الحلقة الأولى : ثاتشر تبنت «الواقعية» مع ليبيا.. وتركت «القاتل» يغادر السفارة

«الشرق الأوسط» تبدأ نشر الوثائق البريطانية المفرج عنها * لندن تبدي قلقا على إمدادات النفط خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية

ميخائيل غورباتشوف قبل أن يصبح رئيسا.. الوثائق تبين أنه لن يكون قادرا على أن يقوم بتغييرات جذرية للنظام الشيوعي
ميخائيل غورباتشوف قبل أن يصبح رئيسا.. الوثائق تبين أنه لن يكون قادرا على أن يقوم بتغييرات جذرية للنظام الشيوعي
TT

الحلقة الأولى : ثاتشر تبنت «الواقعية» مع ليبيا.. وتركت «القاتل» يغادر السفارة

ميخائيل غورباتشوف قبل أن يصبح رئيسا.. الوثائق تبين أنه لن يكون قادرا على أن يقوم بتغييرات جذرية للنظام الشيوعي
ميخائيل غورباتشوف قبل أن يصبح رئيسا.. الوثائق تبين أنه لن يكون قادرا على أن يقوم بتغييرات جذرية للنظام الشيوعي

في بداية يناير (كانون الثاني) من كل عام ترفع الحكومة البريطانية قيود السرية المفروضة على نقاشات الحكومة ومحاضر جلساتها ومراسلات سفاراتها مع جهازها الإداري في وزارة الخارجية ولقاءات وزرائها مع نظرائهم في الدول الأخرى وطواقم مباحثاتها الدولية ومفاوضاتها في أمور الساعة والقضايا الدولية.
وابتداء من اليوم، تنشر «الشرق الأوسط» سلسلة من الحلقات تستمد مادتها من هذه الوثائق التي أفرج عنها أمس بناء على قانون السرية المطبق على الوثائق والملفات الرسمية، التي مضى عليها 30 عاما وتعود لعام 1984.
وفي هذا العام وعلى خلاف ما حدث في السنين السابقة، استثنى الأرشيف الوطني البريطاني، المركز المسؤول عن تدقيق وترتيب الوثائق زمنيا ومن ثم نشرها، مراسلات السفارات البريطانية مع وزارة الخارجية البريطانية، والتي تشكل عادة مادة صحافية دسمة تلقي الضوء، ليس فقط على علاقات بريطانيا بالدول الأخرى، وإنما العلاقات الدولية بشكل عام بسبب مكانة بريطانيا على الساحة الدولية وتاريخها الكولونيالي الطويل. وقال الأرشيف الوطني إنه بصدد الإفراج خلال العام الحالي عن الملفات والوثائق التي تخص وزارة الخارجية، والتي تعود لتلك الفترة.
بعض الملفات تبقى قيد السرية لمدة أطول من ذلك، كما أن بعض الوثائق قد تحتوي على أسماء أشخاص ما زالوا في مواقع حكومية رسمية، وقد يتعرض أصحابها للإحراج أو الأذى الشخصي، فتجد أن بعض الأسماء حذفت عمدا من الوثيقة.
الوثائق التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» تغطي عام 1984، وأخرى مرتبطة بنفس الموضوع، لكنها تعود إلى عامي 1982 و1983، وتخص مداولات الحكومة ومحاضر جلساتها والمراسلات بين الوزارات المختلفة. كما أن هناك مجموعة كبيرة من الملفات التي تخص مكتب رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر، زعيمة حزب المحافظين، ومراسلات طاقمها الشخصي مع الدوائر الحكومية المختلفة. بعض الوثائق تتضمن تعليقات كتبتها ثاتشر بخط يدها على هذه الوثائق. في السنين الماضية، استحوذت منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا الصراع العربي - الإسرائيلي وبداية الحرب العراقية - الإيرانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومحاصرة أرييل شارون لبيروت وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية منها، على حصة كبيرة من هذه الوثائق السرية، وخصوصا أنها جاءت في فترة حرجة من التطورات السياسية في المنطقة التي شهدت مفاوضات كامب ديفيد ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
وثائق هذا العام، وبسبب عدم الإفراج عن ملفات وزارة الخارجية، تناولت في معظمها الكثير من القضايا المحلية مثل الميزانية والتفجيرات التي قام بها الجيش الجمهوري الآيرلندي والعلاقات الآيرلندية - البريطانية. لكن بعضها تناول العلاقات البريطانية - الأرجنتينية بعد حرب الفولكلاند، والاختلاف في المواقف بين بريطانيا والولايات المتحدة تجاه سباق التسلح مع الاتحاد السوفياتي بخصوص «المبادرة الاستراتيجية الدفاعية»، أو ما أصبح يعرف بـ«حرب النجوم»، التي أطلقها الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ريغان.
بعض الملفات تتناول بإسهاب أوروبا الشرقية وتخوف ثاتشر من انهيارها المتسارع الذي قد يؤدي إلى حرب عالمية، ووصول غورباتشوف للسلطة والتخوف من فترة يوري آندروبوف وقسطنطين تشيرنينكو الذي تسلم بعده. إلا أن الغرب كان متفائلا من «الإصلاحي» ميخائيل غورباتشوف، لكنه لم يكن يتوقع أن يقوم الأخير بتغييرات جذرية للنظام الشيوعي.
