«الرعاية» تنعش الثقافة الفرنسية من جديد

تبرعات الشركات والخواص في تزايد مستمر

واجهة اللوفر
واجهة اللوفر
TT

«الرعاية» تنعش الثقافة الفرنسية من جديد

واجهة اللوفر
واجهة اللوفر

إذا كانت المؤسسات العمومية اليوم عاجزة عن رعاية المثقف ودعم أعماله وإبداعاته بسبب سياسات التقشف والأزمات، فإن المال الخاص حاضر لتشجيع الثقافة وتمويل مشاريعها ومعالمها ومتاحفها. الحل وُجد في كلمتين «رعاية الثقافة». المفهوم قديم جديد، بما أنه عرف بدايته إبان النهضة الإيطالية حين كان الأغنياء يتكفلون ويرعون مُبدعين شباباً ليتمكنوا من التفرغ للفن، لكنه تطور مع الوقت إلى ما أصبح يُعرف -حسب المفهوم الانجلوسكسوني- بـ«سبونسورنغ» أو «التمويل مقابل الدعاية» وهو ما يحدث عادةً في مجال الرياضة والفن.
في كل سنة تخصص فرنسا، الحريصة على الاحتفاظ بمكانتها الرائدة في مجال الثقافة والفنون، ميزانيات ضخمة لضخ الحياة الثقافية والفنية، وصلت عام 2018 إلى 10 مليارات يورو، حسب تقرير وزارة الثقافة، منها أكثر من 240 مليوناً لرعاية المعالم الأثرية وترميمها، و200 مليون لتغطية نفقات مجانية المؤسسات الثقافية، و3 ملايين لاستقبال المبدعين الأجانب، و860 مليوناً لتمويل مشاريع مختلفة، وإن كانت هذه المبالغ تبدو مرتفعة إلا أنها أصبحت في الواقع لا تفي بالغرض لا سيما مع ارتفاع تكاليف بعض المشاريع. رغم هذا وذاك، فإن كثيراً من المؤسسات الثقافية لا تزال تنشط وتنتعش بفضل هبات وتبرعات الشركات والخواص.
هذه السنة المداخيل التي جاءت من المؤسسات الراعية بلغت أرقاماً قياسية: 3 مليارات يورو (أي تقريباً ثلث الميزانية المخصصة للثقافة) حسب جمعية «الأكميدال» (لدعم الشركات الفرنسية في ميدان الثقافة والتآزر الاجتماعي)، إلى هذا الرقم يجب إضافة الهبات التي جمعتها المنظمات الخيرية كجمعية «التراث» التي يرأسها أحد إطارات بورصة باريس والتي جمعت ما يقارب 5 ملايين يورو لدعم التراث الفني، أو مؤسسة «أصدقاء متحف اللوفر».
الطباعة والنشر كانا الأوفر حظاً بالرعاية، حيث استحوذا على 34% من مجموع ما قُدم من الأموال. المكتبة الوطنية الفرنسية «بي إن إف» وحدها تتلقى ما بين 4 و6 ملايين يورو سنوياً، تليها الموسيقى والسمعي البصري بنسبة 31%، والفنون التشكيلية والاستعراضية بـ26%، والمعالم الأثرية بـ9%.
تطور ملحوظ، لا سيما أن فرنسا قد ترددت طويلاً قبل الخوض في هذا المجال نظراً إلى الحساسية التي كانت تطرحها مسألة دخول رؤوس الأموال مجال الثقافة وحرصها الشديد على إبعاد كل شبهات التدخل في حرية رجال الثقافة والفن، إضافة إلى الحضور القوي للدولة وإشرافها على كل ما يدخل في دائرة «الصالح العام» وعلى رأسها الثقافة. اليوم لم يتم تدارك التأخير فحسب، بل إن ظاهرة «النصرة» تعرف رواجاً منقطع النظير، ففي مقال بعنوان «نصرة الشركات الفرنسية في ازدهار» قيمت صحيفة «لوفيغارو» عدد الشركات الخاصة التي تبرعت لمؤسسات ثقافية وجمعيات بنحو 145 ألف شركة بعد أن كانت لا تتعدى 6500 عام 2006، مُضيفة أنها في تزايد مستمر وبوتيرة متسارعة، حيث