الناطق باسم «طالبان» لـ«الشرق الأوسط»: سنعامل حكومة كابل على {الطريقة الأفغانية}

الملا ذبيح الله: نسيطر على معظم أراضي أفغانستان... ومقاتلونا في كل مكان

صورة خاصة من «طالبان» لعناصر من الحركة الأصولية أثناء تدريبات في خوست (الشرق الأوسط)
صورة خاصة من «طالبان» لعناصر من الحركة الأصولية أثناء تدريبات في خوست (الشرق الأوسط)
TT

الناطق باسم «طالبان» لـ«الشرق الأوسط»: سنعامل حكومة كابل على {الطريقة الأفغانية}

صورة خاصة من «طالبان» لعناصر من الحركة الأصولية أثناء تدريبات في خوست (الشرق الأوسط)
صورة خاصة من «طالبان» لعناصر من الحركة الأصولية أثناء تدريبات في خوست (الشرق الأوسط)


الملا ذبيح الله مجاهد، المتحدث الرسمي باسم «طالبان»، من القيادات العليا للحركة الأصولية والرجل الثاني في صفوفها، وأحد أبرز قيادات الحركة المنفتحة على الإعلام؛ فهو يتحدث البشتو (لغته الأم) والفارسية، كما أنه يفهم بعض اللغات الأخرى كالعربية، والإنجليزية، والأوردية. وهو أيضاً ناشط، لا يتوقف عن التواصل مع وسائل الإعلام في كل صغيرة وكبيرة عبر «واتساب» و«الاي ميل»، أجاب عن أسئلة «الشرق الأوسط» حول فرص السلام المقبلة في أفغانستان بعد توقع انسحاب القوات الأميركية بعد 17 عاماً من الحرب المتواصلة التي أكلت الأخضر واليابس، خلال أقل من أسبوع، وهذه ليست المرة الأولى التي يتحاور فيها ذبيح الله مع جريدة العرب الدولية؛ فقد حاورته «الشرق الأوسط»، من قبل عبر البريد الإلكتروني، بعد الانتخابات الرئاسية التي تعهدت فيها «طالبان» بعرقلتها بمزيد من العنف والدماء، ورغم حرية الحركة التي يتمتع بها القيادي الأصولي، فإنه يلتزم بأبجديات الحركة من جهة أولويات تطبيق الشريعة.
ومع دخول العام الجديد، تحول الصراع المتواصل منذ سنوات بين قوات الحكومة الأفغانية وحركة «طالبان» إلى أشبه بالحرب النفسية؛ وذلك في محاولة من الطرفين الدخول بقوة في عملية السلام، التي تشهد الجهود المبذولة بشأنها زخماً خلال الفترة الأخيرة. وتطرق إلى مساعي «طالبان» لإقامة علاقات طيبة مع دول الجوار. وجاء الحوار على النحو التالي:
> ما تعليقكم على دعوة الرئيس الأفغاني «طالبان» لبدء «محادثات جدية» مع كابل؟ وهل هناك من أمل بالجلوس على طاولة المفاوضات مع حكومة الرئيس أشرف غني مستقبلاً؟
- أكدنا مراراً أننا لا نعترف بإدارة كابل نظاماً رسمياً ممثلاً لإرادة الشعب الأفغاني، ولا نريد أن نتفاوض معها فيما لا يملك صلاحيتها؛ لذلك أجرينا المفاوضات مع الأميركيين بشأن إنهاء تواجد القوات الأجنبية.
كما أن العبرة هي بالانتماء الحقيقي إلى الإسلام وليس بالانتماء إلى مذهب أو عرق معين. فالانتماء الحقيقي للدين يترتب عليه عدم مظاهرة المحتلين لبلاد المسلمين لسفك دمائهم، وسرقة ثرواتهم، ونشر الرذيلة بين الناس، وفتح المجال لتنصير الفقراء بدعوى مساعدتهم. فالإسلام هو إقرار باللسان يصدقه العمل بالجوارح.