الوثائق تلقي ضوءا على العلاقات الخاصة التي جمعت مارغريت ثاتشر مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان. وهناك رسالة من ثاتشر تفضي فيها بعواطفها تجاهه بعد انتخابه لفترة ثانية، والتي تقول له فيها إنها فرحة جدا بانتصاره في انتخابات 1984. «ما هذا الانتصار؟!»، هكذا كتب في رسالة خاصة نشرها الأرشيف الوطني كاملة، مع إعطاء الصحافة الحق بنشر صورة عنها، وهذا عادة لا يسمح به عادة بأن يقوم أحد بنشر صور للوثائق.
وبالنسبة لبريطانيا، لم تكن هي الأخرى تعرف الكثير عن المستشار الألماني هلموت كول، وظلت علاقاتها معه ينتابها الفتور. قالت تقارير نشرت سابقا إنها عندما التقته في برلين في إحدى المناسبات استأذنها معتذرا بأنه مرتبط بموعد آخر. لكن شاهدته صدفة بعد دقائق في أحد المطاعم يجلس وحيدا ويلتهم الآيس كريم، ويقال إن علاقتهما لم تتحسن، ولاحقا كانت متحمسة للسقوط أوروبا الشرقية، لكنها كانت مستاءة جدا من الوحدة الألمانية، والذي قد يؤدي إلى صعود ألمانيا كقوة اقتصادية في أوروبا والعالم. توقعاتها كانت في محلها. الأزمة المالية التي عصفت باقتصادات العالم وأوروبا أثبتت تنبؤات مارغريت ثاتشر بخصوص صعود القوة الألمانية التي فرضت إرادتها على منطقة اليورو وظلت هي محصنة ضد الأزمة المالية أكثر من غيرها.
في مفاوضات بريطانيا مع الحكومة الصينية حول هونغ كونغ، تقول الوثائق إن طاقم المفاوضات البريطاني عد الرئيس الصيني الأسبق دينغ سياو بينغ جاهلا بأمور هونغ كونغ، ولهذا تمكنت بريطانيا من انتزاع ما تريده في المفاوضات.
* قطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا بعد تصفيات للمعارضة وقتل ضابطة الشرطة
* بالنسبة للعلاقات مع العالم العربي، كشف عن أربعة ملفات تضمنت مراسلات طاقم رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر مع الوزارات والأجهزة المختلفة، التوتر في العلاقات الليبية – البريطانية، وخصوصا بعد أن قام نظام القذافي بتصفية بعض معارضيه في لندن، والتحريض الذي أطلقه السفير الليبي موسى كوسا بخصوص الناشطين الليبيين في لندن، والذي طلب على أثره مغادرة لندن. ولكن تعقدت الأمور أكثر بعد أن أطلق واحد من طاقم السفارة الرصاص على المتظاهرين خارج مبنى السفارة الليبية في وسط لندن، وكانت النتيجة قتل إيفون فليتشر، الضابطة في قوة شرطة لندن، يوم 17 أبريل (نيسان) 1984. وبالمقابل، تعرضت السفارة البريطانية في طرابلس لحصار من قبل قوات القذافي.
الملفات الأربعة تناولت «السياسة الواقعية» لمارغريت ثاتشر التي أخذت في الاعتبار المصالح الاقتصادية لبريطانيا، بسبب إمدادات البترول ووجود عقود تجارية مع ليبيا تقدر بمئات الملايين من الدولارات، وكان رأي مارغريت ثاتشر أن تلجأ الشركات البريطانية إلى وكالات التحكيم الدولي. وكان هناك اتفاق بين الوزارات المختلفة على إلغاء جميع العقود التي تخص مبيعات الدفاع، وأن لا تربط بريطانيا بين العقود التجارية والوضع السياسي القائم بين البلدين. وهذا ما كتبته ثاتشر بخط يدها على إحدى الوثائق، وتقول إنها تتفق مع تقييم وزارة الخارجية، وإنه يجب أن لا نقول «إن الأسباب سياسية»، حتى لا تستعمل الخلافات السياسية كذرائع في العلاقات التجارية بين الدول في المستقبل. كما أرادت بريطانيا إعادة النظر في المعاهدات الدولية، مثل معاهدة فيينا، التي تمنح حصانة دبلوماسية لسفارات وطاقمها، وهذا عقد الأمور لأن بريطانيا كانت تريد دخول مبنى السفارة الليبية وتفتيشه بحثا عن السلاح. وفي محادثة تليفونية قال ووزير الداخلية ليون بريتون لرئيسة الوزراء ثاتشر: «في النهاية قبلنا أن يغادر القاتل المبنى حرا طليقا». وتضيف الوثيقة أنها، أي ثاتشر «لم تختلف مع هذا الرأي». أحد الملفات يتضمن رسالة من الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، موقعة من قبل أمينها العام محمد يوسف المقريف، يحث فيها ثاتشر على أن تكون حازمة في تعاملها مع القذافي.
* الحرب العراقية - الإيرانية والخوف على إمدادات البترول
* الملف يتناول التصعيد في الحرب بين البلدين، مما قد يؤدي إلى تأثر إمدادات البترول. وكتب جون كول، السكرتير الخاص لمارغريت ثاتشر في مارس (آذار) 1984 رسالة لرئيسة الوزراء، محذرا من أن توقف إمدادات البترول بسبب الحرب بين البلدين قد يقحم الولايات المتحدة وبريطانيا التدخل عسكريا في الحرب وبشكل مباشر دون أن يكون أي من الطرفين قد فكر بها مليا». وفي نهاية العام عقد لقاء بين الطرف حول «قواعد الاشتباك» للتحضير لمثل هذا السيناريو، وكتب وزير الخارجية جيفري هاو إلى نظيره الأميركي، أن المباحثات يجب أن تبقى قيد السرية بين الطرفين، وأن «لا يكون هناك أي تعليقات حول الموضوع من أي جانب».
الملف يتناول المبيعات البريطانية العسكرية، والتي لا تعد خطيرة لإيران، وهذا ما استمرت في عمله بريطانيا رغم الانتقادات لها من قبل الدول الأخرى (وهذا ما تناولته «الشرق الأوسط» في عرضها للوثائق العام الماضي).
