«الرعاية» تنعش الثقافة الفرنسية من جديد

تبرعات الشركات والخواص في تزايد مستمر

واجهة اللوفر
واجهة اللوفر
TT

«الرعاية» تنعش الثقافة الفرنسية من جديد

واجهة اللوفر
واجهة اللوفر

إذا كانت المؤسسات العمومية اليوم عاجزة عن رعاية المثقف ودعم أعماله وإبداعاته بسبب سياسات التقشف والأزمات، فإن المال الخاص حاضر لتشجيع الثقافة وتمويل مشاريعها ومعالمها ومتاحفها. الحل وُجد في كلمتين «رعاية الثقافة». المفهوم قديم جديد، بما أنه عرف بدايته إبان النهضة الإيطالية حين كان الأغنياء يتكفلون ويرعون مُبدعين شباباً ليتمكنوا من التفرغ للفن، لكنه تطور مع الوقت إلى ما أصبح يُعرف -حسب المفهوم الانجلوسكسوني- بـ«سبونسورنغ» أو «التمويل مقابل الدعاية» وهو ما يحدث عادةً في مجال الرياضة والفن.
في كل سنة تخصص فرنسا، الحريصة على الاحتفاظ بمكانتها الرائدة في مجال الثقافة والفنون، ميزانيات ضخمة لضخ الحياة الثقافية والفنية، وصلت عام 2018 إلى 10 مليارات يورو، حسب تقرير وزارة الثقافة، منها أكثر من 240 مليوناً لرعاية المعالم الأثرية وترميمها، و200 مليون لتغطية نفقات مجانية المؤسسات الثقافية، و3 ملايين لاستقبال المبدعين الأجانب، و860 مليوناً لتمويل مشاريع مختلفة، وإن كانت هذه المبالغ تبدو مرتفعة إلا أنها أصبحت في الواقع لا تفي بالغرض لا سيما مع ارتفاع تكاليف بعض المشاريع. رغم هذا وذاك، فإن كثيراً من المؤسسات الثقافية لا تزال تنشط وتنتعش بفضل هبات وتبرعات الشركات والخواص.
هذه السنة المداخيل التي جاءت من المؤسسات الراعية بلغت أرقاماً قياسية: 3 مليارات يورو (أي تقريباً ثلث الميزانية المخصصة للثقافة) حسب جمعية «الأكميدال» (لدعم الشركات الفرنسية في ميدان الثقافة والتآزر الاجتماعي)، إلى هذا الرقم يجب إضافة الهبات التي جمعتها المنظمات الخيرية كجمعية «التراث» التي يرأسها أحد إطارات بورصة باريس والتي جمعت ما يقارب 5 ملايين يورو لدعم التراث الفني، أو مؤسسة «أصدقاء متحف اللوفر».
الطباعة والنشر كانا الأوفر حظاً بالرعاية، حيث استحوذا على 34% من مجموع ما قُدم من الأموال. المكتبة الوطنية الفرنسية «بي إن إف» وحدها تتلقى ما بين 4 و6 ملايين يورو سنوياً، تليها الموسيقى والسمعي البصري بنسبة 31%، والفنون التشكيلية والاستعراضية بـ26%، والمعالم الأثرية بـ9%.
تطور ملحوظ، لا سيما أن فرنسا قد ترددت طويلاً قبل الخوض في هذا المجال نظراً إلى الحساسية التي كانت تطرحها مسألة دخول رؤوس الأموال مجال الثقافة وحرصها الشديد على إبعاد كل شبهات التدخل في حرية رجال الثقافة والفن، إضافة إلى الحضور القوي للدولة وإشرافها على كل ما يدخل في دائرة «الصالح العام» وعلى رأسها الثقافة. اليوم لم يتم تدارك التأخير فحسب، بل إن ظاهرة «النصرة» تعرف رواجاً منقطع النظير، ففي مقال بعنوان «نصرة الشركات الفرنسية في ازدهار» قيمت صحيفة «لوفيغارو» عدد الشركات الخاصة التي تبرعت لمؤسسات ثقافية وجمعيات بنحو 145 ألف شركة بعد أن كانت لا تتعدى 6500 عام 2006، مُضيفة أنها في تزايد مستمر وبوتيرة متسارعة، حيث