عرفت زيادة 120% في ظرف 6 سنوات. الفضل يعود إلى التغيير الذي طرأ على الإطار القانوني الذي يصاحب عمليات «النصرة»، حيث تم استبدال بقانون 23 يوليو (تموز) 1987 قانوناً آخر، وهو قانون 1 أغسطس (آب) 2003 الذي يمنح الشركات المساهمة خصماً على الضرائب يقدَّر بـ60% وقد يصل إلى90%، حين يتعلق الأمر بدعم الدولة في الحصول على قطعة من التراث المهم، وهو ما شجّع الكثير من المؤسسات على خوض تجربة النصرة.
تقرير الصحيفة الفرنسية يشير إلى أن الظاهرة لم تعد تقتصر على الشركات الكبيرة فقط، إذ حتى الصغيرة التي لا تملك مداخيل مهمة تسهم بشكل مختلف عن طريق تشجيع موظفيها مثلاً على التبرع بوقتهم لإنجاح أي مشروع ثقافي أو فني. نظراً غلى إلى أهمية هذا النشاط في تحسين الصورة الخارجية للمؤسسات فإن أكثر من 200 منها قررت إنشاء مؤسسات خيرية خاصة تتفرغ للاهتمام بهذا المجال، أشهرها مؤسسة «بالازو غراسي» لصاحبها رجل الأعمال الفرنسي فرنسوا بينو، ومؤسسة «كارتيي» التي تشرف على أكبر متحف خاص في فرنسا، وكذا مؤسسة «لوي فيتون» و«فينشيي».
«متحف اللوفر» يقدم أكبر مثال على نجاح هذه التجربة عبر «حلقة أصدقاء متحف اللوفر» التي تضم خواص وشركات تدعم المتحف الفرنسي الأكثر زيارة في العالم، حيث إنها مكّنته مثلاً من اقتناء لوحة الفنان جاك سالي «الحب وهو يشهر سهامه» بفضل جمعها ما يقارب 3 ملايين يورو من التبرعات، كما ينظم المتحف سنوياً ومنذ 2010 حملة «كلنا رعاة» التي يدعو فيها الخواص إلى التبرع عبر موقعه على الشبكة، آخر هذه الحملات مكّنت المتحف من اقتناء تحفة نادرة هي «كتاب الساعات» للملك فرنسوا الأول، والتي كانت معروضة للبيع من طرف مُجمع بريطاني بمبلغ 10 ملايين. أما حملة التبرع الجديدة التي يدعو إليها المتحف حالياً على موقعه لترميم بوابة «الكروزيل» والتي تتكلف مليون يورو فقد جمعت حتى الآن 4326 متبرعاً وحققت أهدافها بنسبة 92%.
بعض المعالم أصبحت نماذج يُحتذى بها في التمويل الذاتي، كقصر «شامبور» التاريخي الذي يعتمد في تسييره بنسبة 90% على الأموال الخاصة الفرنسية ولكن أيضاً الأجنبية، هذا على الرغم من أن المعلم التاريخي مصنف ضمن التراث العالمي لليونيسكو. ورغم غياب المقابل المادي والدعاية لمثل هذه العمليات فإن المرافق التي تستفيد من هكذا دعم تكافئ داعميها بطرق متفاوتة، فالراعي قد يجد اسمه أو شعاره -إذا كان مؤسسة- في مربع صغير داخل قاعة المتحف، أو قد تحمل القاعة اسمه إذا كانت هبته كريمة، أما الذي يدفع أقل من ذلك، فتمكنه الاستفادة مثلاً من تذاكر دخول مجانية له ولعملائه أو من قاعات لتنظيم حفلات خاصة أو من حجز الأماكن الأمامية في صالات العرض. وربما كانت أطرف هذه المكافآت ما تقترحه أوبرا باريس لشركائها من زيارات لكواليس العرض ساعات قبل الافتتاح. من المانحين أيضاً مَن يرفض تماماً كل أشكال المكافآت؛ عائلة «آل روتشليد» التي دعمت لعقود طويلة المؤسسات الثقافية وموّلت عودة أكثر من 12 ألف قطعة فنية إلى المتاحف الفرنسية كانت تتفادى الأضواء وترفض حتى وضع اسمها على بطاقات الدعوة.



عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
TT

عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)

يشكو كثير من الناس من الشعور الدائم بأن الوقت لا يكفي، وأن يومهم يمضي في سباق متواصل لإنجاز المهام المتراكمة. ورغم محاولات تحسين الإنتاجية عبر تنظيم الجداول أو تقليل المشتتات، قد يكون الحل أبسط مما نتخيل: موعد نوم ثابت. فحسب الكاتبة وخبيرة إدارة الوقت لورا فاندركام، فإن غياب انتظام النوم لا يحرمك من الراحة فحسب، بل قد يكون سبباً رئيسياً في الشعور بالتسرع وضيق الوقت خلال النهار.

توضح فاندركام أن معظم الناس يستيقظون في وقت ثابت نسبياً بسبب التزامات العمل أو الدراسة، لكن قلة منهم يلتزمون بموعد نوم محدد. ونتيجة لذلك، قد يتمكن الشخص من الحفاظ على مستوى عام من الإنتاجية، لكنه يواجه صعوبة في التركيز المستمر طوال اليوم. ومع تراجع التركيز، تبدأ المهام في التراكم، ما يدفع إلى إنجازها على عجل. وعندما يسود التسرع، تزداد الأخطاء، فيضطر الشخص إلى إعادة العمل أو محاولة تدارك ما فاته، ليُهدر بذلك الوقت الذي كان يسعى إلى توفيره.

وتشير فاندركام، مؤلفة ثمانية كتب في إدارة الوقت، إلى أن المشكلة لا تكمن في قلة ساعات النوم على مدار الأسبوع، بل في عدم انتظامها. فقد يسهر الشخص لوقت متأخر في إحدى الليالي ويستيقظ مبكراً جداً، ثم يعوّض ذلك في الليلة التالية بالنوم في وقت عشوائي، بينما تكون عطلات نهاية الأسبوع غير منتظمة تماماً. هذا التذبذب المستمر، في رأيها، ينعكس سلباً على الأداء الذهني والتنظيم اليومي.

في ربيع عام 2021، أجرت فاندركام استطلاعاً شمل أكثر من 150 مشاركاً، أمضوا تسعة أسابيع في تطبيق تسع قواعد محددة مسبقاً لتعزيز الإنتاجية، من بينها الالتزام بموعد نوم ثابت. وتقول إن أحد المشاركين وصف تحديد موعد النوم بأنه «القاعدة الأقل جاذبية، لكنها الأكثر تأثيراً على الإطلاق»، في إشارة إلى الدور الكبير الذي يلعبه انتظام النوم في تحسين الأداء اليومي.

وتدعم نتائج علمية حديثة هذا الطرح؛ إذ توصلت دراسة نُشرت في يوليو (تموز) 2025 في مجلة «نيتشر» الطبية إلى نتيجة مماثلة. فقد تابع الباحثون أكثر من 79 ألف بالغ عامل في اليابان، ووجدوا أن عدم انتظام مواعيد النوم يرتبط بانخفاض الإنتاجية وزيادة الشعور بالانفصال عن العمل.

وترى فاندركام أن موعد النوم «يُحدد مسار اليوم بأكمله»؛ لأنه يساعد الفرد على معرفة عدد ساعات العمل المتاحة أمامه، ما يُسهّل تنظيم المهام بصورة واقعية. وتوضح أن الناس يدركون أن لليوم بداية واضحة، لكنهم غالباً ما يتعاملون مع نهايته على أنها مفتوحة وغير محددة. والحقيقة، كما تقول، أن اليوم له نهاية فعلية، وكل ما نخطط لإنجازه يجب أن يتناسب مع هذا الإطار الزمني، في عملية تشبه ترتيب قطع أحجية بحيث تتلاءم مع المساحة المتاحة.

