أنفاق غزة.. مدينة تحت الأرض

على مدار عقد من الزمن فشلت إسرائيل في تحييدها عسكريا.. والآن تجرب التكنولوجيا

أنفاق غزة.. مدينة تحت الأرض
TT

أنفاق غزة.. مدينة تحت الأرض

أنفاق غزة.. مدينة تحت الأرض

قبل نحو أسبوع، بينما كان الجنود الإسرائيليون يغادرون قطاع غزة مع دباباتهم إلى الشريط الحدودي، وذلك بعد نحو شهر من عملية عسكرية «معقدة» استهدفت تدمير الأنفاق «الهجومية» كما يسميها الإسرائيليون، داخل المدن الحدودية في القطاع، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتهنئة جيشه و«الشاباك» (الأمن العام) على «إنهاء عمليات تحييد (تدمير) الأنفاق الإرهابية في قطاع غزة»، قائلا لشعبه: «العملية العسكرية وجهت ضربة إلى المنظومة الاستراتيجية التي استثمرت فيها حماس جهدا هائلا على مدار سنين»، لكنه عاد بعد ذلك ودون تأخير ليقول لشعبه، إنه لا يضمن أنه عملية الجيش و«الشاباك» نجحت 100 في المائة.
نتنياهو وجيشه و«الشاباك» أكثر من يعرف أن العملية لم تنجح بشكل حاسم وليس لها تأثير مباشر على المدى البعيد، وأنه بعد عام أو اثنين ستكون حماس قد بنت مجددا ما هدمه الجيش الإسرائيلي. وقالت إسرائيل إنها بعد 30 يوما من العمل في غزة تمكنت من تدمير 32 نفقا ضخما لحماس، من دون أن تشير إلى عدد الأنفاق التي لم تستطع تدميرها. ولا أحد في إسرائيل يعرف كيف تبدو عليه شبكة الأنفاق العسكرية في قطاع غزة، ولا أين تبدأ أو تنتهي، ويتضح من فيديوهات نشرتها حماس وإسرائيل، إضافة إلى طرائق تنفيذ عمليات في الحرب الأخيرة أن الحركة الإسلامية بنت مدينة صغيرة تحت المدينة الأم. تركت فوق الأرض للناس وبنت تحت الأرض مدينتها.
وخلال الحرب الأخيرة على غزة، اتضح أهمية هذه المدينة القائمة على أنفاق طويلة ومتشابكة، بعدما شنت القسام من داخلها عدة عمليات تسلل خلف خطوط الجيش الإسرائيلي العامل في القطاع، وكانت عمليات مؤثرة وقاسية على إسرائيل. ومن بين ما نشرته القسام فيديو يمكن وصفة بلقطة الحرب، خرج فيه قساميون من فوهة نفق إلى خارج حدود غزة وهاجموا معسكرا للجيش الإسرائيلي، قبل أن تظهر اللقطات اللاحقة رجال القسام وهم يدوسون رأس أحد الجنود على الأرض ويحاولون خطفه، ثم يعودون مجددا من فتحة النفق إلى غزة. كان هذا في خضم إعلان الجيش الإسرائيلي تحقيقه إنجازات كبيرة على صعيد «تحييد» الأنفاق، وانقلب السحر في إسرائيل على الساحر، وارتفعت المطالبات عاليا من أجل التحقيق بالفيديو «الإهانة».
أثبتت عمليات أخرى نفذتها حماس إلى جانب عملية المعسكر، داخل وخارج غزة، الأهمية الاستثنائية للأنفاق والتي أعطت حماس ميزة عنصر المفاجأة خلال المواجهات. ويكفي الإشارة إلى أن حملة هدم الأنفاق الـ32 في الحرب الأخيرة على غزة، كلفت الخزينة العامة مليارات الدولارات، وكلفت الجيش الإسرائيلي خسارة 63 جنديا، وخطف اثنين، دون أن ينجح في القضاء عليها.
ومنذ عام 2008 وحتى الآن، شنت إسرائيل ثلاث حروب على قطاع غزة بهدف ضرب بنية حماس التحتية (الأنفاق). واليوم بعد أن انتهت الحروب الثلاث بما فيها حرب «الجرف الصامد»، أدرك الإسرائيليون استحالة المهمة دون احتلال كامل لغزة. وطالب وزراء في الحكومة الإسرائيلية بينهم وزير الاقتصاد نفتالي بينت ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، بتنفيذ هجوم كامل على غزة واحتلالها وإسقاط حماس، لكن الجيش الإسرائيلي وضع سيناريو «رعب» أمام المسؤولين الإسرائيليين حول تكلفة احتلال غزة وتنظيفها نهائيا من الأنفاق. وقال السيناريو الذي وضعه الجيش، إن عدد القتلى من الجنود الإسرائيليين سيكون بالمئات خلال المرحلة الأولى فقط، في حين سيتعرض عدد غير محدود لعمليات اختطاف، أما القتلى من سكان غزة فسيكونون بالآلاف.