أما عن جلوس مندوبي «طالبان» مع المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد فهو جلوس مع مندوب أميركي، أما أشرف غني فهو ظهير محلي؛ فهو ونظامه مشكلة فرعية أفغانية يأتي حلها بعد رحيل المشكلة الأصلية التي هي الاحتلال، وسنعمل على حلها بأيسر ما هو متاح من وسائل متعارف عليها بين الأفغان.
> شاهدنا صور جنود «طالبان» في عيد الأضحى في حالة انسجام وسعادة بالغة مع جنود الحكومة وأبناء الشعب... هل يمكن أن يتكرر ذلك بين مسؤولي «طالبان» والحكومة يوماً ما؟
- الجنود هم من أبناء الشعب الفقراء، دفعهم الجهل والفقر إلى الانخراط في الجيش سعياً وراء الرزق. وملأ المستعمر وعملاؤه أذهان هؤلاء بشتى الأكاذيب والدعايات المغلوطة حول «طالبان». وكانت هدنة العيد فرصة لهؤلاء الجنود للتعرف المباشر على إخوانهم المسلحين من «طالبان». وقد كانت تجربة مفيدة للغاية، حيث اكتسبنا تعاطف معظمهم، وتعاون الكثيرين منهم فيما بعد.
أما مسؤولو الحكومة الأفغانية فهم من المثقفين الذين تأثروا بالفكر الغربي، وقد انضموا إلى المستعمر ووضعوا أنفسهم في خدمته طمعاً في الأموال والمناصب العالية. وقد كان ذلك عن علم تام بحقائق الأمور؛ لذا ينتفي عنهم العذر بالجهل. لكن إذا رجعوا عن غيهم وتابوا فمن الطبيعي أن تتغير معاملتنا معهم. فتزول الخلافات تلقائياً، وتكون أحكام الشريعة هي التي نخضع لها جميعاً.
> ما تعليقكم على قول المبعوث الأميركي خليل زاد في مقابلة مع «نيويورك تايمز»: لدينا مسودة إطار عمل يجب إتمام العمل على تفاصيلها قبل أن تصبح اتفاقاً؟
- مفاوضاتنا جارية مع الأميركيين، الجانب الأميركي أبدى استعداده لإنهاء الاحتلال، ونحن من جانبنا طمأناهم بأن بلدنا لم يكن تهديداً أمنياً لأحد.
> هل هناك نقاط شائكة بين الطرفين تتعلق بوقف إطلاق النار وجدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان؟
- لدينا مطلب أساسي، وهو رحيل قوات الاحتلال عن بلادنا. وكذلك الأسرى الذين سجنتهم القوات الأجنبية ظلماً وعدواناً، نريد إطلاق سراحهم. وأفغانستان ليست تهديداً لأحد ولا يسمح الأفغان لأحد أن يجعل بلادهم تهديداً للآخرين، من جانبنا لم يبق شيء لم يحل، لكن على الأميركيين أيضاً مسؤولية إنهاء الاحتلال، وعدم حماية «داعش» التي تضر بأمن بلدنا وأمن المنطقة.
> المراقبون في الغرب يسألون عن سبب زيادة زخم عمليات حركة «طالبان» وهجماتها على القوات الحكومية في الأشهر الأخيرة؟
- سبب زيادة زخم عمليات «طالبان» هو ممارسة المزيد من الضغط على الاحتلال حتى يرحل.
والقوات المحلية العميلة هي القوة الضاربة الأساسية في يد الاحتلال، وهي رأس الرمح في جميع عملياته العدوانية على المدنيين في القرى والمدن؛ ولهذا ينالها النصيب الأكبر من ضربات المقاتلين. ومع ذلك؛ فخسائر الاحتلال في الأرواح والمعدات تعتبر عالية قياساً إلى عدد قواته المنخفض، وتجنبه المواجهات الأرضية المفتوحة مع قواتنا.
وهناك أيضاً الميليشيات العميلة، ومجموعات «داعش»، وهناك جيش كامل من المرتزقة الأجانب يفوق تعداده ضعف تعداد القوات الأميركية نفسها. وجميعها تتعرض لهجمات المسلحين باستمرار.