عرفت زيادة 120% في ظرف 6 سنوات. الفضل يعود إلى التغيير الذي طرأ على الإطار القانوني الذي يصاحب عمليات «النصرة»، حيث تم استبدال بقانون 23 يوليو (تموز) 1987 قانوناً آخر، وهو قانون 1 أغسطس (آب) 2003 الذي يمنح الشركات المساهمة خصماً على الضرائب يقدَّر بـ60% وقد يصل إلى90%، حين يتعلق الأمر بدعم الدولة في الحصول على قطعة من التراث المهم، وهو ما شجّع الكثير من المؤسسات على خوض تجربة النصرة.
تقرير الصحيفة الفرنسية يشير إلى أن الظاهرة لم تعد تقتصر على الشركات الكبيرة فقط، إذ حتى الصغيرة التي لا تملك مداخيل مهمة تسهم بشكل مختلف عن طريق تشجيع موظفيها مثلاً على التبرع بوقتهم لإنجاح أي مشروع ثقافي أو فني. نظراً غلى إلى أهمية هذا النشاط في تحسين الصورة الخارجية للمؤسسات فإن أكثر من 200 منها قررت إنشاء مؤسسات خيرية خاصة تتفرغ للاهتمام بهذا المجال، أشهرها مؤسسة «بالازو غراسي» لصاحبها رجل الأعمال الفرنسي فرنسوا بينو، ومؤسسة «كارتيي» التي تشرف على أكبر متحف خاص في فرنسا، وكذا مؤسسة «لوي فيتون» و«فينشيي».
«متحف اللوفر» يقدم أكبر مثال على نجاح هذه التجربة عبر «حلقة أصدقاء متحف اللوفر» التي تضم خواص وشركات تدعم المتحف الفرنسي الأكثر زيارة في العالم، حيث إنها مكّنته مثلاً من اقتناء لوحة الفنان جاك سالي «الحب وهو يشهر سهامه» بفضل جمعها ما يقارب 3 ملايين يورو من التبرعات، كما ينظم المتحف سنوياً ومنذ 2010 حملة «كلنا رعاة» التي يدعو فيها الخواص إلى التبرع عبر موقعه على الشبكة، آخر هذه الحملات مكّنت المتحف من اقتناء تحفة نادرة هي «كتاب الساعات» للملك فرنسوا الأول، والتي كانت معروضة للبيع من طرف مُجمع بريطاني بمبلغ 10 ملايين. أما حملة التبرع الجديدة التي يدعو إليها المتحف حالياً على موقعه لترميم بوابة «الكروزيل» والتي تتكلف مليون يورو فقد جمعت حتى الآن 4326 متبرعاً وحققت أهدافها بنسبة 92%.
بعض المعالم أصبحت نماذج يُحتذى بها في التمويل الذاتي، كقصر «شامبور» التاريخي الذي يعتمد في تسييره بنسبة 90% على الأموال الخاصة الفرنسية ولكن أيضاً الأجنبية، هذا على الرغم من أن المعلم التاريخي مصنف ضمن التراث العالمي لليونيسكو. ورغم غياب المقابل المادي والدعاية لمثل هذه العمليات فإن المرافق التي تستفيد من هكذا دعم تكافئ داعميها بطرق متفاوتة، فالراعي قد يجد اسمه أو شعاره -إذا كان مؤسسة- في مربع صغير داخل قاعة المتحف، أو قد تحمل القاعة اسمه إذا كانت هبته كريمة، أما الذي يدفع أقل من ذلك، فتمكنه الاستفادة مثلاً من تذاكر دخول مجانية له ولعملائه أو من قاعات لتنظيم حفلات خاصة أو من حجز الأماكن الأمامية في صالات العرض. وربما كانت أطرف هذه المكافآت ما تقترحه أوبرا باريس لشركائها من زيارات لكواليس العرض ساعات قبل الافتتاح. من المانحين أيضاً مَن يرفض تماماً كل أشكال المكافآت؛ عائلة «آل روتشليد» التي دعمت لعقود طويلة المؤسسات الثقافية وموّلت عودة أكثر من 12 ألف قطعة فنية إلى المتاحف الفرنسية كانت تتفادى الأضواء وترفض حتى وضع اسمها على بطاقات الدعوة.



