الثلج رداء أبيض «استدعى» الزوّار إلى مرتفعات الشمال الغربي في تونس

ثلوج في مرتفعات الشمال الغربي في تونس («الشرق الأوسط»)
ثلوج في مرتفعات الشمال الغربي في تونس («الشرق الأوسط»)
TT

الثلج رداء أبيض «استدعى» الزوّار إلى مرتفعات الشمال الغربي في تونس

ثلوج في مرتفعات الشمال الغربي في تونس («الشرق الأوسط»)
ثلوج في مرتفعات الشمال الغربي في تونس («الشرق الأوسط»)

بحليّ ثلجيّة ناصعة البياض، تزيّنت مرتفعات تونس واكتست بطبقات من الثلوج شكّلت مشهداً استثنائياً لم يألفه التونسيون كثيراً، بعدما شهدت البلاد خلال الأيام القليلة الماضية موجة برد قاسية، اشتدّت حدّتها في مرتفعات الشمال الغربي للبلاد، حيث تساقطت كميات كبيرة من الثلوج، غطّى بياضها المنطقة التي سرعان ما تحوّلت إلى وجهة للسيّاح الأجانب، وللتونسيين من بقية مناطق البلاد.
توافد الزوّار إلى محافظات جندوبة والكاف وسليانة، للاستمتاع بجمال الطبيعة منشّطين الحركة السياحية والتجارية في هذه المناطق الفقيرة.
يقول سامي فارح - 35 سنة - الذي جاء إلى منطقة عين دراهم من محافظة جندوبة، ضمن رحلة نظّمتها إحدى وكالات السفر، إنّ صور "بعض الرفاق على مواقع التواصل الاجتماعي وهم يستمتعون بالثلوج أغرتني"، وجذبه جمال المناظر الطبيعيّة التي شاهدها في نشرات الأخبار، فقرّر أن يخوض التجربة ويغامر بالمجيء إلى المنطقة على الرغم من تحذيرات السلطات من خطورة الطرق واحتمال إغلاقها.
يضيف سامي في حديثه إلى "الشرق الأوسط" وهو ينظر إلى المرتفعات التي كساها الثلج: "هذه المشاهد جديدة بالنسبة إلينا، فنحن نشاهدها عادة في الأفلام والمسلسلات، لذا نرى أن الكثير من الوافدين إلى المنطقة هم تونسيون من مناطق أخرى".

لوحة الجمال تغطّي المعاناة
على الرغم من قسوة المناخ في الشمال الغربي التونسي، انتشرت مظاهر الفرح والاحتفال بتساقط الثلوج، غير أنّ ذلك لم يخفِ الأوضاع الإنسانيّة الصعبة، بعدما تسبّبت العواصف بانهيار منازل، وقطع طرق، وعزل مناطق بأكملها.
وكشفت هذه ظروف الطبيعية ضعف الدولة وحالات التهميش التي تعيشها أغلب مناطقها، وهو ما عبّر عنه السكان المحليون الذين عجزوا في بعض الحالات عن توفير حطب التدفئة الذي يكلّف مبلغ 32 دينارا تونسيا (16 دولارا أميركيا) للمتر المكعّب الواحد، في حين يتضاعف السعر مع إضافة أجور النقل، وفق ما أكّده لـ"الشرق الأوسط" خالد عبيدي أحد أهالي أرياف منطقة عين دراهم.
ويلفت خالد الذي يقطن مع زوجته وأطفاله الستّة في كوخ صغير، إلى أنّ أكثر المنازل في أرياف الشمال الغربي مجرّد أكواخ ومنازل بسيطة لا توفّر الدف، ويشير إلى كون البنى التحتية في المنطقة ضعيفة لا تتحمل العواصف الثلجية، فتنقطع الطرق، وتتوقف عجلة الحياة اليومية من دراسة وعمل.
بلغت سماكة الثلوج في مناطق عدّة نحو نصف متر، ممّا أوجب تدخل مختلف الوحدات من إدارة غابات وتجهيز وديوان وطني للتطهير وحماية مدنية، لفتح عدد من الطرق وتمكين السيارات العالقة من المرور. وأنشأت وزارة التجارة خليّة أزمة للتدخل وتوفير المواد الأساسية التي يحتاج إليها الناس للصمود. وفُتحت بعض المراكز لإيواء المتضررين من موجة البرد وتوفير الخدمات الضرورية لهم. ووزّعت لجنة مجابهة الكوارث الطبيعية مساعدات على عدد من العائلات على غرار الأغطية الصوفية ومواد غذائية وكميات من الحليب وملابس شتوية.