ويتضمن الملف لقاءات بين الرسميين والعسكريين البريطانيين مع الملك حسين في عمان، ومن ثم اجتماعهم مع صدام، وكذلك وزير خارجيته طارق عزيز في بغداد. ويصف صدام في اللقاء «الهجمات الانتحارية» التي كان يقوم بها الإيرانيون في فبراير (شباط) 1984 قائلا: «هجم الإيرانيون مثل الجراد، وجرى القضاء عليهم بنفس الطريقة التي يحارب بها المزارعون الجراد، يحفرون الخنادق، ويحرقونهم عندما يقعون فيها». وقال صدام للوفد البريطاني الزائر إنه شاهد بأم عينه كيف يجري القضاء على الإيرانيين، ووعد أن يزودهم بشريط مصور حول عمليات إبادة المهاجمين الإيرانيين.
مارغريت ثاتشر متخوفة من حرب عالمية إثر انهيار متسارع لأوروبا الشرقية هناك أيضا ملفات تتناول العلاقات الألمانية – البريطانية، وكذلك العلاقات مع ألمانيا تحت قيادة هلموت كول الذي لم تجمعه علاقات طيبة مع مارغريت ثاتشر التي كانت دائما متخوفة من القوة الألمانية. ثاتشر خلال قمتها مع كول كانت متخوفة من «الانهيار المتسارع لدول أوروبا الشرقية الذي قد يقود إلى حرب عالمية». واتفق الجانبان على أن «البيانات التي تنشرها واشنطن بخصوص أوروبا الشرقية لا تساعد في احتواء الأزمة».
الملف المنفصل الذي يتناول العلاقات السوفياتية – البريطانية، يركز على زيارة ميخائيل غورباتشوف في ديسمبر (كانون الأول) 1984. الزيارة جاءت قبل أن يصبح غورباتشوف رئيسا للاتحاد السوفياتي، لكنه كان عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي. في الوثائق تقدم وزارة الخارجية البريطانية تقييما لشخصية غورباتشوف وتصفه إحدى الوثائق بأنه «إصلاحي»، وبأنه «الرجل الذي سيقود الاتحاد السوفياتي إلى القرن الحادي والعشرين». لكن الوثائق تبدي تحفظها حول ما يمكن أن يعمله «خصوصا أنه لا يوجد ما يوحي بأنه لا يؤمن بالشيوعية، أو أنه سيعمل أو قادر على أن يقوم بتغييرات جذرية للنظام الشيوعي».
* أميركا لم تكن تعرف إذا كان آندروبوف متزوجا
* لقاء ثاتشر مع جين كير كباترك، سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة، يلقي أيضا بعض الضوء على العلاقات الغربية مع الاتحاد السوفياتي، خصوصا فترة وجود يوري آندروبوف في الحكم (من نوفمبر/ تشرين الثاني 1982 إلى فبراير 1984). ثاتشر قالت إنها تعتقد، كما بينت التقارير التي وصلت إليها، أن الاتحاد السوفياتي متخوف من أن الولايات المتحد الأميركية قد توجه ضربة نووية مفاجئة ضده. وقالت جين كير كباترك: «يجب أن نتوخى الحذر في تعاملنا مع الاتحاد السوفياتي هذه الأيام، لأن مزاج موسكو يبدو غريبا هذه الأيام». وقالت لمارغريت ثاتشر في اجتماعها معها في أبريل 1984، إن الغرب لم يكن يعرف الكثير عن فترة آندروبوف: «لم نكن نعرف إذا كان متزوجا أم لا». وبعد ثلاثة أشهر من وجوده في الحكم قالت «سي آي إيه» إنها لاحظت أن «الاتحاد السوفياتي قد صعد من حملاته التضليلية في المعلومات».
بعض الوثائق تناولت العلاقات البريطانية - الفرنسية من خلال زيارتين قامت بهما مارغريت ثاتشر إلى باريس ولقائها مع الرئيس ميتران في نوفمبر 1984 لمناقشة توسيع «السوق الأوروبية المشتركة» الذي أصبح فيما بعد «الاتحاد الأوروبي». وقالت ثاتشر إن عام 1984 سيسجله التاريخ على أنه عام «العلاقات الأوروبية».
* الرئيس الصيني جاهل بأمور هونغ كونغ
* الملف يتناول شؤون المستعمرة السابقة هونغ كونغ، والتي قرب وقت تسليمها إلى الصينيين يبين الخلافات داخل الحكومة بخصوص انتزاع أكبر قسط ممكن من التنازلات الصينية. وكتبت ثاتشر إلى السير بيرسي كرادوك تشكره على ما أنجزه خلال المفاوضات مع الحكومة الصينية، قائلة: «شكرا جزيلا وتهانينا لك.. كانت النتائج جيدة جدا» بخصوص الوضع الخاص للمستعمرة بعد تخلي بريطانيا عنها بعد 150 سنة من وجودها تحت مظلة التاج البريطاني.
وكتب كرادوك مقيما الزعيم الصيني قائلا: «تمكنا من انتزاع ما يمكن انتزاعه من الصينيين.. ذهبنا إلى أبعد من الحافة.. إن الرئيس دينغ سياو بينغ جاهل بأمور هونغ كونغ». لكن وزير الخارجية جيفري هاو كتب يقول، إن «في رأيي هذا أفضل ما يمكن أن نحققه في المفاوضات تحت هذه الظروف»، معترفا بأن الطاقم البريطاني في المفاوضات «لم يستطع أن ينتزع أكثر من هذا». كما يتضمن الملف رسائل من ثاتشر إلى رئيس الوزراء الأسترالي بخصوص وضع هونغ كونغ، ورسالة أخرى إلى الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان. وكتبت على الرسالة التي صاغها أحد مستشاريها قائلة: «الرسالة الموجهة إلى الرئيس ريغان صياغتها سيئة جدا.. حاولت تعديلها».
* ثاتشر تهدد بوقف مفاوضات آيرلندا الشمالية