وتشير فاندركام إلى أنها حددت لنفسها موعداً ثابتاً للنوم عند الساعة الحادية عشرة مساءً منذ سنوات، مؤكدة أن هذا الروتين يمكّنها من اتخاذ قرارات أكثر عقلانية بشأن كيفية استثمار وقتها خلال النهار.

من جانب آخر، توضح راشيل سالاس، اختصاصية طب الأعصاب وأستاذة في جامعة جونز هوبكنز، أن اضطراب النوم قد يؤثر سلباً في إيقاع الساعة البيولوجية، أي النمط الطبيعي للنوم والاستيقاظ في الجسم. وتنصح سالاس بمراقبة الوقت الذي يستيقظ فيه الجسم تلقائياً من دون منبه لبضعة أيام، ثم إجراء تعديلات تدريجية بمقدار 30 دقيقة عند الحاجة للوصول إلى جدول أكثر اتساقاً.

وتشدد سالاس على أن النوم حاجة إنسانية أساسية، وأن تأثيره يمتد إلى مختلف جوانب الصحة، من الإدراك والذاكرة إلى الهضم. وتؤكد أنه من الصعب التفكير في جانب من جوانب الصحة لا يتأثر بجودة النوم وكفايته.

وحسب «مايو كلينك»، يحتاج معظم البالغين إلى نحو سبع ساعات من النوم ليلاً، مع الإقرار بأن احتياجات النوم تختلف من شخص لآخر. وتنصح فاندركام بأنه بعد تحديد عدد الساعات التي تجعلك تشعر باليقظة والنشاط الذهني يومياً، يمكنك استخدام هذا الرقم لتحديد موعد نومك المثالي.

وتختم بقاعدة بسيطة: انظر إلى وقت استيقاظك اليومي، ثم اطرح منه عدد الساعات التي تحتاجها للنوم، لتحصل على موعد نوم واضح وثابت. فتنظيم نهاية اليوم، في نظرها، هو الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة على بدايته.

الرأي


مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
TT

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

في الوقت الذي كانت مصر تتوقع فيه تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجَّرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية في هذا القطاع الحيوي، خصوصاً بعد تحذير أميركا لرعاياها من عدم السفر إلى 14 دولة بمنطقة الشرق الأوسط.

وأعرب خبراء سياحة ومرشدون سياحيون عن مخاوفهم من تأثيرات إلغاء بعض الحجوزات السياحية، خصوصاً من دول غرب ووسط آسيا التي تمر رحلاتها عادة بمنطقة الخليج العربي.

ووفق ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر (جنوب مصر) فإن «الصراع الحالي لا بد أن يكون له تأثير في مصر، وإن كان لم يظهر حتى الآن بشكل واضح، لكن هناك مؤشرات تؤدي لمخاوف من هذه التأثيرات من بينها وضع الولايات المتحدة مصر ضمن 14 دولة حذرت من زيارتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا الآن مجموعات من السائحين الأميركيين من المتوقع أن يكملوا برنامجهم السياحي، ويسافروا لكن بعد التحذير الأميركي أعتقد أن فرص مجيء أفواج أخرى في المدة القليلة المقبلة ستكون ضعيفة».

ونشرت السفارة الأميركية بالقاهرة بياناً على صفحتها بـ«فيسبوك» ذكرت فيه أنه «يجب على الأفراد الذين يخططون للسفر أن يكونوا على استعداد للتغييرات في خططهم؛ حيث قد تحدث إغلاقات في الأماكن الجوية في البلدان المجاورة»، وأكد البيان أنه «نظراً للتوترات العالية في المنطقة، تظل بيئة الأمن معقدة، ويمكن أن تتغير بسرعة».

حركة الطيران بالشرق الأوسط تأثرت بأحداث حرب إيران (وزارة الطيران المدني)

وأشار الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، إلى «تزايد المخاوف في القطاع السياحي المصرى من أن تلقي تداعيات الحرب في إيران بظلالها على مؤشرات الانتعاشة السياحية التي بدأت تتشكل مؤخراً».