*من «مبادرة المراسل العربي»


مقالات ذات صلة

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

آسيا رجل يسير على طول طريق غمرتها المياه بينما تتسبب الأمطار الغزيرة بفيضانات في بيشاور بباكستان (أ.ف.ب)

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

أفادت وكالات إدارة الكوارث في أفغانستان وباكستان، الثلاثاء، بمقتل نحو 188 شخصاً جراء أمطار غزيرة وفيضانات وثلوج تضرب البلدين منذ أكثر من أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (كابل - إسلام آباد)
آسيا صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

قضى 45 شخصاً على الأقل منذ الأربعاء في أفغانستان وباكستان جراء أمطار غزيرة وعواصف شديدة، وفق ما أفادت أجهزة الإسعاف في البلدين.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الولايات المتحدة​ صورة من مانهاتن في مدينة نيويورك يوم 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)

عواصف عاتية تتسبب في تأخير أو إلغاء أكثر من 10 آلاف رحلة جوية في أميركا

تأخرت أو ألغيت أكثر من 10 آلاف رحلة جوية في الولايات المتحدة، الاثنين، وسط سلسلة من العواصف التي أثرت على عدد من المطارات الرئيسية في البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ أشخاص يسيرون على طول شارع «تايمز سكوير» في مانهاتن أثناء تساقط الثلوج في مدينة نيويورك - 22 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

عاصفة ثلجية عاتية تضرب شمال شرقي الولايات المتحدة (صور)

تضرب عاصفة ثلجية كبيرة مناطق في شمال شرقي الولايات المتحدة لا سيما في مدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الجيل «زد» والعيش في الماضي... بحثٌ عن هويَّة أم عن هواية؟

TT

الجيل «زد» والعيش في الماضي... بحثٌ عن هويَّة أم عن هواية؟

ينبش أبناء الجيل «زد» في صندوق الثمانينيات والتسعينيات بحثاً عن أغراض من الذاكرة (بكسلز)
ينبش أبناء الجيل «زد» في صندوق الثمانينيات والتسعينيات بحثاً عن أغراض من الذاكرة (بكسلز)

في تنقيبه الدائم عن أغراضٍ من حقبة التسعينيات واعتماده موضة عام 2000، ربما يبحث الجيل «زد» عن هوية أو انتماء. فمواليدُ ما بين 1997 و2012، تَزامنت سنواتهم الأولى والعصر الذهبي للهاتف الذكي، كما نشأوا على ثقافة الإنترنت والتواصل الاجتماعي.

عندما يُصاب أبناء هذا الجيل بالحنين إلى زمنٍ لم يعرفوه، فهذا يعني أنهم على الأرجح متعبون من زمنهم الحالي. ووفق استطلاع أجرته شبكة «إن بي سي» الأميركية قبل أسبوعين، فإنَّ 47 في المائة من المستطلَعين المتراوحة أعمارهم ما بين 18 و29 عاماً، يؤثِرون العيش في حقبة ماضية مع أفضليَّة للثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية الثانية. وقد برّروا خيارهم هذا بكونهم متعبين من التكنولوجيا و«السوشيال ميديا» والاتصال المستمر بشبكة الإنترنت.

باقتناء الهواتف القديمة يعبِّر الجيل «زد» عن تعبه من الهواتف المحمولة وسطوة الإنترنت (بكسلز)

حنين الجيل «زد» لـ«الكاسيت» والهاتف بأزرار

ليس من قبيل الصدفة أن تكون الهواتف المحمولة القديمة ذات الأزرار وتلك القابلة للطي وغير المجهّزة للاتصال بالإنترنت، قد شهدت عودة مدويّة في الآونة الأخيرة. ولا تتوقف نوستالجيا الجيل «زد» عند هذا الحدّ؛ بل تمتدّ إلى الملابس، والإلكترونيات، والكاميرات، والموسيقى، والأفلام، والمسلسلات، وألعاب الفيديو، والديكور، والسيارات، وحتى الهوايات. كما أنهم درجوا على تنظيم حفلات وسهرات ممنوعٌ فيها استخدام الهواتف، في وعي منهم بأهمية الحدّ من الإدمان على تصفّح الإنترنت ووسائل التواصل.