* المحادثات البريطانية مع حكومة جمهورية آيرلندا استحوذت على عدد من الملفات. التفجير في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 1984 الذي استهدف الحكومة وقيادة حزب المحافظين في «غراند هوتيل» في مدينة برايتون الساحلية خلال انعقاد المؤتمر السنوي لحزب المحافظين زاد من ثبات مارغريت ثاتشر في تعاملها مع ملف «إقليم آيرلندا الشمالية» المتنازع عليه. وعلقت ثاتشر بخط يدها على إحدى الوثائق قائلة: «أحداث ليلة الخميس الماضي في برايتون تملي عليني أن نتريث قليلا في المفاوضات، إن لم نوقفها بالكامل»، مضيفة بخط يدها على رسالة من سكرتيرها الخاص قائلة: «التفجير أدى إلى تباطؤ الأمور، وقد يقتل المبادرة الجديدة بالكامل، وأعتقد أنه سيكون جزءا من سلسلة من التفجيرات».
عرفت ثاتشر بأنها المرأة الحديدية خلال فترة حكمها التي شهدت نزاعات داخلية، مثل إضرابات عمال المناجم، وأيضا الإضراب عن الطعام الذي قام به سجناء من أعضاء الجيش الجمهوري الآيرلندي، والذي شوه صورة بريطانيا على الصعيد الدولي. إحدى الوثائق تبين عدم اكتراثها بمعاناة أمهات المضربين عن الطعام جراء تدهور حالتهم الصحية. وعلقت بخط يدها حول الرسائل التي وصلت إليها من سفاراتها بخصوص الامتعاض الدولي تجاه موقفها من الإضراب، وكتبت معلقة على طلب الأمهات لقاءها قائلة: «لا يهمني أبدا ما سببه الإضراب من ألم وحزن لبعض الناس (الأمهات).. للأسف، لا أرى كيف يمكن أن يساعد الاجتماع بالأمهات في حل الأزمة ووضع حد لآلامهن.. وبغض النظر عما كتب وقيل حول التعاطي مع الإضراب. للأسف، هؤلاء الشباب (المضربون) مستعدون أن يضيعوا حياتهم من أجل هدف لا يمكن لأي حكومة في العالم أن تلبيه لهم».
* نظام القذافي هدد باستخدام العنف
* بعث السفير البريطاني في طرابلس، ببرقية إلى لندن يخبر المسؤولين بأنه طلب منه الحضور في وقت متأخر من مساء يوم 16 أبريل إلى مكتب وزارة الخارجية في طرابلس. إذ يقول السفير: «في منتصف ليل 16 أبريل طلب مني الحضور إلى مكتب اللجان الشعبية للشؤون الخارجية، واستقبله شخص اسمه (حفيانا)، عضو آخر في اللجان الشعبية التي تشكلت أخيرا. المسؤول الليبي كان يقرأ من نص جاهز يقول إن مظاهرة ضد الجماهيرية ستنظم في لندن يوم 17 أبريل».
وكان النشطاء الليبيون قد طلبوا من الشرطة البريطانية تصريحا بتنظيم مظاهرة احتجاجية سلمية يوم 17 أبريل أمام مبنى السفارة الليبية في ميدان «سانت جيمس سكوير» بوسط لندن. وهذا ما سمحت به الشرطة حسب القوانين المعمول بها في بريطانيا، والتي تقبل بحرية التعبير السياسي السلمي.
ويضيف السفير البريطاني في رسالته قائلا: «إن المسؤول الليبي استمر في القراءة من النص الجاهز.. يقول إن الحكومة لن تتحمل مسؤولية العنف الذي سيقع إذا سمح للمظاهرة بأن تنظم، لأن ذلك يشكل تهديدا للمكتب الليبي (السفارة)، قلت له إن بريطانيا دولة تسمح بحرية التعبير، وذكرته بأنها نظمت قبل أسابيع أمام سفارتي (البريطانية في طرابلس) مظاهرة، وأن الحكومة البريطانية لن تأبه بهذا النوع من التهديد باستعمال العنف. وفي هذه اللحظة سحب كلامه وقال إنه لا يقصد التهديد المباشر. لقد أكدت له أن لندن ستضمن سلامة المكتب الليبي (السفارة)، وأخبرته بأنني سأخبر لندن بما قاله».
لكن بعد عملية إطلاق النار ومحاصرة الشرطة البريطانية مبنى السفارة، وقيام «القوى الثورية» الليبية بمحاصرة السفارة البريطانية في طرابلس. كتب السفير البريطاني في طرابلس يقول إنه كان يحاول الاجتماع مع وزير الخارجية الدكتور عبد السلام التريكي، الذي قال عنه إنه ينتمي إلى بعض العناصر في النظام الليبي التي لا تحبذ هذا النوع من الأعمال.
في البرقية قال السفير: «اجتمعت بمسؤولين في مكتب الخارجية الليبي، وطلبت مقابلة التريكي، لكنهم قالوا إنه مشغول.. اجتمعت مع السويدان (مسؤول في مكتب العلاقات الخارجية) وكان لقاء سيئا. قلت له إن بين 60 و70 شخصا تظاهروا خارج السفارة الليبية في لندن، ومن دون أي مشكلات، لكن أطلقت ثلاث رصاصات من السفارة على المتظاهرين من دون أي مبرر، جرح على أثر ذلك 11 شخصا، وقتلت ضابطة شرطة. طلبت منهم، حسب تعليماتكم (في لندن)، إعطاء السلطات البريطانية تصريحا لدخول المبنى من أجل حجز الرشاش الذي استعمل في إطلاق النار من على سطح السفارة في لندن، لكن رفض السويدان إعطاء تصريح بالدخول، وبدأ يتكلم عن خطورة قيام الشرطة البريطانية دخول المبنى من دون تصريح. كررت طلبي، وأن يجري إعلام الدكتور التريكي به، لكنه رفض ذلك وقال إن جميع أعضاء اللجنة الشعبية للعلاقات الخارجية يتكلمون بصوت واحد.
بعد ذلك سألت السويدان من المسؤول عن إطلاق النار؟! لكنه قال إنه لم يكن هناك سلاح أو إطلاق نار. قلت له لا داعي للاستمرار في هذا النقاش على هذه الأرضية وغادرت المكان. سكرتيرة التريكي ودعتني وأعدت طلب مقابلة التريكي.