هررة إسطنبول تحظى بعطف كبير والسكان يغدقون عليها الطعام

«كانيون» (أ.ف.ب)
«كانيون» (أ.ف.ب)
TT

هررة إسطنبول تحظى بعطف كبير والسكان يغدقون عليها الطعام

«كانيون» (أ.ف.ب)
«كانيون» (أ.ف.ب)

يُغدق مرتادو مركز تجاري في إسطنبول حبيبات طعام القطط على هرّ أبيض مرقّط بالرمادي يُدعى «كانيون»، يتمركز منذ مدة طويلة عند مدخل المجمع، ويعاملونه بكثير من الرفق.

لكنّ كانيون الذي بات يمكث في بيت صغير من البلاستيك تحيط به اللعب، أشبه بغرف الأطفال، وله حساب على منصة «إنستغرام» تتولى إحدى المعجبات إدارته، ليس حالة منفردة في إسطنبول، إذ يحظى نحو 160 ألف هرّ في شوارع المدينة التركية بعطف كبير من السكان الذين يناهز عددهم 16 مليوناً، ويؤمن كثر منهم الغذاء لها... إلى درجة التخمة أحياناً.

ولا عجب في أن تشاهد القطط ممددة طوال الوقت، من دون أن يزعجها أحد إلا في ما ندر، على مقاعد المقاهي، في واجهات المحال، عند مواقف الحافلات أو صناديق الدفع في المتاجر الكبرى، على ضفتي البوسفور الذي يقطع المدينة التركية العملاقة، وأحيانا حتى على العبارات الرابطة بينهما.

وتقول غايه كوسيلردن (57 عاماً) أمام البيت الملوّن الصغير المخصص لـ«كانيون» إن «سكان اسطنبول يحبّون الحيوانات»، والقطط في المدينة «تستطيع دخول المتاجر والنوم على أغلى الأغطية»، مذكّرة بأنها «تسمى مدينة القطط».

أما إليف تشوشكون التي تزور «كانيون» باستمرار وتقتطع من راتبها لإطعام كلاب وقطط مقبرة قريبة يومياً، فعلّقت قائلة: «الحيوانات أمانة في أعناقنا وتحتاج إلى حبّنا وعطفنا».

ووصل تبجيل القطط مثلاً إلى حد إقامة تمثال برونزي لأحدها ويُدعى «تومبيلي»، نفقَ عام 2016، بعدما اكتسب شهرة عالمية عبر الإنترنت.

وحين نفقت القطة غلي عام 2020، تميمة كنيسة آيا صوفيا سابقاً، حظيت بنعي في الصحافة التركية التي ذكّرت بأن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما نفسه داعبها قبل 11 عاماً.

«كانيون» (أ.ف.ب)

أما قصر توبكابي الذي كان في ما مضى مقر إقامة للسلاطين العثمانيين، فبادر حديثاً إلى ترميم فتحة قديمة للقطط في بابه، إذ «كانت وظيفة الهررة الأولى تخليص القصر من الفئران وغيرها»، بحسب ما يشرح مدير الموقع إلهان كوجامان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويفسر هذا الحضور البارز للقطط تاريخياً بـ«المحبّة العميقة التي كان النبي محمد يكنّها» لهذه الحيوانات، وفق أستاذ قسم تاريخ الطب البيطري في جامعة إسطنبول ألطان أرمتاك.

إلاّ أن بلدية إسطنبول تسعى بعد ستة قرون إلى كبح أعدادها، إذ عمدت إلى تعقيم أكثر من 43 ألفاً من قطط الشوارع العام الفائت، أي 12 ضعف ما كان عليه العدد عام 2015.

كذلك تبدي السلطات قلقها من تبرعات السكان السخية جداً، إذ ترى أنها تسبّب تكاثر القوارض إذ «من المفترض أن تطارد القطط الجرذان. لكن في إسطنبول، الجرذان تأكل حبيبات الطعام إلى جانب القطط»، على ما يشرح مسؤول محلي.

غير أن فاطمة أوز أرسلان (22 عاماً) التي حضرت إلى متنزه إسطنبولي لوضع طعام لمئات القطط تؤكد أنها لم ترَ «جرذاً واحداً»، منذ عودتها من ألمانيا قبل أربعة أشهر. وتقول: «لا يمكن تصور إسطنبول خالية من قططها».


