مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

توتر وتهديد طبعا التحضيرات لرئاسية 18 أبريل 2019

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة
TT

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

يتوقع مراقبون لانتخابات الرئاسة التي ستجري بالجزائر في 18 أبريل (نيسان) المقبل، انحصار المواجهة بين مرشحين: الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي لم يعلن رغبته تمديد حكمه... مع أن الأمر بات شبه مؤكد. واللواء المتقاعد علي غديري الذي يلقى عداءً شديداً من طرف الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش و«الرجل القوي» في النظام... الذي يبدي ولاءً شديداً للرئيس بوتفليقة ويريده أن يبقى في الحكم.
آخر فصل في المواجهة بين الرجلين أن صالح، الضابط العسكري الكبير في الرتبة والسن (يقترب من الثمانين)، منع غديري الضابط المتقاعد منذ ثلاث سنوات، من حضور جنازة الوزير المنتدب للدفاع، اللواء عبد المالك قنايزية الذي ووري التراب الأربعاء الماضي. إذ أغلقت سيارات تابعة لجهاز الأمن الطرق التي تربط «الإقامة الانتخابية» لغديري بالمقبرة؛ حيث جرى تشييع العسكري الراحل. وأبلغ رجل أمن غديري صراحة أن «السلطات العسكرية العليا في البلاد لا ترغب في رؤيتك بالمقبرة». وكان رجل الأمن، في الحقيقة، حاملاً لرسالة من قايد صالح مفادها أنه لا يريد أن يجمع بينه وبين غديري مكان واحد، والسبب أن الأخير «تجرأ وأعلن أنه سيترشح للرئاسة، بينما النظام وقلبه النابض الجيش، لم يختاراه لهذا المنصب». هذه هي الرسالة التي فهمتها الطبقة السياسية ووسائل الإعلام، من خلال منع غديري من حضور جنازة قنايزية.
يتساءل المتسائلون حول مآل انتخابات الرئاسية في الجزائر عن ذلك الرجل الذي يثير كل هذا الخوف في رجال النظام...
هل يمكن أن ينافس اللواء المتقاعد علي غديري، حقاً، مرشح النظام في انتخابات يعلم الجميع أن نتائجها محسومة سلفا لمن ينال رضى المؤسسة العسكرية؟
وهل تدعم أي جهة في السلطة اللواء المتقاعد الذي كان مدير الموارد البشرية بوزارة الدفاع سابقاً؟
محمد أرزقي فرّاد كاتب وناشط سياسي، يقرأ هذه الشخصية المثيرة للجدل، فيقول: «بعد حصول علي غديري على التقاعد عام 2015م، شرع في الكتابة لإبراز أفكاره السياسية الجريئة الساعية إلى التغيير، وأشار فيها إلى معارضته للعهدة الخامسة للرئيس الحالي، كما نبّه قائد أركان الجيش بلباقة إلى مسؤوليته أمام التاريخ في حالة قبوله بتمديد العهدة الرئاسية الحالية أو تزكية عهدة خامسة. وأمام إصراره على الترشح، بدا للرأي العام وكأنه يزحف إلى الساحة السياسية عن طريق (المرور بالقوة)، كما يقال بلغة الرياضة».