مَن كان يتخيّل أنّ شريط «الكاسيت» سيعود إلى الضوء بعد سنواتٍ على اندثاره، وأنّ سوق أسطوانات «الفينيل» سيرجع إلى أمجاده السابقة. يبدو أنّ الجيل الصاعد قد ملّ فعلاً من حَصرِ مصادر ترفيهه بآلة واحدة هي الهاتف الذكي وتطبيقاته الرقميّة، فراح ينبش وسائل التسلية التي كان يعتمدُها أهلُه في مراهقتهم وشبابهم.

عادت المسجّلة أو جهاز الراديو، ومعها الأسطوانات المدمجة (سي دي)، كما خرج «الووكمان» من أدراج النسيان. تخلَّى الجيل «زد» عن السمّاعات اللاسلكيّة، واسترجع تلك التي بأشرطة طويلة. وفجأة وجدت شركة «أبل» نفسها تصنّع «الآي بود» من جديد، نظراً للطلب المتزايد على هذا الجهاز الذي أبصر النور عام 2001، والذي يتيح الاستماع إلى الموسيقى من دون الاتصال بالإنترنت، وبعيداً عن إشعارات وسائل التواصل الاجتماعي.

يبحث الجيل «زد» عن وسائل تسلية كان يعتمدها أهلهم في مراهقتهم (بكسلز)

الجيل «زد» يُحيي «تتريس» و«غيم بوي»

وفق استطلاع أجرته شركة «هاريس بول» الأميركية عام 2023، عبّر 80 في المائة من أبناء الجيل «زد» المتراوحة أعمارهم حينذاك ما بين 18 و26 سنة، عن قلقهم من أنّ جيلهم يعاني التبعيّة المُفرطة للتكنولوجيا. وقد تَرافقَ ذلك مع اتّجاهٍ لدى عدد كبير من المستهلكين الشباب إلى اقتناء أغراضٍ لا تمتّ للحداثة بصِلة، مثل أشرطة الفيديو، وألبومات الصوَر، والكاميرات ذات الاستخدام الواحد، وكاميرات تصوير الفيديو ذات الطراز القديم، إضافة إلى الألعاب الإلكترونية القديمة، مثل «تتريس»، و«غيم بوي».

عادت لعبة «تتريس» إلى الضوء على يد الجيل «زد» (بكسلز)

الجائحة أصابت الجيل «زد» بالحنين

إلى جانب التعب من سطوة الإنترنت، تُضاف إلى أسباب طفرة الحنين هذه عوامل أخرى، من بينها تردّدات جائحة «كورونا». ما بين 2020 و2022، وجد الجزء الأكبر من الجيل «زد» نفسه مرغماً على التعلّم عن بُعد، والتواصل مع الأصدقاء حصراً عبر الهاتف. بمواجهة تلك العزلة، بدأ البحث عن سبُلٍ للتكيّف مع الواقع الجديد، كان من بينها استكشاف حقبة التسعينيات ومطلع الألفية الثانية، عندما لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة بعد.

لردّ الفعل هذا تفسيرٌ نفسيّ، ففي أوقات الاضطراب وانعدام الأمان يبدو الماضي مكتمل الملامح، وبسيطاً ومنظَّماً، مقارنة مع القلق والخوف الناتجَين عن الجائحة.

أيقظت جائحة «كورونا» فضول الجيل «زد» لاستكشاف حقبة زمنية أكثر أماناً (بكسلز)

لانغماس الجيل «زد» في الماضي أسبابٌ اقتصادية كذلك، فقد كانوا في طليعة المتضررين من الجائحة على المستوى المالي. مَن تَزامنَ انتشار الوباء مع دخولهم سوق العمل وتَعثّرِهم في إيجاد وظائف وفي سداد أقساطهم وإيجاراتهم، وجدوا أنفسهم مجرّدين من شبكة أمان مادّي. فأصبح الحنين إلى الماضي ملاذاً بالنسبة إليهم، لا سيما أنّ المخيّلة تُظهر الزمن الغابر على أنه منطقة أمان جميلة وهانئة.

