الفكرة إلى النور في هذا الوقت، جاء لسبب أكثر أهمية، ضمن ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني... وبشكل يضمن تعزيز نفوذ حركة فتح على مؤسسات ومفاصل السلطة في مواجهة انسداد الآفاق «التفاوضية» مع إسرائيل وحماس والولايات المتحدة. وأيضاً، يأتي بصورة قد تؤدي إلى تقويض سلطة «حماس» على أعتاب انتقال محتمل للسلطة التي وصل رئيسها إلى عمر 83 سنة، مع معاناته من مشكلات صحية.

- خلفية القرار
اتخذ القرار بعد مشاورات حثيثة في المجلسين المركزي والوطني لمنظمة التحرير وداخل مركزية حركة فتح وتنفيذية المنظمة، بناءً على قرار بحل المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي تسيطر عليه حماس.
معلوم أن عباس كان قد أعلن نهاية العام الماضي حل المجلس التشريعي بقرار من المحكمة الدستورية، وإجراء انتخابات تشريعية. وحمل إعلان عباس، آنذاك، تفسيرات للأمر، عندما قال إن المحكمة الدستورية أصدرت قراراً بحل المجلس والدعوة لإجراء انتخابات خلال ستة أشهر... «وإننا سنلتزم بقرار المحكمة الدستورية».
وهاجم عباس حركة حماس، قائلاً إن المبادرة المقدمة بشأن المصالحة «لم تلقَ أيَّ استجابة» منها، متهماً الحركة بتنفيذ «مشروع خاص» في غزة يقوم على «إقامة دولة في غزة وحكم ذاتي في الضفة».
من ناحية ثانية، كانت مسألة حل المجلس التشريعي قد نوقشت بشكل طارئ في الاجتماع الأخير للمجلس المركزي الفلسطيني في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كواحدة من بين خطوات ستتخذها السلطة ضد حماس، بسبب تعذّر إنجاز المصالحة. وجاء قرار المحكمة الدستورية بعدما أعلنت «فتح» أنها بصدد اتخاذ قرارات لتقويض «سلطة الانقلاب» في القطاع، وذلك رداً على ما سمّتها «اشتراطات (حماس) بشأن المصالحة».
ولقد استندت «فتح» في دعوتها لحل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات إلى أن «المجلس المركزي قد أنشأ السلطة الوطنية في 16/ 10/ 1993م، وتعاملت منظمة التحرير بمسؤولية عالية مع أعمال السلطة ومؤسساتها. ورعت وأشرفت على الانتخابات عامي 1996 و2006م، وتعاملت بإيجابية كاملة مع نتائجها. إلا أن ما قامت به «حماس» في 14/ 6/ 2007م وحتى يومنا هذا، يمثل خروجاً على قيمنا وأخلاقيات عملنا الوطني، وقد عطّلت بذلك أعمال المجلس التشريعي الذي فقد قدرته على مزاولة عمله التشريعي والرقابي، ولم يعد قائماً بالفعل».