تقنية مبتكرة تعيد الأمل لفاقدي البصر

هناك ملايين الأشخاص حول العالم يعانون اضطرابات تنكسية تصيب شبكية العين (المكتبة الوطنية للطب بالولايات المتحدة)
هناك ملايين الأشخاص حول العالم يعانون اضطرابات تنكسية تصيب شبكية العين (المكتبة الوطنية للطب بالولايات المتحدة)
TT

تقنية مبتكرة تعيد الأمل لفاقدي البصر

هناك ملايين الأشخاص حول العالم يعانون اضطرابات تنكسية تصيب شبكية العين (المكتبة الوطنية للطب بالولايات المتحدة)
هناك ملايين الأشخاص حول العالم يعانون اضطرابات تنكسية تصيب شبكية العين (المكتبة الوطنية للطب بالولايات المتحدة)

طوّر فريق بحثي دولي، تكنولوجيا حديثة وآمنة ولاسلكية لتحفيز شبكية العين، تستهدف الأمراض التنكسية التي تؤدي إلى فقدان البصر.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة كوتش التركية، أن هذه التقنية المبتكرة تقدم نهجاً واعداً لعلاج المصابين بـالضمور البقعي واعتلال الشبكية الصباغي، وهما من أبرز أسباب فقدان البصر عالمياً، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Science Advances».

ويعاني ملايين الأشخاص حول العالم اضطرابات تنكسية تصيب الشبكية، مثل الضمور البقعي واعتلال الشبكية الصباغي، ولا يتوافر لها حتى الآن علاج شافٍ.

وعلى الرغم من أن الأجهزة المزروعة في الشبكية تُعدّ من الخيارات العلاجية المتاحة حالياً لتحسين الرؤية جزئياً لدى بعض المرضى، فإن فاعليتها تبقى محدودة بسبب تحديات تقنية عدة، من بينها الحجم الكبير، والتعقيد الإلكتروني، أو الاعتماد على ضوء مرئي شديد قد يُلحق ضرراً بالأنسجة الحساسة للشبكية.

وفي محاولة للتغلب على هذه التحديات، ابتكر الفريق البحثي نظاماً فائق الدقة ومتوافقاً حيوياً مع أنسجة العين؛ ما يجعله آمناً للاستخدام على المدى الطويل.

ويختلف هذا النظام الجديد عن الأجهزة التقليدية المزروعة جراحياً في الشبكية؛ إذ يتميز بتصميمه اللاسلكي فائق النحافة، ويمكن وضعه على الشبكية أو بالقرب منها لتحفيز الخلايا العصبية مباشرة، دون الحاجة إلى كابلات أو مكونات إلكترونية كبيرة، وبطريقة آمنة لا تُسبب تلفاً للأنسجة.

ويعتمد الجهاز على «بلورات نانوية» (Nanocrystals) بحجم النانو، وأسلاك نانوية، صُممت خصيصاً لتحويل الضوء تحت الأحمر القريب إشاراتٍ كهربائية دقيقة. ووفق الباحثين، يُعدّ هذا النوع من الضوء أكثر أماناً؛ إذ يخترق الأنسجة بعمق دون التسبب بأضرار للشبكية.

وعند وصول الضوء إلى النظام، تقوم الأسلاك النانوية والبلورات النانوية بتحويله مباشرة نبضاتٍ كهربائية دقيقة، تحفّز الخلايا العصبية في الشبكية بطريقة تحاكي الإشارات الطبيعية التي ترسلها العين إلى الدماغ.

وأظهرت التجارب التي أُجريت على نماذج شبكية لفئران فاقدة للبصر استجابات قوية ومتكررة وذات دقة زمنية عالية في الخلايا العصبية. كما أكدت تحليلات سلامة الخلايا، والتوافق الحيوي، واستقرار النظام على المدى الطويل أن الجهاز لا يسبب سمّية أو إجهاداً خلوياً، مع تسجيل ارتفاع حراري طفيف جداً أثناء التشغيل؛ ما يعزز من أمان استخدامه لفترات ممتدة.

وأشار الباحثون إلى أن هذه الدراسة تُظهر أن النهج القائم على «البلورات النانوية» قد يفتح الباب مستقبلاً أمام استعادة البصر لدى الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم البصرية نتيجة الضمور البقعي واعتلال الشبكية الصباغي.