وليس من باب الصُّدفة أنّ مسلسلاتٍ كثيرة من الثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية الثانية عادت إلى الرواج بالتزامن مع الجائحة، من بينها «فريندز»، و«غيلمور غيرلز»، و«ذا سوبرانوز» كما أُعيد إنتاج «غوسيب غيرل» نظراً إلى فورة الإقبال على مواسمه السابقة من قِبَل الجيل «زد» تحديداً.

بالنسبة إلى الجيل «زد» صار كل قديم مرغوباً (بكسلز)

تفسير نفسي لحنين الجيل «زد»

استكملت شبكة «إن بي سي» استطلاع الرأي الذي أجرته مؤخّراً بحوارٍ مع عالم النفس كلاي روتليدج، الذي قال إنه «عندما تكثر الاضطرابات؛ كالجوائح، والحروب، والمخاوف من الذكاء الاصطناعي، أو غيرها من التغيرات الاجتماعية أو التكنولوجية أو الثقافية، يميل الناس للحنين إلى الماضي، كي يساعدهم في مواجهة مخاوفهم». وأضاف أنّ الغوص في ثقافة التسعينيات يمنح الجيل «زد» صورة عن العالم، قبل أن يصبح الإنترنت جزءاً لا يتجزّأ من حياتهم، وهو ما قد يكون جذّاباً ومريحاً.

ثلُثا مَن استطلعتهم شركة «هاريس بول» أفادوا بأنّ استكشافهم حقباتٍ سبقت مجيئهم إلى الدنيا، ساعدهم في تخطّي توتّرات الحياة العصريّة والقلق بشأن المستقبل. لذلك، لا يقتصر اهتمام الجيل «زد» على الأمور ذات الطابع المادي، كالملابس والأدوات العائدة إلى حقبة التسعينيات؛ بل ينسحب أيضاً على الهوايات والاهتمامات المعنويّة.

استكشاف الجيل «زد» حقبات ماضية يساعدهم في تخطِّي توتُّرات الحياة العصريَّة (بكسلز)

ألعاب الزمن الجميل

عادت إلى الرواج خلال السنوات القليلة الماضية هواياتٌ كلاسيكية؛ كالخياطة، والتطريز، وتدوين الخواطر، وجمع قصاصات الورق وصور الفنانين وملصقات الأفلام، و«البولينغ» (bowling)، و«البلياردو»، والتزلّج على اللوح (skateboard).

ومن خانة الذكريات، سحب الجيل «زد» كذلك الآلة الكاتبة القديمة، والكتب والمجلات الورقيّة، كبديلٍ عن قراءاتهم الإلكترونية، وألعاب «البورد غيمز» التقليدية، مثل الشطرنج، و«مونوبولي»، و«ريسك»، و«سكرابل»، وغيرها، مكتشفين متعة الألعاب الملموسة والواقعية، بعيداً عن تلك الافتراضية والمحصورة بالشاشات.

عادت إلى الضوء ألعاب مثل الشطرنج بعيداً عن ألعاب الفيديو (بكسلز)

ووفق دراسة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، فإنّ الذكريات التي تحمل طابع الحنين غالباً ما تشكّل مصدراً للراحة والإلهام. «قضاء بضع دقائق في استحضار ذكرى عزيزة أو الاستماع إلى أغنية قديمة مألوفة يمكن أن يحسّن المزاج، ويعزّز الشعور بالانتماء، ويمنح معنى للحياة».

وخلُصت الدراسة إلى أنّ أبناء الجيل «زد» يستلهمون من الماضي لإثراء حاضرهم، لا سيما من خلال تقديرهم الحياة الواقعية بعيداً عن العالم الافتراضي.

لكنّ المُضحكَ المُبكي في الموضوع أنّ الجيل «زد» يستعرض هواية الغوص في الماضي على وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يشارك اكتشافاته من زمن ما قبل الإنترنت على الشاشات الافتراضيّة.


مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
TT

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)

في معرضه الجديد «شذرات من الفن والروح»، يفتح الفنان التشكيلي المصري مصطفى الرزاز أبواب عالم بصري حافل بالبشر والأزهار، والكائنات المألوفة والعجيبة في آن واحد. لتبدو الأعمال، التي تتجاوز مائة عملٍ فني، كأنها ومضات من حلم طويل مشبع بالروح الشعبية، تتجاور فيه الأسطورة مع الحياة البسيطة، تذوب فيه الحدود بين الإنسان والطبيعة والعناصر الزُخرفية.

في المعرض الذي يستضيفه غاليري «ببليوتك» (غرب القاهرة) حتى نهاية مايو (أيار) الحالي، يُعزز الدكتور مصطفى الرزاز عبر لغته التشكيلية حالة الحساسية البصرية الخاصة بالفن الشعبي؛ تلك البراءة المقصودة، والتبسيط، والمبالغة في الملامح، والزخارف المُكررة، بوصفها لغة جمالية تخاطب المتلقي، فلا تبدو أعماله وكأنها تستعيد التراث الشعبي بقدر ما تعيش وتتفاعل داخله.

من زوار المعرض (إدارة الغاليري)

تتفاوت مساحات اللوحات المعروضة بشكل كبير، ومن اللافت حضور أعمال بأحجام صغيرة تصل لحجم «المنمنمات» التي يقول الرزاز إنه استلهم فكرتها خلال إعداده للمعرض، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت نفسي أعود إلى حصيلة ستين عاماً من العمل الفني، فوجدت أعمالاً بمساحات صغيرة لم تكتمل، وظلّت أعمالاً مفتوحةً عبر سنوات طويلة، فعندما عدت إليها لإعداد المعرض، بدأت أنجزها بسعادة طفل دخل غرفة ألعابه». ولعل هذه الروح «الطفولية» قد وجدت صداها في أعمال المعرض، بما تحمله من فانتازيا، وتجاور حميم للكائنات، والعلاقة التلقائية بين اللون والزخرفة والأحلام.

يظهر بوضوحٍ المزج بين البراءة الكامنة في العناصر الشعبية والعوالم الأسطورية، فالوجوه هادئةٌ، واسعة العينين أو مغمضةٌ كأنها في حالة تأمل أو إنصات داخلي، فيما تبدو الكائنات المحيطة بها من طيور وخيول ونباتات وكأنها امتدادٌ لتلك الوجوه.

تكوينات النباتات والطيور في حوار بصري مع بطلة اللوحة المركزية (إدارة الغاليري)

وفي بعض الأعمال، خصوصاً تلك التي تحضر فيها الأسماك والنساء الريفيات، يبدو أن الرزاز يستدعي ذاكرةً مصريةً قديمةً مرتبطةً بالنهر والخصب والحياة اليومية، لتتجاور البيوت الطينية والخلفيات الريفية مع شخصيات أقرب إلى الأيقونات الشعبية.

من اللافت اعتماد الفنان على الموتيفات التي تمنح الأعمال روح الجداريات الشعبية ورسوم الحكايات القديمة، حتى الألوان نفسها تبدو حرارتها مشتقةً من فانتازيا الأساطير، مستدرجةً طاقات الطبيعة الحرة.

أيقونات شعبية ذات طابع فانتازي (إدارة الغاليري)

ولا تبدو العلاقات بين الكائنات والعناصر داخل اللوحات ناتجةً عن بناء صارم أو تخطيط مسبق، بقدر ما تتولد تدريجياً على سطح اللوحة، فكما يقول الرزاز: «أحياناً قد أبدأ برسم عصفور، أو نباتٍ يتسلّق عبر اللوحة، ثم تتداعى العناصر لاحقاً وفق حالة شعورية أريد أن أعكسها مثل التقابل أو التعاطف، فأرسم عبر ارتجالاتٍ تلتئم فيما بعد لتبني عناصر ومشاهد اللوحة»، وربما يفسر حديث الفنان ذلك الإحساس العضوي الذي تمنحه الأعمال، إذ تبدو العناصر وكأنها تنمو داخل اللوحة لا تُفرض عليها.