- أسباب أخرى مهمّة
لقد أنهى قرار عباس حل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات جديدة، بلا شك، حالة جدل حول رئيس المجلس التشريعي السابق الدكتور عزيز الدويك وأحقيته في منصب الرئيس في حال شغوره. ويُذكر أنه قبل أشهر قليلة من قرار عباس أشعلت حركة «حماس» مجدّداً معركة خلافة الرئيس بإعلانها أن الدويك، القيادي في «حماس» (ورئيس المجلس التشريعي الفلسطيني آنذاك) سيخلف عباس في حال غيابه «وفق القانون الأساسي» للسلطة. وهو الإعلان الذي ردَّت عليه «فتح» بقولها إن الدويك لم يعُد على رأس المجلس «المنعدم قانونياً»، ملوّحة باتخاذ قرارات «مصيرية» حول الأمر.
كذلك خرج الدويك بنفسه، ليقول إنه في حال تعذر قيام الرئيس بواجباته، أو في حال غيابه تحت أي عذر أو ظرف، أو وفاته، أو تخلّفه عن القيام بواجباته فان الرئيس القادم حسب القانون والدستور في هذه الحالات هو رئيس المجلس التشريعي. وأردف: «أنا الآن رئيس المجلس التشريعي، وبالتالي، سأكون أنا أو أي شخص غيري يتقلد هذا المنصب هو الرئيس القادم».
ومن ثم، حذّر الدويك من أن الفوضى ستعمّ في حال تجاوز السلطة الفلسطينية والقائمين عليها الدستور الفلسطيني والقانون الأساسي. وطالب الجميع بـ«احترام القانون والاستحقاقات الدستورية والأخذ بها» وألا يجري تجاوزهما «بأي صورة من الصور وتحت أي ظرف من الظروف، وإلا فستسود الفوضى بدل النظام داخل المجتمع الفلسطيني». والجدير بالذكر أن القانون الأساسي الفلسطيني ينصّ على أن يتسلم رئيس المجلس التشريعي رئاسة السلطة مؤقتاً في حال أي غياب قهري للرئيس لمدة لا تزيد على 60 يوماً، تجري خلالها انتخابات رئاسية. وعام 2004، حين توفي الرئيس السابق ياسر عرفات، حل مكانه رئيس المجلس التشريعي آنذاك، روحي فتّوح، قبل أن ينتخب الفلسطينيون محمود عباس رئيساً.
فور صدور تحذير الدويك، ردّت حركة «فتح» بقولها إن فترة رئاسة المجلس انتهت، وأنه يجب انتخاب رئاسة جديدة بعد دعوة الرئيس محمود عباس للمجلس من أجل الانعقاد، ناهيك من أن «المجلس معطَّل» منذ نحو 10 سنوات، ويجب البتُّ في مصيره عبر المجلس المركزي الفلسطيني.
واليوم، إذا ما نظّمت انتخابات فإن رئيس المجلس التشريعي سيخلف عباس مؤقتاً، ولكن في حال لم تُنظّم فإنه - وفق مصادر مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» - سيكون رئيس المجلس الوطني والمركزي، الذي هو الآن سليم الزعنون، هو الذي سيخلف عباس. أما السبب فهو أن «المركزي» الذي أخذ صلاحيات المجلس الوطني يُعدّ عملياً اليوم أعلى هيئة تشريعية فلسطينية.
... ولكن هل ستجري انتخابات فعلاً؟

- شروط صعبة لإجراء الانتخابات
من الناحية العملية، يحتاج إجراء الانتخابات كحال أي دولة إلى مرسوم رئاسي، لكن على الأرض يحتاج الأمر إلى موافقة كل من إسرائيل و«حماس». وفي حين قالت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية إنها بانتظار صدور المرسوم الرئاسي الذي يحدد موعد الانتخابات من أجل بدء العمل الفعلي لإجرائها، يقول رئيس اللجنة حنا ناصر إن طواقمه جاهزة من الناحية الفنية لإجراء الانتخابات، لكنهم بانتظار صدور المرسوم الرئاسي الذي يحدد موعدها. ويتضح من تصريحات لمسؤولين في السلطة أن هذا المرسوم بانتظار سماع إجابات واضحة من إسرائيل و«حماس» معاً. وبحسبهم فإن موافقة إسرائيل واجبة من أجل إجراء الانتخابات، بينما يمكن تجاوز رفض «حماس».
عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» حسين الشيخ، قال: «المرحلة المقبلة هي مرحلة (معركة القدس)، ولن نسمح بإجراء أي انتخابات من دونها». وأضاف: «مستحيل أن تجري الانتخابات بمن دون القدس التي هي خط أحمر... ويجب أن تشمل الانتخابات كل الجغرافيا الفلسطينية، والقدس أولاً. نحن لا نخون ولا نبيع، ويجب أن تجري فيها الانتخابات، كما جرت عام 2006، وسنقاتل من أجل ذلك، ولن نسمح بوجود فراغ بالمؤسسات التشريعية بالبلد وغيابها أضر كثيراً بنا».
وأوضح الشيخ أن «الرئيس (عباس) اجتمع مع رئيس لجنة الانتخابات المركزية حنا ناصر مرتين، وطلب منه البدء بكل الإجراءات التحضيرية لإتمام الانتخابات البرلمانية، والتواصل مع كل الأطراف والأطياف، وأيضاً التوجه لغزة وفتح حوار صريح مع (حماس)، ودعوتها لقبول الدعوة لإجراء الانتخابات البرلمانية والقبول بإرادة الشعب». وأكدت اللجنة المركزية للانتخابات أنها حقاً بصدد زيارة غزة من أجل لقاء «حماس».