> على الأرض تقريباً... كم مساحة الأراضي والولايات التي تسيطرون عليها من مجموع أراضي أفغانستان؟
- نحن نسيطر على معظم أراضي أفغانستان، ومقاتلونا في كل مكان بما في ذلك العاصمة وداخل مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة. بالنسبة للأرقام، فإن العدو يذيع أرقاماً، ثم يتراجع عنها طبقاً لاحتياجات حربه النفسية ضد شعبنا ومصالح عملائه في الداخل وجنوده في الميدان. ونحن لن نخوض في صراع أرقام. بل نقرّ حقيقة واقعة تبرهن عليها عملياتنا العسكرية التي لا تستثني مكاناً على أرض أفغانستان.
> لماذا اخترتم قطر لعقد اللقاءات مع الجانب الأميركي وليس السعودية أو الإمارات؟
- عقدنا اجتماعاً في الإمارات. لكن مكتبنا السياسي موجود في قطر؛ وهذا ما يجعل أكثر اللقاءات تتم هناك.
> هل الأمر يستدعي مزيداً من التفاوض بشأن مسألة توقيت وقف إطلاق النار التي تبدو حجر عثرة في جولة المحادثات المقبلة في 25 فبراير (شباط)؟
- ما دام هناك جندي محتل واحد فوق أرض أفغانستان فقتالنا مستمر، أما بالنسبة لوقف إطلاق النار فإن المسألة ليست حول التوقيت، بل حول المبدأ. فإذا توقف إطلاق النار فإن العدو لن يخرج أبداً من أفغانستان، وسوف يصبح التفاوض عملية لا نهائية حتى تخمد جذوة القتال... ولأجل هذا نحن نصر علي انسحاب القوات الأجنبية قبل كل شيء.
> هل تشعرون بالتفاؤل لقرب انتهاء الحرب المستمرة منذ 17 عاما ًفي أفغانستان؟
- نعم، نحن نشعر بالتفاؤل والثقة في وعد الله لعباده. وذلك جزء من الإيمان وحسن الظن بالله. وفي بداية العدوان الأميركي على شعبنا قال الملا محمد عمر، رَحْمَة الله عليه: «إن أميركا وعدتنا بالهزيمة والله تعالى وعدنا بالنصر، فلنرَ من يكون أوفى بوعده».
> هل تقبلون بوساطة إيرانية مع الحكومة الأفغانية؟
- بعد خروج الاحتلال فإن المشكلات الداخلية، بما فيها مشكلتنا مع الحكومة الحالية لأفغانستان، ستكون شأناً داخلياً بحتاً، لا يحتاج إلى وساطة من أحد. فللشعب الأفغاني آليات تقليدية لحل مشكلاته الداخلية، وهي دائماً فعالة بشرط أن يتوقف التدخل الخارجي.
> ماذا سيكون موقفكم إذا ما قررت إيران نقل «ميليشيا فاطميون» إلى أفغانستان؟
- أولاً، لم نلمس شيئاً من هذا القبيل إلى الآن، ثانياً «الإمارة» لا تقبل بوجود تنظيمات داخلية مسلحة تكون خارج المنظومة الشرعية للدفاع، والتابعة لـ«طالبان». ولا تسمح بوجودها في أفغانستان.
> الأوساط المقربة من الحكومة الأفغانية تقول: إن إيران لا تمانع من حضوركم في مناطق غرب أفغانستان بهدف الحصول على مطلبها من مياه نهر هلمند... ما تعليقكم؟
- الحكومة لا تتوقف عن إطلاق الشائعات؛ فذلك هو الشيء الوحيد الذي يمكنها فعله. فجميع جيران أفغانستان يرحبون بوجود قوات «طالبان» على الحدود أو قريباً منها. فنحن نعمل فوق أراضينا ولا نهدد سلامة الجيران.
> الرئيس الإيراني السابق قال: إن طهران قدمت خدمات لوجيستية لقوات التحالف للقضاء على حكم «طالبان»، أنتم كيف ترون دور إيران طيلة السنوات الماضية؟