قال لي السويدان إن على أعضاء طاقمي أن يبقوا في السفارة أو في بيوتهم من أجل سلامتهم. لقد طلبت من طاقمي أن يلتزموا بذلك حتى تتضح الأمور».
وفي برقية ثانية (عبر التلكس) يقول السفير البريطاني في طرابلس:
* التركي: هناك عناصر وعقلانية من الليبيين تقف ضد الأعمال الطائشة
* «طلب التريكي مني الحضور إلى مكتبه في طرابلس وطرح نقطتين، وقال إن هذه المطالب جاءت من أعلى (يقصد القذافي). أولا قال إنه يريد أن تهدأ الأمور ويوقف التصعيد»، مضيفا أن ما حدث كان خارجا عن إرادته. وقال التريكي إنه سيقدم الحماية لي ولطاقم سفارتي: «لقد طلبت قوات إضافية من الشرطة لحماية سفارتي ولبي طلبي». وقال إنه أعطى تعليمات لطاقم سفارته في المكتب الشعبي الليبي (السفارة الليبية في لندن) أن يبقوا في الداخل حتى إشعار آخر.
وقال إن الوضع سيكون خطيرا إذا حاولت الشرطة البريطانية دخول مبنى المكتب الشعبي. قلت له: «لا يوجد لدي تعليمات جديدة من لندن بخصوص الموضوع، وأعدت ما قاله لي السويدان وحفيانا، وكررت ما جاء من تقارير سابقة وصلت إليَّ بأن الرصاص أطلق من داخل مبنى المكتب الشعبي، والآن أنتظر تعليمات إضافية من لندن، وعرض التريكي أنه سيكون تحت تصرفي خلال الفترة».
كما نوه التركي بأن هناك عناصر متزنة وعقلانية من الليبيين وتقف ضد هذه الأعمال الطائشة، وأعتقد أنه محق في ذلك. هذه أخبار جيدة، إذا بدأ ينحاز بنفسه إلى هذا النوع من الليبيين».
قبل حادث مقتل ضابطة الشرطة البريطانية يوم 17 أبريل 1984، أظهرت الكثير من الوثائق أن السلطات البريطانية اعتقلت الكثير من الأشخاص الليبيين، بعضهم جرى ترحيلهم بعد أن عدوا أشخاصا غير مرغوب بهم، وبعضهم أدين في المحاكم بالقيام بتفجيرات واغتيالات لعناصر من المعارضة الليبية النشطاء على الساحة البريطانية.
وأطلق نظام القذافي تهديدات ضد هؤلاء النشطاء، وجاءت بعض التهديدات علنا على لسان موسا كوسا، الأمين العام للجنة الشعبية (الطاقم الدبلوماسي برئاسة كوسا) آنذاك، التي تدير المكتب الشعبي (السفارة). وفي يونيو (حزيران) 1980، وبعد أن قدم كوسا أوراق اعتماده كدبلوماسي في لندن صرح علنا بأن النظام سيقوم بتصفيات المناوئين جسديا لحكم القذافي. وفي اليوم التالي بعد التصريحات التي أطلقها كوسا «يؤيد فيها قتل المعارضين للنظام في لندن»، والتي أعلنها أيضا وزير الخارجية السير جيفري هاو أمام البرلمان البريطاني، طلب من كوسا أن يغادر لندن، التي عدته شخصا غير مرغوب فيه.
بعد إطلاق الرصاص من المكتب الشعبي الليبي وقتل ضابطة الشرطة أرسلت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا رسالة إلى رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر تقول فيها:
«نريد أن نعبر باسم جبهة إنقاذ ليبيا عن شجبنا واشمئزازنا المطلق لعملية إطلاق النار على المتظاهرين الليبيين والشرطة البريطانية أمام المكتب الشعبي الليبي، التي كانت معروفة سابقا باسم السفارة الليبية، والتي أدت إلى مقتل الضابطة إيفون فليتشر وجرح 11 شخصا من المتظاهرين المسالمين.
إننا نشد على أياديكم ونحثكم على اتخاذ خطوات ثابتة ضد الذين قاموا بهذه الجريمة النكراء والتأكد من مثولهم أمام القانون. يجب أن لا يكون لديك أدنى شك من أن الجريمة نفذت بتعمد وسبق إصرار، وبتوجيهات شخصية من القذافي نفسه ونظامه. خطط القذافي العدائية ضد بريطانيا وتهديداته لحكومتك ليست بالشيء الجديد ومعروفة. هذا ما عبر عنه عندما قرر أن السفارة لا تشكل بعثة الدبلوماسية وحولها إلى مكتب شعبي من دون صفة دبلوماسية. ممثلو المكتب أصبحوا (أعضاء لجان ثورية)، وهؤلاء لا يعترفون أو يحترمون العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية وأعرافها. إننا نقدر ونثمن القوات البريطانية على دورها في احتواء الأزمة والغضب، ونقدم تعازينا لعائلة الضابطة إيفون فليتشر وزملائها في العمل.
كلنا ثقة أن حكومتك ستتعامل مع هذه الأعمال البربرية وعصابات القذافي الإرهابية في بريطانيا من خلال التقاليد والأعراف البريطانية العريقة المعمول بها والتي تحترم الحرية وحرمة وحياة الإنسان».
(الرسالة موقعة من قبل الأمين العام للجبهة محمد يوسف مقريف). في الحلقات القادمة تتناول «الشرق الأوسط» بعض وثائق المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها ضباط من الجيش الليبي ضد القذافي، وكذلك حساسية الوضع بالنسبة لبريطانيا بسبب تشابك مصالحها التجارية مع ليبيا، والتي تقدر بمئات الملايين، وكذلك خوفها من رد الفعل الليبي ضد البريطانيين الذين يقدر عددهم بأكثر من 8000 شخص، إضافة إلى طاقم السفارة.



