رئيس الوزراء المنتهية ولايته تسلم السلطة بمساعدة أميركية لكنه سبب صداعا لبوش ومن بعده أوباما

تظاهر بالتوقيع على اتفاقية مع واشنطن.. ورفض نصيحتها بعدم مهاجمة تكريت

رئيس الوزراء المنتهية ولايته تسلم السلطة بمساعدة أميركية لكنه سبب صداعا لبوش ومن بعده أوباما
TT

رئيس الوزراء المنتهية ولايته تسلم السلطة بمساعدة أميركية لكنه سبب صداعا لبوش ومن بعده أوباما

رئيس الوزراء المنتهية ولايته تسلم السلطة بمساعدة أميركية لكنه سبب صداعا لبوش ومن بعده أوباما

ذات يوم في خريف عام 2007. ظهر الرئيس جورج بوش الابن مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مؤتمر للتوقيع على «إعلان مبادئ» حول مستقبل العلاقات العراقية - الأميركية. وفي الوقت الذي وقع فيه الرئيس الأميركي باسمه، مرر المالكي قلمه على نسخته من الإعلان، متظاهرا بالتوقيع.
في الدقيقة الأخيرة، قرر المالكي عدم التوقيع بدعوى أنه لم يتمكن من قراءة الصياغة النهائية للإعلان، لكنه لم يذكر ذلك للرئيس بوش، الذي لم تكن لديه فكرة أن قلم المالكي لم يلمس وجه الصحيفة. لاحظ الأمر أحد المسؤولين الأميركيين في الغرفة، ومع ذلك، وبمجرد خروج بوش من محيط كاميرا التصوير، بادر إلى أحد مساعدي المالكي قائلا: «لا تعبث مع رئيس الولايات المتحدة الأميركية».
تلك الحادثة قبل نحو سبع سنوات جسدت العلاقة الشائكة والمتقلبة بين المالكي والرعاة الأميركيين. فالأحداث في كثير من الأحيان لم تكن في حقيقتها كما بدت للعيان، ولم تأخذ مسارها المفترض لها أن تأخذه كذلك. صعود المالكي إلى السلطة، بعدما كان مغمورا، كان في جزء منه بمساعدة أميركا، غير أن بوش ومن بعده الرئيس باراك أوباما وجداه متقلبا وحليفا غير بناء سبب من المشاكل أكثر مما حلها.
قال جيمس جيفري، الذي كان شاهدا على تعامل الرئيسين بوش وأوباما مع المالكي، حيث كان نائب مستشار الأمن القومي للرئيس بوش، ثم سفير الرئيس أوباما إلى بغداد: «إنه رجل عنيد وإنه مقاتل ولسوف يقاوم. لقد شد جميع من حوله شعر رؤوسهم منه». في نهاية الأمر، قال جيفري، سوف يكون على الأميركيين أو أي شخص آخر مهمة إقناع المالكي بالرحيل. وتابع: «أعتقد أنه سيتنحى إذا لم يكن يخطط لانقلاب. سيحاول فعل كل شيء تحت الشمس للحيلولة دون ذلك، بما في ذلك اعتقال الناس، ولكن عند نقطة ما يجب على أحدهم التحدث إليه».
المالكي، كان غير معروف نسبيا وقضى معظم فترة حكم صدام حسين خارج العراق، وكان اختيارا مفاجئا لتولي منصب رئيس الوزراء في عام 2006 عقب شهور من الجمود. كان الرئيس بوش حريصا على أن يختار العراقيون رئيسا للوزراء ذا شخصية أكثر حزما من إبراهيم الجعفري، وأوصى سفير بوش في العراق، زلماي خليل زاد، بترشيح المالكي لرئاسة الوزراء.
لم يكن الأميركيون يعرفون الكثير عنه. وفي بداية الأمر، ظلوا يستخدمون الاسم الأول له بصورة خاطئة – حيث كانوا يدعونه باسم «جواد»، اسمه الحركي، إلى أن صحح المالكي بنفسه الأمر.
الرئيس بوش طار إلى بغداد لمقابلة المالكي ولمس فيه «صلابة داخلية» وهو ما كان يصبو إليه. يقول جيفري «يجب عليك تفهم الجعفري حتى تستطيع تفهم المالكي. فمع الجعفري، لم نكمن نتمكن من دفعه لاتخاذ قرار على الإطلاق. لكن مع المالكي، وجدنا زعيما جيدا، في بداية ولايته على الأقل».
لكن بحلول خريف ذلك العام، أصيب الأميركيون بالإحباط من المالكي، الذي قاوم كبح جماح الميليشيات الشيعية. وأبلغ ستيفن هادلي، مستشار الرئيس للأمن القومي، الرئيس بوش في مذكرة سرية، تم تسريبها، بأن المالكي كان إما «جاهلا بما يجري من حوله، ويسيء التعبير عن نواياه» أو «غير قادر على اتخاذ أي إجراء».