من أعمال الفنان التشكيلي مصطفى الرزاز (إدارة الغاليري)

كما يشير الفنان إلى انشغاله بتوجيه عين المتلقي داخل العمل، ليس من باب الإبهار البصري المباشر، بل عبر «خلق مسارٍ داخلي للحركة والتأمل، بحيث تتحرك العين وفق الفكرة الرمزية وراء اللوحة، لذلك تبدو نظرات البشر والكائنات الأخرى متشابكةً داخل شبكة من العلاقات، كأن الكائنات جميعها تتبادل النظر والإشارات، وتدعو المشاهد إلى الدخول في هذا النسيج البصري الهادئ، لا مجرد التطلع إليه من الخارج».

ففي إحدى اللوحات، على سبيل المثال، تبدو بطلة اللوحة وكأنها تخرج من قلب الطبيعة؛ فيتحوّل شعرها إلى خطوطٍ زخرفيةٍ، والطيور تكاد تحط على كتفيها أو تخرج من جسدها نفسه.

أعمال بحجم صغير تلفت الأنظار (إدارة الغاليري)

ينطلق الدكتور مصطفى الرزاز، الحائز على جائزة «النيل» الرفيعة في مصر عام 2017، في ممارسة الفن التشكيلي من الثقافة الموسوعية الواسعة، فقد تشكّل وعيه عبر قراءات ممتدة في التراث العربي القديم؛ عبر شغف مبكر بكتب مثل «الأغاني» للأصفهاني و«عجائب المخلوقات» للقزويني، كما يشير. وهي عوالم مشبعة بالحكايات والكائنات الغريبة والأساطير، بما جعل مخيلته البصرية تتكوّن بوصفها امتداداً لذاكرة سردية وشعبية طويلة.


«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
TT

«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)

أياً تكن الانتقادات التي توجه إلى فيلم آن ماري جاسر «فلسطين 36» سيبقى لوقت طويل محطةً أساسيةً في مسار السينما الفلسطينية، لا بل يستشهد به لفهم تأثير الفن في تشكيل الوعي، وتحولات الإدراك الجماعي.

الفيلم وصل إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار، وصفق له جمهور «مهرجان تورنتو السينمائي» ربع ساعة وهم يهتفون «فلسطين حرّة». وقد بدأ عروضه في لبنان هذا الأسبوع بعد افتتاحٍ جامعٍ في سينما «متروبوليس». حضر العرض الأول وزراء ونواب، برعاية ودعم «مؤسسة دلّول للفنون» والدكتور باسل دلّول الذي قال بضرورة «الحفاظ على الإرث الثقافي العربي وتعزيزه عبر الفن والسينما»، وأن هذا الفيلم تحديداً «يشكّل إنجازاً فنياً مهماً يستحق أن يصل إلى الجمهور في لبنان وخارجه».

مشهد من الفيلم أثناء إطلاق إذاعة القدس (مؤسسة دلول للفنون)

«فلسطين 36» تاريخي روائي، تتأتى أهميته من الجانب التوثيقي. فقد عكفت كاتبة الفيلم ومخرجته على البحث لمدة ثماني سنوات، وهو ما أعفاها من تقديم عمل سريع، على طريقة الأفلام التأريخية التقريبية. ثمة حرص على أن تحكى القصة كما هي، مع تفاصيل تجعل الصورة أقرب ما تكون إلى الواقع. بالتالي فنحن أمام محاولة لإعادة تركيب حكاية فلسطين قبل النكبة بسنوات، لنكتشف أن اللحظة المفصلية لم تكن عام 1948 وإنما سابقة عليها، مع إحكام الاحتلال البريطاني سيطرته على البلاد.

تبدأ الحياة في الفيلم وادعة عام 1936، كل شيء يشي بأن الناس منشغلون بأرزاقهم، بمحاصيلهم، بقمحهم، بقطنهم، بقصصهم الصغيرة، لكنهم يشعرون أن ثمة حولهم ما يتغير. موجات اليهود تصل تباعاً، الأسلحة تهرّب عبر المرافئ. الإنجليز يستبدلون بالعمال الفلسطينيين اليهود الوافدين، البطالة تتفشى، ومصادرة الأراضي تتسع.