وقال الطرانيسي لـ«الشرق الأوسط» إن «إلغاء عدد من السائحين القادمين من شرق آسيا حجوزاتهم بسبب اضطراب حركة الطيران يعكس حساسية القطاع لأي توترات إقليمية حتى إن كانت خارج الحدود المباشرة. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه شركات السياحة تعول على تنوع الأسواق لتعويض سنوات التراجع».

ووجَّه وزير السياحة المصري، شريف فتحي، رسالة طمأنة حول أوضاع السياحة المصرية مع بدء اندلاع الصراع، وقال في كلمة أمام لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب (البرلمان المصري)، قبل يومين، إن «مصر دولة آمنة ومستقرة، وإن التطورات الإقليمية والأحداث الجيوسياسية الحالية التي تشهدها المنطقة لم تؤثر في الحركة السياحية الوافدة إليها».

ولفت رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر إلى أن السوق السياحية الأوروبية تعد مصر بعيدة عن مناطق الاضطرابات، ورغم ذلك فإن التحذير الذي أطلقته أميركا لرعاياها سيؤثر في بقية الأسواق خصوصاً الصينية منها».

وخلال اللجنة البرلمانية التي ناقشت استراتيجية وزارة السياحة للترويج للأنماط المختلفة، وتعظيم فرص الاستثمار السياحي، أكدت النائبة سحر طلعت مصطفى، رئيس لجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب، أنه في ضوء المستجدات الإقليمية الراهنة بالمنطقة، تبرز أهمية تعزيز جاهزية قطاع السياحة للتعامل بكفاءة مع أي تطورات محتملة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الحركة السياحية الوافدة لمصر.

وتعوّل مصر على قطاع السياحة كواحد من أهم مصادر الدخل القومي، حيث حققت في العام الماضي دخلاً يصل إلى 24 مليار دولار، وفق مركز معلومات مجلس الوزراء، وحصلت على جائزة أفضل وجهة تراثية من منتدى السياحة العالمي، وتطمح مصر في جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء، وينتمي الفيلم، الذي حصد تنويهاً من لجنة تحكيم مسابقة «أجيال» بمهرجان «برلين السينمائي» في نسخته الماضية، للأعمال ذات الإنتاج المشترك مع تقديمه بشراكة هندية سنغافورية.

تدور أحداث الفيلم خلال صيف مفصلي في حياة طفل في الحادية عشرة يُدعى «ميفان»، يجد نفسه مُقتلعاً من إيقاع المدينة السريع إلى قرية أجداده البعيدة، حيث الزمن أبطأ، والعلاقات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لنشاهد في افتتاحية الفيلم، صدمة الانتقال لطفل اعتاد على الراحة والسرعة والاتصال الدائم، يُلقى به في فضاء لا يعترف بالعجلة ولا بالمكافآت الفورية.

حصد الفيلم تنويهاً من لجنة التحكيم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

القرية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي عالم مغاير بقوانينه الخاصة، حيث كل شيء يتطلب انتظاراً، وكل علاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل، من هنا، يبدأ الصراع الصامت بين «ميفان» والمحيط الجديد، ويتجسد في علاقته المتحفظة بعمته الشابة «باهي»، وهي علاقة مثقلة بمشاعر غير منطوقة وماضٍ لم يُحسم بعد.

تنسج المعالجة الدرامية خيوطها عبر تفاصيل الحياة اليومية، والذهاب إلى المدرسة، والاحتكاك بأطفال القرية، ومراقبة الحيوانات والطبيعة، والانخراط تدريجياً في روتين يبدو بسيطاً لكنه يحمل دروساً عميقة، فلا يعتمد الفيلم على أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة، بل يراهن على التراكم البطيء للحظات الصغيرة التي تُعيد تشكيل وعي الطفل بذاته وبالآخرين.

العلاقة بين ميفان وعمته تشكل العمود الفقري العاطفي للفيلم، فالتوتر بينهما لا يُحل عبر مواجهات مباشرة، ولكن من خلال صمت طويل يسمح للمشاعر الدفينة أن تطفو تدريجياً إلى السطح، حضور «ميفان» الهادئ داخل المنزل يُعيد فتح جراح قديمة، ويكشف هشاشة الكبار بقدر ما يكشف ارتباك الصغار.

