جعجع لـ«الشرق الأوسط»: لا نريد المواجهة الآن... وإيران لم تنتصر

ردّ «فتور» الأطراف العربية والدولية حيال الحكومة إلى أنهم رأوا فيها «حكومة تقطيع وقت»

رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع
رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع
TT

جعجع لـ«الشرق الأوسط»: لا نريد المواجهة الآن... وإيران لم تنتصر

رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع
رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع

رفض رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع التسليم بـ«انتصار إيران و(حزب الله) في لبنان»، معتبرا أنه «في الوقت الحاضر ليس هناك من يواجه لأنه لا أحد يريد المواجهة لكن هذا لا يعني أن إيران انتصرت». وأسف جعجع في حوار مع «الشرق الأوسط» على عدم وقوف بعض الحلفاء مع «القوات» في قضية سلاح «حزب الله» في البيان الوزاري، وأكد أن «رئيس الحكومة سعد الحريري أبدى تقديره لموقفنا في الحكومة (...) لكن الفريق الآخر يجب أن يسمع أصوات أخرى كي يعرف أن ذلك ليس صحيحا، فكاد يصدق الفريق الآخر أن الأكثرية مع طروحاته».
وقال جعجع إن الخطوط العريضة التي اسمها 14 و8 آذار ما تزال موجودة، ولو هناك بعض الخروقات بطريقة مقاربة الأمور بين أطراف كل مكون. واعتبر أن العلاقة مع التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون «ليست جيدة في وضعها الحالي» لكنه أمل أنه «بعد انتهاء الانتخابات وتشكيل الحكومة أن يكون التعاون أفضل». وقال: «بالنسبة لنا شخص الرئيس وما بينه وبين جبران باسيل بحث آخر. لا أحد منا له علاقة بمن يتداول مع من في آخر الليل». وفيما يأتي نص الحوار:

> ما خريطة الطريق التي وضعتها القوات لمرحلة ما بعد تأليف الحكومة؟
- في الحقيقة الوضع الاقتصادي دقيق جدا ولا يحتمل خطابات حول وجوب مكافحة الفساد وغيرها... يجب الذهاب إلى خطوات عملية، وأول خطوة عملية مطروحة أمامنا في الحكومة هي الموازنة التي هي برأيي بيت القصيد، لأن الموازنة، وبالتالي مصروف الدولة، كناية عن (وعاء مثقوب) منذ 30 سنة. كثيرون يعولون على مؤتمرات سيدر وإنجازاته، وقبل «سيدر» كان هناك «باريس 1» و2 و3 وربما «باريس 15». ما دام الوعاء مثقوب فمهما تضع فيه فسوف يهدر. قبل كل ذلك تريد سد الوعاء ونحن صراحة سنكون واضحين وحاسمين جدا في موضوع الموازنة. عندما كانت المباحثات دائرة في «سيدر»، كانوا يفترضون أن العجز 8 في المائة. ولكن على أرض الواقع بعد الحسابات تبين أن العجز سنة 2018 بلغ11 في المائة. يجب تخفيض العجز من 11 في المائة إلى 7 في المائة، وإلا فلبنان سيكون على طريق الانهيار الاقتصادي والمالي، وهذا ليس بالأمر السهل أبدا. البعض يقول إنه في مؤتمر سيدر طُلب أن يخفف العجز نقطة كل سنة للسنوات الخمس القادمة، والصحيح أن هذا الطرح كان بناء على أساس أن العجز هو 8 في المائة ولكن كما هو ظاهر الآن العجز بلغ 11 في المائة، ويتوقع أن يصل في عام 2019 إلى 12 في المائة لأنه على الأقل هناك 1 في المائة سيزداد بسبب زيادة الفوائد على الدين العام. إذن هذه الخطوة لم تكن صحيحة، لن يكون أي شيء بعدها صحيحاً. فيجب أن نضع ثقلاً كبيراً جداً لتخفيض هذا العجز إلى 7 في المائة أو 7.5 في المائة، حينها يمكننا القول إننا بدأنا نسير في الطريق الصحيح.
وأريد أن ألفت النظر إلى جانب آخر، حتى اليوم الدولة تضع كثيرا من الموازنات قريبة من المقبول. لكن المشكلة أن كثيرا من الوزراء لا يتقيدون بهذه الموازنات، بالإضافة إلى التوظيف. ففي العام الماضي وحده، هناك ما بين 4 و5 آلاف توظيف جديد في الدولة. لا يجوز أن تخالف السلطة السياسية نفسها فتضع موازنة وتتخطاها وتضع قوانين وتوصيات مثل التوظيف، ثم هي التي تقوم باختراقها.
> كيف يمكن رسم معالم هذه المرحلة قواتياً، بعد كلامك عن عدم السكوت عن الفساد؟
- كما تعاطينا موضوع الكهرباء في الحكومة السابقة. أي شيء تشتمّ منه رائحة فساد وعدم استقامة، فسوف نتحرك ونقوم بالاتصالات اللازمة وتجميع أكثرية وزارية كي لا يمر الملف. ولن نأخذ شيئا بعين الاعتبار ولا حتى على حساب التحالفات السياسية، لأنه كما رأيت في الحكومة الماضية تحالفاتها ضُرِبَت. نحن لسنا في الحكومة لكي نعزز موقعنا في السلطة على حساب كل شيء حاصل بلبنان. إما أن نوجد بالسلطة لنقوم بشيء أو لتحقيق أهداف، وإلا فلا نوجد فيها.
> هل يمكن الحديث عن تحالف يضم القوات وجنبلاط والرئيس نبيه بري والمردة؟
- الخطوط العريضة التي اسمها 14 و8 آذار موجودة، ولو هناك بعض الخروقات بطريقة مقاربة الأمور بين أطراف كل مكون. طرف 14 آذار مكون من المستقبل والقوات والاشتراكي، ولو أن هناك فروقات بالمقاربات. مثلا في جلسة إعداد البيان الوزاري، القوات كانت وحدها للأسف التي طرحت زيادات بالشق السيادي لها علاقة بقيام الدولة، وليس أي شيء آخر، لكنهم لم يتحمسوا. لكن يبقى هناك خط موجود يلتئم عند الضرورة، والأمر نفسه فيما يتعلق بـ8 آذار. تحت الخطوط العريضة هناك مجموعة أمور تقنية تطرح في الحكومة مثل موضوع البواخر. في هذا الملف اتخذت مواقف بغض النظر عن الخطين العريضين. هنا، كنا نحن من جهة والاشتراكي وأمل و«حزب الله» والمردة، وليس هناك تفاهم سياسي معهم مقابل المستقبل الذي هناك تفاهم سياسي معه، لكننا نختلف معه على بواخر الكهرباء والتيار الوطني الحر وآخرين أيضا. إذن هناك خطوط عريضة موجودة داخل الحكومة لكن لا يمنع أن يكون هناك اصطفافات والتصويت حسب الموضوع المطروح.
> علاقتكم منذ فترة تقدمت مع «المردة» وهناك غزل متبادل مع الرئيس بري؟
- لا يمنع أننا نتفق على ملفات ونختلف على أخرى. تجمعنا مع الرئيس بري بعض الملفات الداخلية مثل ملف بواخر الكهرباء، وهو ما جمعنا في الحكومة الماضية، أما في بعض الملفات الإقليمية مثل الموقف من القمة الاقتصادية العربية، فلم يجمعنا الموقف نفسه أبدا.
> في العلاقة مع التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية، ما زلت تفصل بين الرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر، هذه العلاقة إلى أين تسير؟