نكتشف قرية «البسمة»؛ اسم يحمل مفارقة مع قدرها المأساوي. يوسف ابن القرية يعمل في القدس، ويسمح لنا تنقله بأن نكتشف عالمين متباعدين. عالم المزارعين الكادحين المرتابين بسبب الاستيلاء على أراضيهم، والمستعمرات تزنرهم والعسكر يحاصرهم، ومجتمع النخبة المدنية الفلسطينية، وهي تتماهى مع النموذج الغربي وتتعايش معه، وتستقبل عسكر الإنجليز وضباطه في أمسياتها المترفة.

كاميرا بارعة واختيارات موفقة للممثلين والمواقع، رغم أن الفيلم باغتته أحداث السابع من أكتوبر، وحرمته من تصوير مشاهده في فلسطين، بعد أن شيدت له قرية متكاملة وجهزت سيارات، وآليات، إلا أن الانتقال إلى الأردن لإنجاز غالبية المشاهد كان اضطراراً.

الصحافية التي تكتب ما يدور في ضمير المعذبين والشريك المتخاذل (مؤسسة دلول للفنون)

طوال ما يقارب ساعتين تشاهد ملحمة لشعب يباد بأقسى الأدوات. الاحتلال الإنجليزي يمارس عنفاً لا يمكن تصديقه على المزارعين وأصحاب الأرض.

مع تصاعد الأحداث، تصير الصورة كأنها متلحفة بغلالة، لندخل في أجواء تؤلم حد النزف لكنها لا تسمح للمتفرج بالبكاء. إنها النسخة الأولى عما نشاهده في فلسطين هذه الأيام، لكن بإيدٍ إنجليزية. في مقابلة لها، تقول المخرجة: «لم أكن أعلم أن الإنجليز كانوا سبّاقين إلى ممارسة ما ترتكبه إسرائيل، وهم من مهدوا لها الطريق».

يركز الفيلم على يوسف وعائلته وهي تحاول أن تجد توازنها رغم الصعاب، كذلك شقيقه الصغير الذي يعتقله الانتداب ولا يخرج من السجن إلا شاباً، إلا أننا نجد أنفسنا أمام قصة كاهن القرية وابنه الصغير، ثم تتعدد الوجوه وتتكاثر القصص. إنها حكاية الجماعة الفلسطينية. وكلما حاولت المخرجة أن تركز كاميرتها على نواة صغيرة، تعود لتوسع المشهد. إنها إحدى ثغرات الفيلم، بحيث يبقى المشاهد مشتتاً بين التفاصيل الكثيرة، لأناس كلهم مأزومون. إنما في النهاية، يستسلم المتفرج أمام هول الأحداث المتلاحقة، ونبض الشعب المنتفض من أجل حرية تفوح من المشاهد.

لكن المخطط هائل ويصعب استيعابه. خمسة أحزاب فلسطينية تتكتل وتعلي الصوت ضد التقسم، مقابل الهيئة الإسلامية التي يتبين أن بريطانيا هي من صنعتها. صحافية فلسطينية تكتب مقالات ضد الإنجليز يرد عليها كاتب آخر، ويفند حججها، يتبين أنه اسم وهمي عربي من صناعة إنجليزية.

كاهن القرية الذي لن يرحمه الاحتلال (مؤسسة دلول للفنون)

الكلمات منتقاة، النص مكتوب بعناية، الأحداث محطات يجدر تأملها. فبعد وصول اللجنة الملكية من بريطانيا، تصدر تقريراً صادماً، نسمعه يتلى بصوت مرتفع في ما تمر الكاميرا على الوجوه الفلسطينية المذهولة وهي تدرك للمرة الأولى أن التقسيم واقع. التقرير يستحق أن يتمعن بكلماته، لشدة استفزازيتها: «إن التقسيم يفسح مجال الأمل للعرب واليهود معاً بنيل نعمة العيش في ظل السلام... العرب لم يكونوا طوال تاريخهم مجردين من كره اليهود فحسب، بل إنهم برهنوا على الدوام على أن روح التساهل متأصلة في عروقهم». وكأنما إنجلترا جلبت اليهود لعلمها المسبق بتسامح العرب وطيبتهم. فأي مكافأة، وأي مأساة! يضيف التقرير أن المشكلة اليهودية تعكر صفو العلاقات الدولية وتقف حائلاً في سبيل السلام، «فإذا كان في إمكان العرب أن يساعدوا على حل هذه المشكلة متحملين في سبيل ذلك بعض التضحية فإنهم لا يكسبون بذلك ثناء اليهود فحسب بل ثناء العالم الغربي بأسره».