صناع الفيلم خلال حضورهم في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

تطرح المعالجة أيضاً ثنائية لافتة بين العالم الرقمي وإيقاع القرية البطيء، فالطفل «ميفان»، ابن المدينة، يحمل داخله ضجيج التكنولوجيا وتوقعات الإنجاز السريع، بينما تفرض عليه القرية زمناً مختلفاً، بلا شاشات تُكافئه فوراً ولا مقارنات تُحفزه على السباق، هذا الاحتكاك بين السرعة والسكون لا يُدان فيه أي طرف، بل يُقدَّم بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول ما نكسبه وما نخسره حين يتغير إيقاع حياتنا.

تقول مخرجة الفيلم ريما داس لـ«الشرق الأوسط» إن «ليس بطلاً» يمثل بالنسبة لها امتداداً لمسار فني تنشغل فيه دائماً بالطفولة بوصفها مساحة صدق خالص، مشيرة إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من تساؤل بسيط لكنه عميق، وهو ماذا لو لم تكن البطولة مرتبطة بالإنجازات الكبرى أو التحولات الصاخبة؟ وماذا لو كانت البطولة في القدرة على البقاء، والتحمل؟

وأوضحت أن شخصية «ميفان» لم تُكتب على أنها بطل تقليدي، بل هي شخصية طفل يعيش ارتباكه بالكامل، من دون أن يملك أدوات تحليل مشاعره، بل يختبرها كما هي، بعفوية وتناقض، لافتة إلى أن اسم الفيلم «ليس بطلاً» يحمل موقفاً فكرياً واضحاً مرتبطاً بـ«مقاومة لفكرة الانتصار الدائم».

مخرجة الفيلم خلال حديثها في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم قصة نضج تقوم على التغلب أو الفوز، بل على التعلم البطيء، وعلى تقبل الفشل والانتظار والارتباك باعتباره جزءاً طبيعياً من النمو، لافتة إلى أن أكثر أشكال الشجاعة التي تلمسها في الحياة اليومية هي تلك الهادئة، التي لا تُعلن نفسها، بل تظهر في تفاصيل صغيرة متمثلة في الإصغاء، والصبر.

وعن اختيارها السرد من منظور طفل في الحادية عشرة، أوضحت أن الأطفال يرون العالم بلا فلاتر جاهزة، كما أنهم قادرون على احتضان التناقضات من دون الحاجة إلى تبريرها، مشيرة إلى أن «ميفان» لا يحلل مشاعره، بل يعيشها، وهو ما منح الفيلم مساحة لمراقبة علاقات معقدة من دون إصدار أحكام، عبر هذا المنظور الطفولي الذي سمح بأن يظهر الانتماء بوصفه تجربة تُكتسب تدريجياً، وليس مفهوماً يُشرح أو يتم فرضه.

قدم الفيلم جانباً إنسانياً (مهرجان برلين)

وتطرقت إلى حضور التكنولوجيا في الفيلم، مؤكدة أنها لم تكن تسعى إلى إدانتها، بل إلى مراقبة ما يحدث حين يلتقي إيقاع السرعة الرقمية بسكون القرية، مشيرة إلى أن الأطفال اليوم يتعرضون لضغط الضوضاء، والآراء المتدفقة، والمقارنات المستمرة، والمكافآت الفورية، حتى لو لم يدركوا أثر ذلك بشكل واعٍ.

وأوضحت أن الفيلم يحاول عكس هذه الحالة، وطرح سؤال حول ما نفقده وما نكسبه حين يتغير إيقاع الزمن من حولنا، لافتة إلى أن تجربتها في العمل مع الأطفال تغيّرت عبر السنوات، فبعدما كان الأطفال ينصتون إليها باعتبارها المخرجة التي تقود المشهد في تجاربها السابقة، أصبحت اليوم تشعر بأنها مطالبة بالإنصات إليهم أكثر، لأن عالمهم تغيّر، وأصواتهم باتت تحمل وعياً مختلفاً.