- حكومة تسبق الانتخابات
يؤكد حديث الشيخ، من جانب آخر، أن رفض إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس سيعني إلغاءها لكنه لم يشر إلى ذلك بالنسبة لـ«حماس»، إذ لَمّح مسؤولون في فتح إلى أنه يُمكن إيجاد بدائل لرفض «حماس»، من بينها اعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة، ولكن يفترض أن تهيئ حكومة جديدة الظروف في كل من الضفة وغزة والقدس من أجل إجراء هذه الانتخابات. وبينما يبقى موضوع الانتخابات معلّقاً، فإن تشكيل حكومة فلسطينية جديدة، مهمتها إجراء هذه الانتخابات، قادم لا محالة.
وستأتي هذه الحكومة ضمن تصوُّر متعلق بترتيب البيت الداخلي بشكل يعزّز نفوذ «فتح»... ويضعف «حماس». وفي هذا الاتجاه، قال الدكتور صائب عريقات، أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صراحةً، إن المطلوب من الحكومة الفلسطينية المرتقبة استعادة قطاع غزة وإجراء انتخابات عامة. وأردف عريقات مفصّلاً: «ما نريده من هذه الحكومة هو العمل على تهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات العامة، والعمل بكل ما تملك لاستعادة قطاع غزة وإزالة أسباب الانقسام، والعمل المشترك لإسقاط صفقة القرن... أيدينا ممدودة من أجل ذلك».
وفي المقابل، حثّ عريقات «حماس» على المشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، مشدِّداً على أنه «لا أحد يفكر في أن تكون هناك دولة فلسطينية من دون غزة... فنحن بحاجة للعودة لصناديق الاقتراع. لا يمكن ولا يحلم أو يفكّر أي أحد أن هناك دولة فلسطينية من دون قطاع غزة». وتابع: «نحن لدينا مشروع وطني فلسطيني تمثله منظمة التحرير ودولة فلسطين، باستعادة وإعادة فلسطين إلى خارطة الجغرافيا وعاصمتها القدس على حدود عام 1967. وهناك مشروع حزبي للإخوان المسلمين... وهذا المشروع أصبح أهم من القضية الوطنية الفلسطينية، ولا بد من وضع النقاط على الحروف الآن». ثم تابع: «هناك دعوة لإجراء انتخابات عامة في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة... والذي يرفض هذه الانتخابات ويصرّ على استمرار الانقلاب في قطاع غزة... فإنه شاء أم أبى أصبح أداة في صفقة القرن».
في هذه الأثناء، يفترض أن تكون مركزية حركة «فتح» قد أنهت مشاورات أولية مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بهدف الاتفاق على تشكيل حكومة المنظمة التي تستثني حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي». وينتظر أن تنهي الحكومة المزمع تشكيلها اتفاقاً واجه الكثير من المشكلات بين «فتح» و«حماس»، ونتج عنه تشكيل «حكومة الوفاق» التي تحوّل دورها الآن لتسيير أعمال.