بعض التضحية التي يتحدث عنها التقرير، تتحول جحيماً. وفي مواجهة عقاب جماعي غير مسبوق، كل يحاول أن يقاوم بما يملك. تهريب لأسلحة بدائية، طباعة مناشير، اختباء في الجبال والتلال والمغاور. القرية كلها بأطفالها ونسائها وشيوخها تسجن في العراء خلف أسلاك شائكة يمنع عنها الماء والطعام والظل. رغم بدائية أسلحتهم، يبدأ الفلاحون بتسجيل انتصارات واستعادة أراضٍ. حينها يدرك الإنجليز أن عليهم أن يستنفروا قواهم كلها. هي مناسبة لنشاهد الفرق بين جيش مدجج بأحدث المعدات من طائرات استطلاع، وآليات كبيرة، وسيارات مقابل مجموعة من القرويين العزّل.

حين يهاجم عساكر الإنجليز قرية «البسمة» بحثاً عن أسلحة، يبلغ العنف حداً مريعاً. تفتيش، توقيف، ضرب، إهانات، تخويف، تصاريح مرور عند كل نقطة، مداهمة منازل، سجن، نفي. يعترف الكاهن بمخبأ الأسلحة لينجو بنفسه وعائلته، لكن النتيجة أنه يوضع مع رجال القرية في حافلة، تفجّر بهم بمجرد أن تنطلق. مشهد فظيع آخر حين يعاقب مسن وزوجته بتلغيم منزلهما وتفجيره، وهما في داخله على مرأى من أهل القرية ليكون عبرة لهم.

مع تصاعد الأحداث الدموية، تصبح الكاميرا أسرع، وأكثر حيوية. نرى الناس يحرقون مع زرعهم وضرعهم، وكل مواطن مدفوع لأن يستخدم ما يتوفر ليدافع عن نفسه، أو ينتقم لحبيب فقده. هكذا ينتهي الفيلم بمشاهد تريك أن محاربة المحتل والدفاع عن الأرض والنفس لا تحتاج تنظيماً ولا حزباً. الطفل، ابن الكاهن يحمل مسدساً قديماً، يذهب به إلى القدس، ينادي جندياً بريطانياً، ويطلق عليه النار، ليثأر لوالده الذي فجّر أمام عينيه.

في لحظات تبدو تعابير الوجوه الصامتة الحزينة أبلغ من أي كلام، وصوت الريح الآتية من الجبال والوديان أفصح من الموسيقى. تبقى في الذاكرة مشاهد البيوت المحروقة والقرى المنتهكة، والوجوه المفجوعة، مقابل نظرات الشرّ والارتكابات الإجرامية للجنود الإنجليز.

جزء من تمويل الفيلم إنجليزي، وعرض في لندن، وسط استغراب متفرجين يجهلون تاريخهم الاستعماري الذي دفن في صمت، لكن الأغرب أن العرب أيضاً لا يعرفون الكثير عن تلك الفترة التي اشتعلت فيها ثورة كبرى، وإضراب هو الأطول في تاريخ فلسطين ضد المحتل، الذي انتصر لا بسلاحه بل بتقسيم الناس، تشتيتهم، وكسر وحدتهم بالحيلة والمكر والمؤامرة.

«فلسطين 36» فيه نخبة من الممثلين، بينهم هيام عباس، صالح بكري، ظافر العابدين، كامل الباشا، ياسمين المصري، يمنى مروان، بيلي هاول، روبرت أرامايو، جيريمي آيرونز، ليام كانينغهام، والراحل أحمد قعبور. القصد أن يكون فيلماً جامعاً يشارك فيه كثيرون، ليرووا حكاية لا تزال مستمرة.