ألمانيا تنتقد فرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها

علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
TT

ألمانيا تنتقد فرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها

علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)
علَما الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» في برلين (رويترز)

لم تستمر طويلاً الجبهة الموحدة، التي جمعت الأوروبيين في ميونيخ في وجه الولايات المتحدة. فبالكاد انتهى مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الأحد، بعدما شكّل بداية عهد جديد في العلاقات الأميركية - الأوروبية، حتى عادت التصدعات بين أكبر قوتين داخل الاتحاد الأوروبي للظهور.

ووجّه وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، انتقادات مباشرة لفرنسا لعدم إنفاقها ما يكفي على دفاعها، قائلاً في مقابلة إذاعة «دوتشلاند فونك» الألمانية، إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «يتحدث عن حق بشكل متكرر عن السعي للوحدة الأوروبية، ولكن للأسف جهود فرنسا لتحقيق ذلك غير كافية حتى الآن». وأضاف أن ألمانيا تعهدت بإنفاق 5 في المائة من ناتجها الإجمالي على الدفاع، وهي النسبة الجديدة التي يوصي بها الحلف الدول الأعضاء بحلول عام 2035.

وأشار فادفول إلى أن ألمانيا بدأت تنفّذ خطة للوصول إلى إنفاق 5 في المائة على الدفاع، قائلاً إن «التخطيط المالي على المدى المتوسط يسمح لنا بذلك». ولكنه أضاف: «عندما ننظر إلى الدول المجاورة لنا، حلفائنا، ما زال هناك مجال للتحسين... وعلى فرنسا أن تقوم بما نقوم به نحن، أن تطبق بعض إجراءات التقشف في المجالات الاجتماعية وتوفر في أماكن أخرى كي يكون لديها مجال لتحقيق أهداف مهمة متعلقة بالمقدرات الدفاعية الأوروبية».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع نظيره الألماني يوهان فادفول في ميونيخ (إ.ب.أ)

وفي انتقاد مباشر للرئيس الفرنسي، قال فادفول: «من يريد التحدث عن الاستقلال عن الولايات المتحدة اليوم عليه أولاً أو يقوم بواجباته داخلياً أولاً، أوروبا ما زال أمامها الكثير من العمل».

وبينما مضت الحكومة الألمانية في إنفاق غير مسبوق منذ عقود على الدفاع، وأدخلت تعديلات على الدستور تزيل سقف المديونية كي تتمكن من الاستدانة للإنفاق على دفاعها، تتلكأ فرنسا التي تعاني من عبء دين وطني أعلى بكثير.

وكان الرئيس الفرنسي اقترح استدانة أوروبية مجتمعة فيما يُعرف بالـ«يوروبوند»، ولكن ألمانيا ترفض الفكرة بشكل قاطع. وقد كرّر وزير الخارجية الألماني تأكيد بلاده لهذا الرفض، قائلاً: «نحن لسنا مستعدين لذلك بتاتاً»، مضيفاً أن دول «الناتو» تعهدت بإنفاق 5 في المائة من الناتج الوطني الإجمالي لكل دولة بمفردها. وأشار فاديفول إلى أن ألمانيا تترقب خطاباً للرئيس الفرنسي نهاية الشهر سيتحدث فيه عن مسائل استراتيجية، يأمل أن تتضمن إعلاناً بزيادة الإنفاق العسكري.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ميونيخ (د.ب.أ)

وأمام الضغوط الأميركية المتزايدة على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقهم العسكري وتقليل الاعتماد عليها، اعتمدت ألمانيا خطاباً تصالحياً مع حليفها الأميركي، وفي الوقت نفسه تعهدت بالعمل على تقوية أمنها. وكان واضحاً من خطاب المستشار فريدريش ميرتس في مؤتمر ميونيخ أن برلين تعي أن العلاقة المتغيرة مع الولايات المتحدة تقتضي أن تزيد من إنفاقها الدفاعي. وبالنسبة لألمانيا، فإن قرار زيادة إنفاقها الدفاعي، يعتبر تاريخياً نظراً لتعمدها طوال عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إضعاف جيشها وتخفيض الإنفاق العسكري، والاعتماد في المقابل على المظلة الأميركية.