وأضاف الفريق أن هذا الابتكار لا يقتصر على تطبيقات طب العيون، بل يمكن تطويره لاحقاً لاستخدامات أوسع تشمل الدماغ والقلب والعضلات، أو أي نسيج عصبي أو عضلي قابل للتحفيز الكهربائي.

ونوَّه الباحثون بأن توظيف البلورات النانوية ضمن تصميم نانوي محسّن يمثل قفزة نوعية في تقنيات الأطراف الاصطناعية العصبية والتطبيقات الطبية العصبية.


الرياض وجهة عالمية للفن… و«سوذبيز» تعزّز الاستثمار الثقافي بالسعودية

زوار يشاهدون لوحة «لنخلة» للفنان ضياء عزيز ضياء في معرض «أصول سوذبيز 2» (سوذبيز)
زوار يشاهدون لوحة «لنخلة» للفنان ضياء عزيز ضياء في معرض «أصول سوذبيز 2» (سوذبيز)
TT

الرياض وجهة عالمية للفن… و«سوذبيز» تعزّز الاستثمار الثقافي بالسعودية

زوار يشاهدون لوحة «لنخلة» للفنان ضياء عزيز ضياء في معرض «أصول سوذبيز 2» (سوذبيز)
زوار يشاهدون لوحة «لنخلة» للفنان ضياء عزيز ضياء في معرض «أصول سوذبيز 2» (سوذبيز)

بعد النجاح اللافت الذي حققته النسخة الأولى، تتجه الأنظار مجدداً إلى العاصمة السعودية الرياض، حيث تنطلق النسخة الثانية من مزاد «سوذبيز»، في حدث يتجاوز كونه مجرد عملية تقليدية للبيع والشراء، ليصبح منصة ثقافية تربط الفن السعودي العريق بالتيارات العالمية المعاصرة.

وقال أشكان باغستاني، رئيس المزاد واختصاصي الفن المعاصر في «سوذبيز»، إن النسخة الأولى للمزاد في الرياض شكّلت تجربة تعليمية قيّمة للدار، وأكّدت وجود إقبال كبير محلياً وإقليمياً، ليس فقط على الفنّانين العرب، بل وعلى الأسماء العالمية المرموقة أيضاً، فضلاً عن تنوّع أسعار الأعمال الفنية المطروحة في المزاد.

وأشار باغستاني في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن النسخة الثانية التي ستقام السبت المقبل، ستشهد توسيع نطاق المزاد وتقديم فئات فنية جديدة، مثل التصميم، ومواصلة تقديم الفنانين السعوديين إلى السوق الدولية، حيث يبرز الفنان السعودي محمد السليم في افتتاح المزاد، الذي يُشارك لأول مرة في مزاد فني دولي عام، إلى جانب ضياء عزيز ضياء، أحد روّاد الفن السعودي، الذي يُشارك بدوره للمرة الأولى في مزاد دولي عام، وتقديم أول لوحة للفنانة صفية بن زقر في مزاد عام.

وعن المعايير التي اعتُمدت في اختيار الأعمال الفنّية لهذه النسخة، قال باغستاني، إن أولوية النسخة الثانية من المزاد تتمثل في إبراز العمق والتنوّع الفني، حيث يسلّط فيها الضوء على فنّانين سعوديين من مختلف الأجيال، من الرواد الأوائل إلى أبرز الشخصيات في الحركة الحديثة وغيرهم من الفنانين اللامعين اليوم، ووضع أعمالهم الفنية ضمن سياق إقليمي ودولي أوسع، مشيراً إلى الاهتمام المحلي الكبير الذي شهدته النسخة الأولى بأعمال فنّانين عالميين مرموقين، مثل وارهول، بيكاسو، بانكسي، كوندو، سالفو، وتوريل؛ الأمر الذي دعا إلى تضمين النسخة الثانية هذا العام مجموعة مميزة من الأسماء العالمية أيضاً، وخلق حوار بين الفنانين الغربيين والسعوديين؛ نظراً لثراء تاريخ الفنّ بالسرديات والتيارات الفنية والمناطق الجغرافية المتنوعة، إضافة إلى مجموعة مختارة من القطع التصميمية التي تعكس بدورها التطور المتزايد واتساع نطاق اهتمامات مقتني الفنون الجدد والمخضرمين في السعودية.