في نهاية الأمر، تضاعفت حملة الرئيس بوش على المالكي على أي حال مع زيادة القوات المحفوفة بالمخاطر وأثبت وجهة نظره من خلال الاجتماع معه عبر الدوائر التلفزيونية المغلقة أسبوعيا في محاولة لتعليم المالكي فن السياسات التحالفية.
غير أن حادثة التوقيع المزيف أكدت حالة الإحباط الأميركية. ورغم توقيع المالكي على الاتفاقية بعد ذلك، حينما تآمر أعداؤه من العراقيين على إسقاطه، وافق بعض الشخصيات في البيت الأبيض على لزوم تنحيه، ومن بينهم بريت ماكغورك، وهو المسؤول الذي واجه مساعد المالكي حول حادثة التوقيع المزيفة، والذي يعمل حاليا في إدارة الرئيس أوباما.
رفض بوش الفكرة، لكنه أرسل كوندوليزا رايس إلى بغداد لتخبر المالكي بوجوب العمل والتطوير. وقالت له رايس «أنت رئيس للوزراء رهيب فعلا. ومن دون التقدم ومن دون الاتفاقية، ستكون وحيدا، وستتدلى رقبتك من أحد أعمدة الإنارة».
وظل المالكي في أفعاله مدفوعا برغباته. فقد أمر بعملية عسكرية متسرعة وعشوائية ضد الميليشيات الشيعية في البصرة اقتربت من حد الكارثة لكنها نجحت في آخر لحظة إثر المساعدة الأميركية. وقال عنه السيناتور الأميركي ليندسي غراهام «لقد تحول من تابع إلى شخصية جون واين».
وعندما تولى الرئيس أوباما الحكم، تغيرت العلاقات مرة أخرى. فلقد ظن أن الرئيس بوش كان منخرطا أكثر من اللازم في الأمر بصورة مباشرة، ولم يستمر في المحادثات الأسبوعية مع المالكي. بدلا من ذلك، ترك الأمر برمته لنائبه جوزيف بايدن لإدارة الأمور مع رئيس الوزراء العراقي.
وكشف أحد كبار المسؤولين في الإدارة عن أنه في المحادثات الهاتفية بين نائب الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء العراقي «كان أكثر ما يبدو عليه أنه يعاني من نفس العلة التي يعاني منها الكثير من القادة في المنطقة: عدم القدرة على تصور كيفية تقاسم السلطة مع الجماعات الرئيسة والدوائر الانتخابية».
وتفاقم الأمر بعد إخفاق الرئيس أوباما والمالكي في التوصل إلى اتفاق يسمح بإبقاء قوة أميركية في العراق بعد انسحاب القوات في نهاية 2011. وفي غضون أيام، أصدر المالكي أمرا باعتقال نائب الرئيس السني (طارق الهاشمي) مما كان ينذر باستراتيجية ذات نزعة أكثر طائفية.
وفي غياب القوات الأميركية، انتقل المالكي إلى تعزيز سلطته. وقال ديفيد كيلكولن، الذي كان مستشارا للجنرال ديفيد بترايوس في العراق: «لقد فقدنا قوة التأثير عند ذاك ظهرت ميوله الطائفية الطبيعية إلى الواجهة».
ومع الجمود الانتخابي في عام 2010. هزم المالكي منافسه للفوز بولاية أخرى مع الدعم المتصور من الأميركيين الحريصين على المحافظة على الاستقرار. ونفى المسؤولون الأميركيون دعمهم للمالكي، قائلين بأن منافسه لم يكن يستطيع تشكيل ائتلاف ببساطة.
وفي كلتا الحالتين، ازدادت النزعة الطائفية لدى المالكي، وساءت العلاقات أكثر فأكثر. وأعاق الجهود الأميركية لإرسال المستشارين العسكريين عقب رحيل القوات، ولكن عقب اجتياح المتشددين للحدود من سوريا تصاعدت حالة الإحباط لأن واشنطن لم تلب طلباته بالمساعدة. وشعر بأنه صار وحيدا، على حد وصف المسؤولين.
حتى بعدما أرسل الرئيس أوباما المستشارين وطائرات الاستطلاع، قاوم المالكي نصائح واشنطن. وحذر مسؤولون أميركيون من محاولة استعادة تكريت من المسلحين، غير أنه تجاهلها.
يقول مسؤول كبير في الإدارة بأن بايدن معجب بحيدر العبادي (المكلف بتشكيل الحكومة) ووجده شخصية مختلفة تماما عن المالكي، إذ أن له توجها براغماتيا وهدوءا سياسيا، على حد تعبيره.
* خدمة «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.