- كثير من الدول فتحت أراضيها وموانئها ومطاراتها لقوات الاحتلال يستخدمها في حربنا، بل هناك دول شاركت على الأرض إلى جانب قوات الاحتلال لقمع كفاح شعب أفغانستان وقتل إخوانهم من المسلمين الأفغان.
لكننا نتمنى أن نفتح صفحة جديدة مع الجميع، وأن تثبت الأفعال وليس الأقوال أن ذلك الماضي المظلم قد طويت صفحته، وأن صفحة جديدة مشرقة بدأت بين أفغانستان وجميع الجيران ودول العالم.
> طهران تقول إن الخارجية الإيرانية أجرت مفاوضات مع وفد «طالبان»، كيف كانت طبيعة تلك المفاوضات؟
- «الإمارة» هي واقع أفغاني يستحيل تجاهله، كما أن أحداً لا يمكنه اختيار جيرانه أو استبدالهم. ولجميع دول المنطقة مصالح واحدة يجب العمل على رعايتها وتنميتها... وتلك كانت طبيعة المفاوضات في طهران وفي غيرها.
> في إيران هناك من يعتقد أن الانسحاب الأميركي يمكن أن يزيد خطر الحرب على إيران من قبل أميركا التي تعمل على إعادة نشر قواتها في الخليج. كيف تنظرون إلى شبح الحرب بين إيران والولايات المتحدة؟
- وجود الاحتلال الأميركي في أفغانستان كما هو خطر لأفغانستان في الوقت نفسه خطر لجميع دول المنطقة. وبالتالي، فإن خروج الاحتلال يرفع ذلك الخطر ويجعل الوجهة الأفغانية آمنة بالنسبة للكل. ونعتقد أن نشوب حرب بين أميركا وإيران هو أمر مستبعد في المستقبل القريب أو حتى المتوسط. فالمجهود الأميركي الحقيقي هو لإسقاط النظام في إيران من الداخل بمساعدة ضغوط خارجية وليس بالحرب المباشرة التي لن يستطيع أحد السيطرة على مجراها إذا اندلعت.
> بنسبة كم في المائة أنتم واثقون من جدية العروض الأميركية في الانسحاب من أفغانستان؟
- نحن على ثقة بنسبة ألف في المائة من أن الله سبحانه وتعالى سينصرنا. فالله لا يخلف وعده أبداً، وهو وعدنا بالنصر. أما ثقتنا فيهم فهي معدومة. وكيف يكون لنا ثقة فيمن قتل مئات الألوف من أبناء شعبنا ودمّر قرانا وشرّد عائلاتنا، وأذاق الآلاف من أسرنا كأس الهوان.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الخليج عبَّرت السعودية عن خالص تعازيها لأسر الضحايا وتمنياتها بالسلامة لجميع المتضررين (الشرق الأوسط)

السعودية تدين الهجمات الإرهابية والانفصالية التي استهدفت مالي

أدانت السعودية  وأعربت عن استنكارها بأشد العبارات الهجمات الإرهابية والانفصالية التي وقعت في عاصمة مالي باماكو ومدن أخرى فيها.

أفريقيا مشهد عام لمدينة غاو في شمال مالي (أ.ف.ب)

معارك في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة... وواشنطن تطالب رعاياها بـ«الاحتماء»

معارك جارية في باماكو ومناطق أخرى في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة، وأميركا تنصح رعاياها بـ«الاحتماء».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
أوروبا وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

الجيش النيجيري يعلنُ القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»، بعد أن حاول عشرات المقاتلين من التنظيم الهجوم على قرية كوكاريتا.

الشيخ محمد (نواكشوط)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...