عمل للفنان بول غيراغوسيان ضمن معرض «أصول سوذبيز الثاني» (سوذبيز)

زوار يشاهدون أعمال الفنان محمد السليم في معرض «أصول» الذي أقامته دار «سوذبيز» بالرياض (سوذبيز)

من جهته، قال فهد بن ملّوح، رئيس استراتيجية الأعمال، ومدير مكتب الرئيس التنفيذي في «سوذبيز»، إن السعودية تشهد نهضة ثقافية ملحوظة في ظل القيادة الواعية للبلاد، وشبابها المثقف ومجتمعها الشرائي النشط، وأن دار «سوذبيز» للمزادات تحافظ على علاقات وثيقة ومستدامة في السعودية منذ سنوات كثيرة عبر التواصل الدائم ما بين نخبة خبراء «سوذبيز» في جميع المجالات ومقتني الأعمال الفنية والجهات الريادية في قطاعات الثقافة والفنون في السعودية.

وقال ملوح في حديث مع «الشرق الأوسط» إن تنظيم هذا المزاد في الرياض والمبادرات الكبرى مثل مؤتمر الاستثمار الثقافي، وبينالي الدرعيّة للفن المعاصر، وبينالي الفنون الإسلامية، يسهم في إثراء المنظومة الثقافية للسعودية، وإن الشراكات مع المؤسسات الدولية مثل «سوذبيز» تلعب دوراً محورياً في ترسيخ مكانة الرياض ليس مركزاً إقليمياً فحسب، بل وجهة عالمية متنامية للفن والتراث والإبداع، مؤكداً أن الدار تسعى للمساهمة في توسيع آفاق الحوار الثقافي ودعم طموح المملكة في ريادة أسواق الفن العالمية.

وقال ملوح إن «رؤية السعودية 2030» تمثل أحد أكثر التحولات الثقافية طموحاً على مستوى العالم، وأن «سوذبيز» انطلاقاً من ذلك، يستند نهجها في السعودية إلى الإصغاء العميق وبناء شراكات طويلة المدى تتناغم مع أولوياتها، وذلك من خلال التنسيق والعمل الوثيق مع مختلف أقسام دار «سوذبيز»، بما يضمن أن تعكس برامجها في السعودية المعايير الدولية لـ«سوذبيز» والطموحات الخاصة بالسوق المحلية في آنٍ واحد.

وكشف ملوح عن أن هذه الشراكة ستنعكس على دعم الفنانين السعوديين على المنصة العالمية، والمساهمة في القطاع الثقافي المحلي، إلى جانب الإسهام في مبادرات التعليم وتبادل المعرفة؛ كي تصبح الدار شريكاً فاعلاً ومؤثراً في مسيرة السعودية المتواصلة نحو ترسيخ مكانتها في المشهد الثقافي العالمي.

عمل للفنانة صفية بن زقر ضمن المعرض (سوذبيز)

وعما إذا كانت «سوذبيز» تخطط لتحويل هذا المزاد حدثاً دورياً ثابتاً، أو توسعاً يشمل مدناً أخرى غير الرياض في المستقبل القريب، قال ملوح إن السعودية تمثل فرصة استثمارية واستقطابية طويلة الأمد، ومع تعداد سكاني يناهز 35 مليون نسمة، ومجموعة متنامية من المهتمين باقتناء الأعمال الفنية، تشهد نشاطات الدار في السعودية تفاعلاً واسع النطاق يشمل مختلف الأجيال ومستويات الخبرة، بدءاً من المشترين الجدد ووصولاً إلى خبراء مقتنيي الفنون العالمية؛ ما يعزّز الثقة بحيوية سوق الفن السعودي وقدرتها على الاستدامة والنمو على المدى الطويل.

وعلى نطاقٍ أوسع، أكد ملوح التزام الدار المتجدد بدول الخليج العربي من خلال الأنشطة والمزادات في المنطقة، التي تراعي الأولويات الثقافية المحلية لكل سوق على حدة، ويتجلى ذلك في تصميم برامجها الفنية ومحتوى مزاداتها بما يتوافق مع هذه السياقات، وبما يضمن تقديم دعمٍ مدروس وطويل الأمد لمقتني الأعمال الفنية ولمختلف الأنشطة الثقافية من نوادر المجوهرات والساعات والسيارات وغيرها من المقتنيات الفاخرة.