بصمات المخابرات القديمة في الرئاسية
ويرى فرّاد، وهو برلماني سابق، أن «ما يثير الحيرة في تصريحات المترشح علي غديري وتصرفاته أنه، رغم ما سببه من قلق لمسؤول المؤسسة العسكرية، فإن هذا الأخير قد اكتفى بتنبيهه بما يحفظ له ماء الوجه فقط!! ولذا كثرت علامات الاستفهام حول الجهة التي تحميه؟ وهل يعتبر غديري واجهة للمخابرات السابقة (تحديداً، محمد مدين، مدير المخابرات المعزول عام 2015) التي لا تزال تتمتع بالقدرة على المناورة؟ وهل يستفيد من دعم قوى خارجية؟
هل يسير وفق خريطة طريق مرسومة في جهة ما؟ وما هي الجهة التي تموّل حملته الانتخابية؟ وهل يمكن حصرها في رجل أعمال معروف؟
هل يندرج ترشحه ضمن صراع العُصب النافذة في النظام السياسي الجزائري؟ وهل يترشح غديري للفوز بمنصب الرئيس... أم أن هدفه التموضع تأهباً للاستحقاقات القادمة؟ إنها أسئلة كثيرة ومهمة... لكن الإجابة عنها عصيّة حتى الآن».
وأضاف فرّاد: «بالنسبة للرأي العام، فقد انقسم بين معجب بهذه الشخصية التي يراها البعض هبة من الله لإنقاذ الجزائر، وبين رافض لها على أساس أن الحلّ لا يمكن أن يأتي من أحد أبناء المؤسسة العسكرية، التي كانت هي السّبب في إحداث أزمة سياسية حادة حول الحكم، غداة استرجاع الاستقلال. ذلك أن الرافضين لترشح غديري يعتبرون أن ترشّحه يندرج ضمن صراع العُصب على السلطة وليس إلاّ. أيضاً هؤلاء يستذكرون مسؤوليته في دعم نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، باعتباره رقما بارزا في الفريق النافذ سابقاً، ويشكّون كذلك في قدرته على إحداث القطيعة التامة مع النظام الحالي المدعّم من الخارج». ثم تابع: «... أمّا المعجبون بترشح علي غديري، فهم لا يرون غضاضة في أن يترشح ضابط سابق لمنصب رئيس الدولة، فهو مواطن قبل كلّ شيء. أضف إلى ذلك أنه يتمتع بثقافة الدولة والوطنية الصادقة والكفاءة العالية والشخصية القويّة. ثم إنه ليس من الإنصاف تصنيف كل المنتمين إلى المؤسسة العسكرية في خانة المستبدين. بل وأكثر من ذلك فإن المعجبين المؤيدين يرون أن المؤسسة العسكرية تُعَدّ في طليعة المؤسسات العمومية التي تضمن تكويناً علمياً ومهنياً راقياً، مع تحصين المنتسبين إليها بالوطنية الصادقة. وفضلا عن ذلك فهناك بعض الشخصيات السياسية ذات الوزن الثقيل، تؤمن بدور العسكر في صناعة الحل للأزمة السياسية الحادة، ما دامت الطبقة السياسية الحالية ضعيفة وعاجزة عن تحقيق ذلك بمفردها. هذا ولم يتوان بعض أنصاره عن إضفاء صفة (بوتين الجزائر) عليه، كناية عن قوة شخصيته».
ومن ثم، يعتقد فرّاد أن «ظهور غديري فتح نقاشاً سياسيا قد يطول. وفي الحقيقة فإن ما يُهِمّ المواطن، هو إحداث نقلة سياسية نوعية تعيد الاعتبار للسيادة الشعبية في اختيار المسيّرين للشؤون العامة، وفق القواعد الديمقراطية المعروفة، ولا تهم صفة الجهة التي يتحقق على يدها هذا المكسب، مدنيّة كانت أو عسكريّة. وصدق سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وكرّم وجهه) حين قال: لا تنظر إلى مَنْ قال، بل انظر إلى ما قال».

بين «كاريزما» الجنرال وحرية السياسي
في السياق نفسه، يقول الكاتب ذو التوجه الإسلامي، الأخضر رابحي، إنه تابع إطلالات غديري في الإعلام، وآخرها كان في مقابلة بالفيديو بثتها صحيفة إلكترونية، وقد انتهيت إلى الملاحظات التالية:
- الرجل متحفظ جداً حتى في أسئلة الشؤون الاجتماعية وقضايا الفساد، بل أكاد أجزم أنّ التحفظ غلب عليه وظهرت شخصيته العسكرية التي غطّت على الشخصية السياسية.
- لا يتحكّم جيداً في لغة الحوار والتواصل، ومرتبك جداً... يبدو عليه الخوف والاضطراب في لحن القول وفي ملامحه.
- لا يتحكّم في أي ملف لا اقتصادي ولا ثقافي ولا سياسي، وعباراته كلها تقليدية ذات صبغة عمومية مثل «نهيكل المؤسسات» و«نصلح المؤسسات».
- لا يتمتع بـ«كاريزما» الجنرال ولا حرية السياسي، بل هو ضائع بينهما... وتغلب عليه صفة الإداري التابع الذي يكثر من الإحالات على غرار «اسأله هو» و«اسألهم هم».
- لا يملك المصطلحات الكفيلة بالإجابة عن كل سؤال، بل هو كثير التأجيل يكثر من قول «سنرى» و«سننظر» و«سأجيبك أثناء الحملة».
- ظهر «رماديا»... حاول كسب الجميع وتحاشى استعداء أي أحد بما فيها بوتفليقة وعائلته.
وأضاف رابحي، وهو متتبع حذق للأحداث السياسية: «سجّلت ملاحظات... وعليه يمكن أن أقول ومن خلال متابعتي له، إنه لم يظهر بشخصية السياسي ولا بشخصية العسكري وضاع بينهما، ولم يظهر بمظهر الرئيس الواثق من نفسه ويما يقوله. ربما هي الحمولة الآيديولوجية التي سوّق بها وهي ما أعطته الزخم. وفي تقديري سينطفئ وهجه سريعاً، لأنه شخصية مأمورة أو قل متضخمة فقط، تفتقر لـ(كاريزما) السياسي المتحرر، مع احترامي له».