وكان لافتاً كذلك أن رئيس أركان الدفاع الألماني، كارستن بروير، وجّه نداء مشتركاً مع نظيره البريطاني، ريتشارد كينغتن، لزيادة التسليح في القارة. وكتب العسكريان مقالاً مشتركاً نشرته صحيفة «دي فيلت» الألمانية و«ذي غارديان» البريطانية، حددا فيه أسباب ضرورة إعادة تسلح أوروبا بالقول إن «روسيا من الواضح أنها تحول قدراتها العسكرية غرباً» وإنها «تتعلم من الحرب في أوكرانيا بسرعة وتعيد تنظيم نفسها بطريقة تزيد من مخاطر اندلاع صراع مع دول (الناتو)». وخلصا إلى أن هذه المخاطر تجعل من إعادة التسليح «واجباً أخلاقياً وخطوة مسؤولة من دول مصممة على حماية شعوبها وحفظ الأمن».

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي في قمّة بلاهاي في يونيو 2025 (د.ب.أ)

واعتبر رئيسا الأركان أن قرار «الناتو» في الصيف الماضي برفع توصية الإنفاق العسكري إلى 5 في المائة لكل دول الحلف بحلول عام 2035 «يعكس واقعاً أمنياً جديداً ويتطلب من كل الدول الأعضاء اتخاذ قرارات صعبة ووضع أولويات للإنفاق العام». وحذرا من أنه إذا «رأت روسيا أن أوروبا ضعيفة أو منقسمة، فهي ستتشجع لتوسيع اعتدائها أبعد من أوكرانيا، فالتاريخ يعلمنا أن الردع يفشل عندما يشعر الخصوم بالانقسام والضعف».

وجاء المقال للعسكريين في اليوم الأخير لمؤتمر ميونيخ للأمن الذي لم يترك مجالاً للشك أمام الأوروبيين بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب مصممة على فتح صفحة جديدة مع الأوروبيين، تعتمد على زيادة مسؤوليتهم عن أمنهم والانسحاب تدريجياً من أمن القارة. وألقى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، خطاباً أمام المؤتمر أكّد فيه استمرار التحالف الأميركي الأوروبي، ولكنه ألحقه بشروط تتعلق بأن تصبح أوروبا أقوى وتقلص اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة وتعتمد سياسة هجرة مختلفة «للحفاظ على الحضارة الأوروبية». وبدت النقطة الأخيرة تكراراً لما تحدث به العام الماضي نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أمام مؤتمر ميونيخ وشكل صدمة آنذاك للأوروبيين. ورغم أن كلام روبيو لم يختلف كثيراً في المضمون، ولكنه ألقاه بأسلوب أكثر دبلوماسية، ما أكد للأوروبيين أن الرسالة الأميركية لن تتغير مهما كان حاملها.

وقالت سيليست والندر، مساعدة وزير الدفاع الأميركي السابقة لشؤون الأمن الدولي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما شهدناه في مؤتمر ميونيخ هو أساس علاقة أوروبية - أميركية جديدة يمكنها أن تكون بناءة ومنتجة ولكن علينا أن نرى كيف ستعمل». وأضافت أن هذه العلاقات بدأت تتغير بين الطرفين منذ مدة، ولكن الآن «بات هناك فهم أكبر لدى الأوروبيين بأننا في عصر جديد». وما زالت أوكرانيا الهاجس الأكبر بالنسبة للأوروبيين القلقين من أن انسحاباً أميركياً قد يقوي روسيا أكثر. ويكرر المسؤولون الأوروبيون وكذلك الرئيس الأوكراني، أنه لا يمكن إنهاء الحرب في أوكرانيا من دون ضمانات أمنية أميركية. ولكن الولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لتقديم ضمانات كهذه، وهي تريد من الأوروبيين الالتزام بحماية أوكرانيا بمفردهم.

جنود من فرنسا وبولندا يشاركون في مناورة عسكرية مشتركة مع جنود من كثير من دول «الناتو» على نهر فيستولا في كورزينيو ببولندا 4 مارس 2024 (د.ب.أ)

وقالت والندر: «إن الإدارة الأميركية كانت واضحة بأن إمكانياتها في هذا المجال محدودة وأنه سيكون على الأوروبيين أن يتحملوا تلك المسؤولية». وأضافت تعليقاً على الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف الولايات المتحدة، أنها «مثيرة للجدل في السياسة الأميركية الداخلية وفي الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2028، خاصة أن البيت الأبيض يريد تقليص أعداد الجنود في أوروبا وليس زيادتهم».

وأمام هذه التحديات التي تواجه الأوروبيين مع حليفهم عبر الأطلسي، تبدو الخلافات الألمانية الفرنسية عقبة أمام صوت أوروبي موحد وقوي، سيتعين على الدولتين الأقوى داخل الاتحاد الأوروبي تخطيها إذا ما أرادت أوروبا أن تنجح بالاستقلال فعلاً عن الولايات المتحدة.


برلين تمدد عمليات مراقبة الحدود 6 أشهر إضافية

عناصر من الشرطة الألمانية (رويترز - أرشيفية)
عناصر من الشرطة الألمانية (رويترز - أرشيفية)
TT

برلين تمدد عمليات مراقبة الحدود 6 أشهر إضافية

عناصر من الشرطة الألمانية (رويترز - أرشيفية)
عناصر من الشرطة الألمانية (رويترز - أرشيفية)

أعلنت وزارة الداخلية الألمانية، الاثنين، أن برلين ستمدد 6 أشهر إضافية عمليات مراقبة الحدود رغم انتقادات دول مجاورة، وذلك حتى تحديد «سياسة أوروبية قابلة للتنفيذ على صعيد الهجرة».