- موقف «حماس» الرافض
من جهتها، هاجمت حركة «حماس» كل خطوة اتخذها عباس بدءاً من حل المجلس التشريعي مروراً بتشكيل حكومة جديدة وانتهاء بالدعوة لانتخابات. وقال عاطف عدوان، القيادي في حماس، إن حركته ترفض إجراء انتخابات تشريعية فقط، وتعتبر «تنظيم انتخابات تشريعية بالضفة الغربية بمعزل عن قطاع غزة ومدينة القدس المحتلة خدمة لصفقة القرن»، واستطرد: «أي انتخابات لا بد أن تتم على أساس التوافق الفلسطيني واتفاقات المصالحة».
وأشار عدوان إلى أنه، حسب الاتفاقيات الموقعة مع «فتح»، فإن إجراء الانتخابات يجب أن يسبقه تهيئة البيئة والمناخات المناسبة لذلك. هذا يشمل وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل ووقف مطاردة الناشطين من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» من قبل الأجهزة الأمنية بالضفة الغربية، وأن تشمل الانتخابات غزة والقدس، وألا تكون مقصورة على الضفة الغربية.
وهدّد عدوان بأن لدى «حماس» خيارات متعددة للرد على تشكيل حكومة جديدة «منها تشكيل حكومة وحدة وطنية»، مضيفاً أن «الفصائل الوطنية مدعوة للمشاركة في تحمل أعباء الوطن». وتابع أن «الحكومة التي ستشكل في الضفة ستقوم بأمور الضفة الغربية ولها توجّهات سياسية واقتصادية وأمنية لا تناسب أجندة المقاومة». ثم قال: «حكومة الفصائل أحد الخيارات للرد على تشكيل الحكومة بالضفة، إضافة إلى خيار إحياء اللجنة الإدارية، أو تشكيل حكومة إنقاذ وطني من التكنوقراط».
وبالفعل، قدّرت مصادر مطلعة في غزة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن تلجأ «حماس» لإعادة إحياء اللجنة الإدارية التي شكّلتها سابقاً، وكانت تدير شؤون القطاع، قبل أن تحلّها تحت وطأة اشتراطات «فتح» من أجل اتفاق مصالحة. وأكدت المصادر أن «حماس»... «تواجه مشكلة في إقناع فصائل بالانضمام إليها في حكومة جديدة بغزة بسبب رفض معظم الفصائل المشاركة في حكومة ثانية ستُعدّ انقلابية أو مساهمة بشكل كبير في فصل قطاع غزة عن الضفة».
أيضاً رفضت «حماس» إقالة الحكومة التي يرأسها رامي الحمد الله وتشكيل حكومة جديدة. واعتبر فوزي برهوم، المتحدث باسم «حماس»، أن «استقالة حكومة الحمد الله تأتي في إطار تبادل الأدوار مع حركة (فتح) ورئيسها محمود عباس من أجل ترك المجال لتشكيل حكومة انفصالية جديدة تخدم أجندة أبو مازن وحركة (فتح)... إن شعبنا بحاجة إلى حكومة وحدة وطنية ومجلس وطني توحيدي وإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية ومجلس وطني».ما تقدّم يعني أن إجراء «انتخابات عامة» (أي أن تشمل انتخابات رئاسية وتشريعية وللمجلس الوطني) هو مطلب «حماس» كي تشارك في أي تجربة انتخابية محتملة، لكن ما تريده «فتح» الآن هو انتخابات برلمانية فقط... رافضة فتح الباب أمام انضمام «حماس» لمنظمة التحرير قبل إنهاء الانقسام الحالي، خشية من انتقاله إلى المنظمة كذلك.