ماذا عن بوتفليقة؟
وفي الجهة المقابلة، يظهر الترقب كبيرا حيال موقف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فهل «سيفعلها» ويعلن رغبته في تمديد حكمه، وهو الذي أمضى 5 سنوات كاملة هي طول مدة الولاية الرابعة، عاجزاً عن الكلام وعن الحركة؟ هذا السؤال يتداوله قطاع واسع من الجزائريين، كما يتساءلون عمّا إذا كان هو مَن سيختار خليفته في حال عزف عن الترشح للرئاسة.
المعروف أن أربعة أحزاب، تسمى «أحزاب التحالف الرئاسي»، ناشدت الرئيس تمديد حكمه، على رأسها «جبهة التحرير الوطني»، التي هي بيته السياسي منذ أيام ثورة التحرير (1954 - 1962). ولقد استعدت آلاف الجمعيات والتنظيمات، التي تعيش من المال العام، لحملة إشهار كبيرة لصالحه، بمجرد أن يعلن ترشحه. والشائع حالياً أن ذلك سيكون «في غضون أيام»، بمناسبة تدشين «الجامع الكبير»، والمطار الدولي الجديد، وهما مشروعان كبيران مُصنّفان ضمن «إنجازات الولاية الرابعة».

«بذور ثورية»
وليد عبد الحي (فلسطيني)، متخصّص في القضايا الدولية، وأستاذ درّس العلوم السياسية بجامعة الجزائر في تسعينات القرن الماضي، كتب عن الظروف التي تحيط بالانتخابات، من موقع الخبير في شؤون الجزائر. ومما يقوله: «تشكل إعادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مماحكة لتاريخ وثقافة المجتمع الجزائري، فهذا المجتمع كنت قد عايشته، بل وأنجزت بحثاً مرهقاً عنه وتحاورت مع نخبته السياسية (من رؤساء أو رؤساء حكومات) ونخبته العسكرية (في أكاديمية شرشال وقادة مختلف الأسلحة) ونخبته الفكرية (لا سيما في المؤسسات العلمية) ونخبته الدينية (بخاصة من «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي كتبتُ الكثير من المقالات لصحيفتها «العقيدة») ولحركة حماس (زمن المرحوم محفوظ نحناح)، ناهيك من قيادات في جبهة التحرير وفي الصحف الرسمية وغير الرسمية والصحف المختلفة. هذه الخلفية، تجعلني أؤكد على الملامح التالية في المجتمع والثقافة الجزائرية والتي يبدو أن جبهة التحرير تماحكها».
ويشرح عبد الحي ما رمى إليه بالقول إنه في المجتمع الجزائري «بذور ثورية يمكن تلمّسها في ثقافة كراهية ما يسميه المجتمع الجزائري بلهجته (الحُقْرة)، والمتمثلة في التعالي على الآخرين. وتشبّث جبهة التحرير برجل مقعد ومريض - مع كل الاحترام لتاريخه السياسي - هو شكل من (الحقرة) للنخب الجديدة التي أفرزتها مرحلة ما بعد الاستقلال الذي مضى عليه نحو ستة عقود. وهو ما يعني أن الفارق بين معدل جمهور ما بعد الاستقلال وعمر الرئيس المُعاد ترشيحه وهو 82 سنة كبير للغاية، فهل يعقل أن 60 سنة من جيل ما بعد الاستقلال بكل ما يعنيه من تحوّلات اجتماعية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي لم يفرز من هو مؤهّل لشغل المنصب؟ وأجزم، استناداً لمعرفتي بأن في الجزائر عقولاً وقدراتٍ علمية ذات مستوى عالمي... قادرة على إدارة الدولة بما يتناسب مع التطور العالمي، لكنها نخب (محقورة) بفعل منظومة القيود التي صنعها جيل الثورة».
وأردف عبد الحي: «موقع الجزائر في التصنيفات الدولية، خلال السنوات العشر الماضية، لا يشير إلى أنها تسير نحو الأفضل لكي يجري تبرير تشبث نخبة جبهة التحرير بالسلطة. ودعوني ألق نظرة على هذا الترتيب للجزائر عالمياً (استنادا لمقاييس دولية متعددة وحساب المعدل العام لتقييماتها):