وقال ليونارد كامينسكي متحدثاً باسم «الداخلية الألمانية» خلال مؤتمر صحافي دوري إن هذه المراقبة المؤقتة ستستمر حتى منتصف سبتمبر (أيلول)، بعد تمديدين سابقين. وأوضح أن «سياسة الهجرة في ألمانيا تشهد إعادة تنظيم»، وعمليات مراقبة الحدود هي جانب منها مع تحقيق «نجاح لا ريب فيه».

وهذا الإجراء بدأته حكومة المستشار السابق الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس، بعد سلسلة هجمات دامية ارتكب بعضها أجانب، في موازاة ارتفاع أسهم حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

عناصر من الشرطة الألمانية (إ.ب.أ)

وبعد تسلمه الحكم في مايو (أيار)، بادر الائتلاف الحكومي برئاسة المحافظ فريدريش ميرتس إلى تعزيز المراقبة، مستعيناً بعدد أكبر من شرطة الحدود بهدف التصدي لطالبي اللجوء. ولكن ميرتس، أعلن في ديسمبر (كانون الأول) أنه ينظر في إنهاء هذا الإجراء، بعد قرار للاتحاد الأوروبي بانتهاج سياسة هجرة صارمة على حدوده الخارجية.

وعمليات المراقبة لا تشمل منطقة شنغن من حيث المبدأ، لكنها ممكنة التنفيذ فيها لمدة عامين في حال تهديد النظام العام أو الأمن. وأضاف المتحدث كامينسكي أنه منذ سبتمبر 2024، أعيد نحو 50 ألف شخص بعد «عبورهم الحدود في شكل غير قانوني».

ولم تتراجع برلين عن تدابيرها رغم قرار محكمة ألمانية في يونيو (حزيران) عد هذه الممارسة «غير قانونية»، واستياء 9 دول مجاورة.

ويدعو المحافظون بزعامة ميرتس إلى تبنِّي سياسة هجرة عامة متشددة بغية قطع الطريق أمام «البديل من أجل ألمانيا»، أكبر قوة معارضة. وتستعد ألمانيا لانتخابات إقليمية، هذا العام، ولدى اليمين المتطرف أمل كبير بالفوز في عدد من الولايات بشرق البلاد.


أوكرانيا: احتجاز وزير سابق للطاقة للاشتباه في ضلوعه بقضية فساد

جيرمان غالوشيتنكو الذي شغل منصب وزير الطاقة في أوكرانيا منذ عام 2021 حتى 2025 (أرشيفية - رويترز)
جيرمان غالوشيتنكو الذي شغل منصب وزير الطاقة في أوكرانيا منذ عام 2021 حتى 2025 (أرشيفية - رويترز)
TT

أوكرانيا: احتجاز وزير سابق للطاقة للاشتباه في ضلوعه بقضية فساد

جيرمان غالوشيتنكو الذي شغل منصب وزير الطاقة في أوكرانيا منذ عام 2021 حتى 2025 (أرشيفية - رويترز)
جيرمان غالوشيتنكو الذي شغل منصب وزير الطاقة في أوكرانيا منذ عام 2021 حتى 2025 (أرشيفية - رويترز)

وجّه «المكتب الوطني لمكافحة الفساد» في أوكرانيا، الاثنين، اتهامات إلى وزير طاقة ​سابق بغسل ملايين الدولارات في قضية فساد هزت الحكومة، وذلك بعد يوم من اعتقاله لدى محاولته مغادرة البلاد.

ووفقاً لـ«رويترز»، فقد أصبح جيرمان غالوشيتنكو، الذي شغل منصب وزير الطاقة منذ عام 2021 حتى 2025 ثم منصب وزير العدل لفترة ‌وجيزة قبل ‌استقالته على خلفية الفضيحة ​العام ‌الماضي، ⁠أحد ​أكبر المسؤولين ⁠الذين اعتُقلوا على خلفية ما تسمى «قضية ميداس» المعنية بشبهة رشا بمبلغ 100 مليون دولار في «شركة الطاقة الذرية» الحكومية.

وتشتبه السلطات أيضاً في ضلوع مسؤولين كبار ونخبة من ⁠رجال الأعمال، بينهم مقرب سابق من ‌الرئيس فولوديمير ‌زيلينسكي. وأثارت القضية قلق حلفاء ​كييف الغربيين.

وذكر «المكتب ‌الوطني لمكافحة الفساد» في بيان أنه «‌كُشف عن ضلوع غالوشيتنكو في غسل أموال والمشاركة في منظمة إجرامية».

وأضاف البيان أن أكثر من 7 ملايين دولار حُوّلت ‌إلى حسابات خارجية بأسماء زوجة غالوشيتنكو وأبنائه الأربعة. وخُصص جزء من ⁠هذه الأموال ⁠لارتياد الأبناء مدارس نخبة في سويسرا، ووضع جزء آخر في «وديعة حصلت منها عائلة المسؤول الرفيع على دخل إضافي أنفقته على احتياجاتها الخاصة».

ونفى غالوشيتنكو ارتكاب أي مخالفات. ولم يرد على طلب للتعليق، كما لم يتسن لـ«رويترز» الوصول إلى محامٍ يمثله.

وكان «المكتب الوطني لمكافحة الفساد» قال، ​الأحد، إن غالوشيتنكو ​اعُتقل «في أثناء محاولته مغادرة البلاد».