وأشارت التقديرات إلى أن التكلفة المالية لاحتلال غزة ستصل إلى عشرات المليارات. أما سياسيا فوضعت إسرائيل نصب عينها أن عملية كهذه ستضع أيضا معاهدتي السلام مع مصر والأردن في خطر شديد. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي ردا على طلب وزراء احتلال غزة: «ستكون عملية احتلال جنوب لبنان سابقا مثل نزهة». وأضاف: «من أجل أن نخلق نظاما هناك وسط هذه الفوضى العارمة سنحتاج لسنوات طويلة». وحذر مسؤولو الأمن الإسرائيلي، وزراء «الكابنيت» كذلك من أن انتفاضة في الضفة الغربية أو في الداخل ستصبح أمرا واقعا.
وأصر العسكريون الإسرائيليون على موقفهم على الرغم من محاولات وزراء «الكابنيت» التشكيك في التقرير والقول إنهم يحالون تخويفهم من احتلال القطاع. وكان خلافات ظهرت أثناء الأسبوع الثالث من العملية العسكرية التي استمرت 29 يوما قبل توقيع هدنة تنتهي اليوم، بين المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل. وأرادت قيادة الجيش من «الكابنيت» حسم الأمر تجاه احتلال غزة أولا، وقال عسكريون إن المستوى السياسي متردد، ورد وزراء بأن الجنرالات يريدون العودة إلى منازلهم. ووسط هذا الخلاف أنهى الإسرائيليون عملية غزة وشرعوا في التفكير بطرائق أخرى لتحييد خطر الأنفاق.
وقال قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي الميجور جنرال سامي ترجمان، إن الاختبار الأكبر يتمثل باستتباب الهدوء في قطاع غزة لفترة طويلة من الزمن، قائلا: «يجب منع حماس بكل وسيلة من إعادة حفر الأنفاق حتى إذا اقتضى ذلك الدخول مجددا إلى القطاع لتدمير هذه الأنفاق». ويبدو أن هذه التهديدات، بما فيها طلب إسرائيل إيجاد آلية دولية ضمن أي اتفاق للتأكد من عدم حفر أنفاق جديدة، تلقى بالا عند حماس. وقالت القسام لاحقا إنها تواصل حفر الأنفاق. ونقل عن مسؤول في «وحدة حفر الأنفاق»، أنهم في الوحدة يواصلون عملهم بشكل طبيعي، ولم يتلقوا أي تعليمات جديدة.
ووحدة حفر الأنفاق، هي وحدة مستقلة عن بقية تشكيلات القسام. وقال مسؤول ميداني في الوحدة: «نحن نواصل عملنا وفق الخطة الموضوعة لنا، وقد أنهينا حفر الكثير من الأنفاق أثناء الحرب وسلمنا خرائطها للقيادة». وتقسم أنفاق حماس العسكرية إلى هجومية وأخرى دفاعية. والدفاعية يتحصن بها مقاتلو حماس من أجل مواجهة الإسرائيليين، وتكون عادة داخل حدود القطاع فقط، وقد استخدمها المقاتلون في الشجاعية ورفح وبيت حانون حين فاجأوا جنودا إسرائيليين في هذه المدن، أما الهجومية فتبدأ في غزة وتنتهي في إسرائيل. وأثارت الأنفاق الهجومية رعب السكان في المستوطنات الإسرائيلية. ويصل طول بعض أنفاق حماس الهجومية إلى ثلاثة كيلومترات، وبعمق 25 مترا تحت الأرض بحسب ما كشف عنه الجيش الإسرائيلي.
وتشيد القسام كل نفق بأطنان من الإسمنت حتى لا ينهار، ويكون عادة عريضا إلى حد يسمح بتحرك الأفراد بسهولة وبعضها مجهز بسكك حديدية خفيفة وعربات نقل سريعة وفتحات جانبية. وتقدر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، أن حماس تستثمر نحو 140 مليون دولار في السنة لحفر الأنفاق تحت الأرض، سواء تلك التي تستعمل لتهريب السلاح من جهة سيناء أم لتنفيذ عمليات في الجانب الإسرائيلي. وتعتقد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، أن المسافة العامة للأنفاق تمتد إلى عشرات الكيلومترات. وتجرب إسرائيل الآن «التكنولوجيا» في محاربة الأنفاق. ومنذ أعوام، استخدمت إسرائيل أفضل العلماء لتطوير تقنيات متقدمة تساعدها على ذلك وسط جدل حول نجاعة الأفكار المطروحة.
وتعتزم إسرائيل في وقت قريب تجريب «مجسات» استشعار جديدة لكشف الأنفاق، قبل أن تقرر إذا ما كانت ستبني جدارا إلكترونيا فاصلا في باطن الأرض بين غزة وإسرائيل.
وقال ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي: «إن إسرائيل تعد لإقامة شبكة من أجهزة الاستشعار في مسعى لرصد عملية بناء الأنفاق التي تصل لأراضيها من قطاع غزة، لكن الأمر قد يستغرق شهورا لتحديد أن كانت هذه التكنولوجيا ستحقق النتائج المرجوة».