- خلفية تاريخية للانتخابات الفلسطينية
بدأت عملية السلام في العاصمة الإسبانية مدريد عام 1991، حين تمخَّض عن هذا المؤتمر محادثات ثنائية بين كل من الفلسطينيين والسوريين والأردنيين من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وتبع ذلك التوقيع على «إعلان المبادئ» بشأن إقامة الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، بدءاً بغزة وأريحا أولاً، مع إبقاء مسألة القدس معلقة، حيث اتفق على بحثها بمفاوضات الوضع الدائم. كذلك نص الإعلان على أن يشرف الحكم الذاتي على مجالات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة، إضافة إلى مهام وصلاحيات أخرى اتفق عليها، كما أقر إنشاء قوة شرطة فلسطينية.
وانتخابياً، نص الاتفاق أيضاً على ضرورة إجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني على أن تكون هذه الانتخابات حُرّة ومباشرة. ونصت اتفاقية المبادئ اللاحقة والموقعة في واشنطن بتاريخ 28 سبتمبر (أيلول) 1993 على بنود متعلقة بالانتخابات. ومنها أنه يتسنى للشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية حُكْم نفسه بناء على أسس ديمقراطية، بما يشمل إجراء انتخابات سياسية عامة ومباشرة وحرة للمجلس التشريعي تحت إشراف ومراقبة دولية متفق عليها، بينما تقوم الشرطة الفلسطينية بتأمين النظام العام.
وجاء في النص أنه ستشكِّل هذه الانتخابات مرحلة انتقالية حاسمة لتحقيق المطالب الفلسطينية العادلة المشروعة. وورد في الملحق الأول من الإعلان حول صيغة الاقتراع وشروطه أنه يحقّ لفلسطينيي القدس الذين يقطنون بها المشاركة في العملية الانتخابية وفقاً لما اتُّفق عليه بين الطرفين.

- المجلس التشريعي الفلسطيني
هو إحدى مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، وأُسِّس عام 1996، بناء على «إعلان المبادئ» و«اتفاقية أوسلو» الموقَّعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل. وجاء تأسيسه إثر الانتخابات التشريعية والرئاسية التي أُجرِيَت في بداية ذلك العام.
يلعب المجلس التشريعي الفلسطيني دور البرلمان، إذ أصبحت من مهامه مسؤولية سن القوانين، والرقابة على السلطة التنفيذية. وهو يتألف من 132 نائباً (عضواً) يجري اختيارهم عن طريق الانتخاب الحر من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ويتكوّن المجلس من هيئة رئاسة المجلس، التي تضم رئيس المجلس ونائبين له وأمين سر. وجرى العُرف أن يصار إلى انتخابهم من بين أعضاء المجلس في أول دورة برلمانية لمدة عام كامل، إضافة إلى عدة لجان تنظم نشاط الأعضاء. أما مدّة المجلس فهي أربع سنوات من تاريخ انتخابه، وتجري الانتخابات مرة كل أربع سنوات بصورة دورية.
تقوم مهام المجلس التشريعي الفلسطيني على التشريع وتتمثل في سن القوانين وتعديلها وإلغائها، ومراقبة سلوك السلطة التنفيذية، ومدى التزامها بالقواعد الدستورية، والمحاسبة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوظيفة الرقابة. وتمتلك السلطة التشريعية الحق في استجواب أعضاء السلطة التنفيذية ومراجعتهم، وتمتلك الحق في رفع توصياتها بحجب الثقة سواء عن الحكومة ككل أو عن بعض الأشخاص في الحكومة، وتمتلك حق الطلب من بعض الأشخاص في السلطة التنفيذية أن يقدموا استقالتهم إذا ثبت بحقهم أي مخالفات. وتجدر الإشارة إلى أنه عام 1996 انتخب مجلس تشريعي في انتخابات فازت فيها «فتح» دون منافسة. وقاطعت المعارضة الفلسطينية («حماس» و«الجهاد») الانتخابات. ثم في عام 2006 دخلت «حماس» انتخابات المجلس التشريعي وفازت على «فتح». وغدا إسماعيل هنية، من «حماس»، رئيس وزراء الحكومة، في حين قاطعت «الجهاد الإسلامي» الانتخابات.


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

حصاد الأسبوع مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري،

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه»

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع مقر "الاتحاد" (رويترز)

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي

«الشرق الأوسط» ( تونس)
حصاد الأسبوع النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على

محمد خير الرواشدة (عمّان)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.