يعلو صوت بكاء الطفل مع ارتفاع حدة لهجة أمه وهي تجره من يده متوعدة بأنها آخر مرة سيخرج معها من البيت، بل ستحبسه في الحمام، لكن الطفل يتابع مطالبته بالمو. تبكي الأم وهي تترجاه أن يكف عن فضحها.
هذا ليس مشهدا في مسلسل تلفزيوني، وإنما مشهد يومي يتكرر في شوارع دمشق. مشهد يختصر المعاناة المعيشية السورية المتفاقمة يوما بعد آخر مع تواصل ارتفاع الأسعار بشكل هائل، والذي يرده خبراء اقتصاد إلى تراجع الناتج الإجمالي المحلي السوري خلال الحرب من 80 مليار دولار أميركي إلى نحو 17 ملياراً.
تعمل ناديا (45 عاما) في المنازل لتؤمن معيشة أولادها، بأجر يومي يتراوح بين 3000 و4000 ليرة يوميا، (6 ـ 8) دولارات، تقتطع منها عشرة آلاف ليرة كل شهر مصروف جيب لابنها. تنهار بالبكاء وهي تستجدي رفع أجرها، لأن أزمة الغاز أخلت بتوازن توزيع دخلها بين دفع إيجار منزل متهالك على أطراف دمشق الجنوبية يؤويها مع عائلتها 35 ألف ليرة، وتأمين مستلزمات العيش اليومي بـ35 ألفا الأخرى، وتوفير مصروف للعسكري.
أزمة الغاز الخانقة وازدياد ساعات تقنين الكهرباء تضطرها لملء طباخ صغير بالغاز بقيمة 2500 ليرة تستخدمه للطبخ والتدفئة معاً تكفي ثلاثة أيام فقط، وذلك بعدما يئست من الحصول على أسطوانة غاز بالسعر الحكومي 2500 وتكفي لشهر، فالوقوف في طابور الغاز يحتاج للتفرغ يوما كاملا، وفي السوق السوداء قد يتجاوز سعرها العشرة آلاف.
متوسط دخل ناديا نحو 80 ألف ليرة شهريا (160 دولارا تقريبا) أي ضعف ما يتقاضاه العامل الحكومي، إذ أن متوسط دخله لا يتجاوز 70 دولارا. أما القطاع الخاص فيصل متوسط الدخل إلى 200 دولار.
لكن كلفة الاحتياجات المعيشية لأسرة مؤلفة من أربعة أشخاص تقدر بالحد الأدنى بنحو 200 ـ 250 ألفا شهريا، أي ما يعادل 400 ـ 500 دولار. ليبقى السؤال المحيّر كيف يتدبر السوريون ردم الفجوة الكبيرة بين الدخل والمصروف والتي تتسع يوما بعد آخر؟
أبو أحمد يتقاضى راتبا تقاعديا عشرين ألف ليرة ينفقها على شراء الدخان، ليتكل على دخل ابنته وتدابير زوجته في الاقتصاد المنزلي لتغطية نفقات المعيشة. يقول في 2013 عندما وصل سعر الدولار إلى 250 ليرة وارتفعت الأسعار خمسة أضعاف «تخيلت أن يوم القيامة قد حلّ والناس ستأكل بعضها، وسيسقط النظام لا محالة، لكن ما جرى أن الوضع زاد تدهورا والغالبية من الشعب باتوا فقراء جدا، وأعداد المتسولين زادت، وكذلك جرائم القتل والسرقة والانتحار، وبقي النظام وزاد عدد حيتان المال». أما كيف لا نزال نعيش في سوريا فهذا «تدبير إلهي».
مراد من عائلة دمشقية ذات تاريخ إقطاعي، هو الآن يعاني من تدني الدخل رافضا وصف نفسه بأنه بات فقيرا، فما زالت لديه أراض وعقارات من إرث العائلة يرفض بيعها، لكن أعماله تعطلت منذ بداية الحرب. يتحدث عن حالة شد الأحزمة التي بدأها منذ خمس سنوات باعتبار أن حالة الحرب طارئة إلا أنها طالت. في البداية ألغى تبادل دعوات الغداء والعشاء، ثم أجبر العائلة على الاكتفاء باستخدام سيارة واحدة، ثم استبدال التدفئة المركزية بمدفأة واحدة وإغلاق صالة الاستقبال والسفرة والضيوف، واستبدال عاملة المنزل اليومية بأخرى مرة كل أسبوع.
أما آخر إجراء وقد حزّ في نفسه، فهو اضطراره لنقل ولديه من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكومية, واتبع ذلك بالخطوة الأهم وهي الاستغناء عن المدرسين الخصوصيين، ليتكفل هو بالمهمة، «أنا مهندس عاطل عن العمل وقادر على تدريس أولادي». المفارقة أن أحياء دمشق الراقية لولا وجود المتسولين تكاد لا تلمح فيها أثرا للفقر. إذ أن المطاعم التي لا تقل أدنى فاتورة غداء فيها لشخص واحد بها عن 12 ألف ليرة والمقاهي التي يتجاوز سعر فنجان القهوة فيها ألف ليرة، دائما مكتظة بالزبائن، ناهيك عن عيادات التجميل وما ينفق فيها من ملايين الليرات السورية، عدا المسابح والأندية الرياضية، وكأن الحرب لم تمر على هذه البلاد.
وقال خبير اقتصادي إن «المجتمع في سوريا اليوم هو مجتمع حرب، تغيب عنه المعايير الواضحة، وفي كل حرب يخسر ذوو الدخل المحدود والفقراء والعاطلون عن العمل والمهملون البعيدون عن دورة الاقتصاد وهم الغالبية، بينما تربح أقلية تجار الأزمات والحروب والمحتكرين». ولفت إلى «تراجع كارثي» في الطبقة الوسطى السورية والتي كانت تشكل نحو 60 في المائة من السكان لتصبح أقل من 15 في المائة حسب تقديرات مراكز بحث محلية، فيما تشير التقديرات الأممية إلى أن طبقة الفقراء باتت أكثر 80 في المائة.\ أما الخمسة في المائة الباقية فيقول الخبير هي «طبقة أثرياء الحرب التي التفت على عنق الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب».
الطبقة الوسطى تتلاشى وأثرياء الحرب يغزون المطاعم ليلاً
https://aawsat.com/home/article/1583961/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%89-%D8%AA%D8%AA%D9%84%D8%A7%D8%B4%D9%89-%D9%88%D8%A3%D8%AB%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%8A%D8%BA%D8%B2%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B9%D9%85-%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%8B
الطبقة الوسطى تتلاشى وأثرياء الحرب يغزون المطاعم ليلاً
الطبقة الوسطى تتلاشى وأثرياء الحرب يغزون المطاعم ليلاً
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