- كما هي الآن ليست جيدة، ربما بسبب تشكيل الحكومة وكان يحاول الوزير جبران باسيل تقليص حصة القوات قدر الإمكان، وكانت القوات من جهة أخرى تسعى لأن تحصل على حقها بالحكومة. وقبلها كانت هناك انتخابات نيابية، وطبيعي أن يكون هناك تنافس على المقاعد. آمل بعد انتهاء الانتخابات وتشكيل الحكومة أن يكون التعاون أفضل على الملفات التي تطرح في الحكومة. ففي الحكومة الماضية، كان لدينا النظرة نفسها حيال بعض الملفات مثل ملف النازحين السوريين، وفي ملفات أخرى يمكن أن نكون على طرفي نقيض مثل ملف بواخر الكهرباء.
> نتكلم عن الرئيس والتيار معا؟
- نعم ولا، بالنسبة لنا شخص الرئيس وما بينه وبين جبران باسيل بحث آخر. لا أحد منا له علاقة بمن يتداول معه الكلام في آخر الليل. بالنسبة لموقع رئاسة الجمهورية نحن نتكلم عن نظرتنا لهذا الموقع. رئيس الجمهورية عنده في الحكومة أقله 13 وزيرا، هم وزراء التيار الوطني الحر ووزراء الرئيس وعددهم 9. ونحن 4 وزراء. بمعنى أنه في السياسات الكبرى مع رئاسة الجمهورية، أما إذا أراد الوزير باسيل استعمال موقع رئاسة الجمهورية لغايات، فطبعا لا يملك 13. بهذا المعنى نميز. منذ سنتين إلى الآن كل السياسات الكبرى لرئاسة الجمهورية كنا معها من قانون انتخاب إلى ملف النازحين السوريين والتوازن في الدولة، لكن الكهرباء ليست كذلك.
> لماذا أنقصت وزيرين من حصة التيار الوطني الحر، يقولون إن لديهم 11 وزيراً؟
- ليس أنا من أنقصهم، لا نريد أن نضحك على أنفسنا، الوزير حسن مراد والوزير صالح الغريب من حصة 8 آذار وسوريا. لذلك إذا كان «حزب الله» وسوريا لا يريدان أي موضوع، فلن يكون الموضوع عند باسيل، وكل التعطيل في آخر شهرين كان بسبب هذه المسألة.
> كنتم الوحيدين في البيان الوزاري من وقف عند مسألة سلاح المقاومة والطريقة التي تم التعاطي بها؟
- طبعا، حق المواطنين اللبنانيين بالمقاومة بوجه الاحتلال الإسرائيلي كلنا نؤمن بذلك وذلك في إطار المؤسسات الشرعية للدولة اللبنانية إلا أنهم لا يريدون ذلك، لماذا؟ هنا تعرف أن المسألة ليست مسألة مقاومة إسرائيل بقدر ما هي مسألة إيجاد إطار خارج الدولة ولا نقبل بذلك.
> ما شكل العلاقة مع «حزب الله»؟
- لا توجد علاقة مع «حزب الله»، هناك تعاطٍ بين وزراء مع بعضهم لنيسّر أمور الناس اليومية وتعاطي النواب مع بعضهم لأننا لن نعطل عمل المجلس النيابي والوزاري، وبالتالي يتعاطون بالأمور التقنية.
> ماذا عن الوضع على الحدود... هل من مخاوف من اهتزاز بالوضع العسكري؟
- بصراحة الوضع بالمنطقة كلها ليس مريحا، هناك تراكم سلبيات وهذا التراكم وصل في المرحلة الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة، والوضع بالمنطقة على الأكيد غير مريح ومطمئن.
> ثمة إيحاءات بأن هناك محاولات لتطبيع العلاقات مع «حزب الله» في داخل الحكومة ضمن إطار تيسير الأمور. هل يمكن أن يوجد حل لهذه المعضلة التي اسمها سلاح «حزب الله» بالمدى المنظور؟
- في رأيي، المطلوب من كل الفرقاء في الوقت الحاضر ليس كسر مزراب العين، بل أن يكون لديهم مبدأ واضح وموقف واضح في الأمور. مثلا كنت آمل في البيان الوزاري أن يقول أكثر من فريق إنه يجب أن يكون السلاح في إطار الدولة الشرعية في نهاية المطاف. هذا هدفنا جميعنا، أنا أفهم موضوع عدم تصعيد الأمور لكن لا أفهم موضوع محو الذات.
> الرئيس الحريري قدر موقفكم؟
- طبعاً، وهو مع موقفنا، لكن الفريق الآخر يجب أن يسمع أصوات أخرى كي يعرف أن ذلك ليس صحيحا، فكاد يصدق الفريق الآخر أن الأكثرية مع طروحاته في وقت أن بالفعل أكثرية اللبنانيين ليسوا مع طروحاته، والمعركة السياسية تبدأ من هنا.
> الجو العام يقول إن إيران انتصرت بالمنطقة وتحاول استثمار انتصارها في لبنان... هل ترى ذلك صحيحاً؟
- أنا أعارض كليا هذه النظرية. أولا المواجهة بالمنطقة على قدم وساق. بعض الانتصارات التكتيكية هنا وبعض الانهزامات التكتيكية في أمكنة أخرى. الذين يقولون سيطرت إيران على لبنان سوف آخذ آخر طروحات السيد نصر الله، التي أعاد طرحها بشكل من الأشكال وزير خارجية إيران؛ أنهم مستعدون لتسليح الجيش اللبناني، وهم طبعا جديون بهذا الكلام ولديهم النية باستحضار أدوية من عندهم أو منتجات أخرى إلى السوق اللبنانية، لكن كل هذه الطروحات إلى أين وصلت؟ لم تصل إلى أي مكان، ولن تصل. وبالتالي ليس صحيحاً أن إيران سيطرت. في الوقت الحاضر ليس هناك من يواجه لأنه لا أحد يريد المواجهة لكن هذا لا يعني أن إيران انتصرت.
> ردود الفعل العربية والدولية على تشكيل الحكومة لم تكن بالاندفاع الذي كنت تتوقعه؟
- صحيح، لأن تأليفها استغرق أكثر من 8 أشهر وثانيا لم يكن منتظراً أن بعض الخطوات تحصل، مثل توزير أحد سنة 8 آذار خارج المنطق، فهل من طائفة توزر منها مائة في المائة من نوابها؟ في هذا المجال كثير من الأطراف العربية أو الدولية رأوا في هذه الحكومة حكومة تقطيع وقت.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.