وقال مسؤول آخر، إنه حتى ذلك الحين فإن الجيش قد يعاود احتلال القطاع الساحلي لتدمير أي أنفاق يكتشفها أو يعتقد أنها قيد البناء في محاولة لتهدئة مخاوف الإسرائيليين الذين يعيشون بالقرب من القطاع. ويأمل الجيش أن تساعد هذه الأجهزة ليس فقط في رصد الأنفاق قيد البناء، ولكن أيضا تلك الموجودة بالفعل. وخلال مؤتمر صحافي قال الضابط الذي طلب عدم نشر اسمه، إن أجهزة الاستشعار ستحاط بحواجز على حدود القطاع البالغ طولها 68 كيلومترا. وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن أحد أكثر الحلول المطروحة إقامة جدار تحت الأرض على عمق عشرات الأمتار، وعلى طول الحدود مع غزة (65 كيلومترا) لاعتراض الأنفاق، إضافة إلى فكرة زرع «مجسات» بدل الجدران.
وبينما كان الجيش الإسرائيلي يعترض على فكرة إقامة جدران قبل الحرب الحالية، لأنها قد لا تكون حاسمة، وستكلف نحو ثمانية مليارات شيقل (نحو ملياري دولار)، عاد يفكر في ذلك من بين أمور أخرى. وقال المحلل الإسرائيلي المتخصص في الشؤون الأمنية، رونين رغمان، إن إسرائيل تتجه لبناء «جدار إلكتروني» تحت الأرض على طول الحدود مع غزة بهدف مواجهة الأنفاق. وأضاف: «سيجري تخصيص ميزانيات لوزارة الدفاع من أجل تمويل إنشاء جدار إلكتروني تحت الأرض على طول الحدود مع غزة.. سيعمل بتكنولوجيا شبيهة بتكنولوجيا التنقيب عن النفط والغاز».
لكن قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، سامي ترجمان، شكك بذلك وقال إن الجيش ليس لديه أي حلول تقنية لأنفاق غزة حتى الآن. وأوضح في تصريحات نقلتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»: «بدأنا عملية الجرف الصامد، ودخلنا أطراف غزة لتدمير الأنفاق، لأنه ليس لدينا حلول، وكل مرة نكتشف نفقا كنا ندخل إليه من أجل تدميره». ومن المقرر أن يقوم الجيش الإسرائيلي قريبا بإجراء تجربة جديدة على جهاز «مجسات» لتحديد وجود أنفاق أو لا. وعملت إسرائيل على تطوير هذه التكنولوجيا منذ عام ونصف العام، وأجرت تجارب عليها في المناطق التي تحوي أنفاقا لمياه الصرف الصحي في تل أبيب.
وقال ضابط في الجيش الإسرائيلي، إن الجهاز يعمل بواسطة مجموعة «مجسات» قادرة على التقاط عمليات الحفر تحت الأرض، أو تحديد وجود فراغات في باطن الأرض.
وبحسبه، فإن تكلفة الجهاز تتراوح بين مليار ونصف المليار وملياري شيقل، وإدخال الجهاز إلى العمل، في حال نجحت التجربة، سيستغرق نحو عام، منذ لحظة اتخاذ القرار.
وأصاب هوس الأنفاق المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي تعتقد بوجود أنفاق شبيهة في الشمال، عن طريق «حزب الله». وقال قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي يائير جولان: «الجيش يستعد للتعامل مع سيناريو وجود أنفاق في الجبهة الشمالية من جهة لبنان، رغم عدم وجود تهديد استراتيجي لهذه الأنفاق حتى الآن».
وأضاف: «لا توجد أي معلومات لدى الجيش الإسرائيلي عن وجود أنفاق من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل، لكن الجيش يستعد للتعامل مع هذا السيناريو». ورد العقيد احتياط آتي شيلاش بتأكيده أن «حزب الله» يمتلك أنفاقا تعبر الحدود إلى الشمال، وقال: «من يعتقد أن تهديد الأنفاق غير موجود في الشمال فهو لا يعيش في منطقة الشرق الأوسط». وأكد شيلاش أن خطر الأنفاق في بداية طريقه، معربا عن ثقته في تطوير تكنولوجيا جديدة يمكنها التعامل مع خطر الأنفاق في المرحلة المقبلة. وتابع: «لم أتفاجأ من أنفاق حماس في قطاع غزة، ولكن اندهشت من مستوى التطور التشغيلي لها». ولا يتوقف امتلاك حماس للأنفاق على العسكرية فقط، بل تملك الحركة أنفاقا أخرى لأغراض تهريب أسلحة وأموال واحتياجات القسام الأخرى، وهذه تبدأ من غزة وتنتهي عند الجانب المصري.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