- مؤشر الديمقراطية: ترتيب الجزائر هو 126 بين 167 دولة، وحصيلتها هي 3.5 من عشرة وتقع ضمن الدول السلطوية.
- مؤشر الفساد: تحتل الجزائر المرتبة 105 من بين 180 دولة وبمعدل نزاهة هو 35 من مائة.
- مؤشر الاستقرار السياسي: تحتل المرتبة 104 في معدل الاستقرار الحكومي بين 178 دولة وبمعدل 63.16 من مائة (وتشمل المؤشرات الفرعية لهذا المقياس 12 مؤشرا هي تدخل الأجهزة الأمنية، وحراك النخب الفئوية، وتظلمات الفئات الاجتماعية، والتراجع الاقتصادي، واللاتساوي في توزيع الثروة بين الأقاليم الجغرافية للدولة، ونقص مراعاة حقوق الإنسان وهجرة الأدمغة، ومدى شرعية السلطة، ومستوى الخدمات العامة، ومدى العدالة في تطبيق القانون، والضغوط السكانية، والهجرات الأجنبية نحو الدولة والضغط السكاني، وحجم التدخل الخارجي في سلوك الدولة).
- مؤشر العسكرة (militarization) ونفقات التسلح: تحتل الجزائر في مستوى العسكرة (وهو معدل الأنفاق العسكري قياساً لإجمالي الناتج المحلي وعدد الجيش قياساً لعدد السكان ومقارنة النفقات الصحية بالنفقات العسكرية) المرتبة 14 في العالم بمعدل 74.3 من مائة، وفي الإنفاق العسكري قياسا لمعدل الناتج المحلي تحتل الجزائر المرتبة الخامسة عالمياً بمعدل 5.7 من مائة، وهو ما يشكل 16.1 من مائة من إجمالي نفقات الحكومة ما يضعها في المرتبة الثامنة عالمياً في نسبة الأنفاق العسكري من مختلف نفقات الحكومة الأخرى (الصحة والتعليم والبنية التحتية...الخ).
- في مؤشر مستوى التعليم تحتل الجزائر المرتبة 102 بين 149 دولة (ويجري قياسه من خلال نوعية التعليم، والقدرة على الالتحاق المدرسي، وحجم رأس المال البشري)
ثم استدرك موضحاً: «ما سبق لا ينفي بعض المؤشرات الإيجابية، مثل الفروق في الدخل وحجم الطبقة الوسطى، والذي تحقق فيه الجزائر موقعاً لا باس به، طبقا لمؤشرات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة دون المبالغة في دلالاته وتداعياته السياسية والاقتصادية. وأغلب ما اطلعت عليه من دراسات غربية وعربية وآسيوية، يشير إلى أن إعادة ترشيح بوتفليقة في ظروفه الصحية الحالية، وفي ظل عمره (يزيد على معدل عمر الرجال في الجزائر بنحو 9 سنوات) قد ترك انطباعا سيئا عن بنية السلطة، وعن حيوية النخب السياسية الجزائرية».
وخلص عبد الحي إلى القول: «يبدو أن الثورات تفقد خصوبتها بعد المولود الأول لها، وعليه تبقى مصرة على رعايته دون غيره... الجزائر دولة لها بريقها في الوعي الجمعي العربي والأفريقي بل والعالم الثالث كله، فلماذا تصرّ بعض نخبها التاريخية على حرمانها من تجديد دورها التاريخي عبر نخب جديدة؟ هل هي ثقافة مماحكة التاريخ؟ أم بريق الكرسي؟ أم مصالح الدولة العميقة؟ أم المساندة الخارجية الكاملة؟.. أم كلها معا.. ربما».

عبد الرزاق مقري.. يطرح نفسه مرشحاً لـ«التوافق الوطني»
- في سياق المواجهة الجارية، بين اللواء المتقاعد علي غديري وأنصاره والفريق الذي يدعم الرئيس بوتفليقة، يتنقل عبد الرزاق مقري رئيس «حركة مجتمع السلم» («حمس» حالياً، وحماس سابقا) الإسلامية، بين الولايات ليشرح رؤيته لحل أزمات البلاد.
ولقد بدأ بالفعل في جمع التواقيع (60 ألفا) الخاصة بالترشح مبديا عزما على الفوز. وقال بهذا مقري الخصوص: «إن أمر الوطن جد وليس بالهزل. إنه وديعة الشهداء والمجاهدين. إنه وطن واحد ليس لنا غيره.. صلاحه صلاحنا وسلامته سلامتنا. هو أمانة بين أيدينا. قد يُعذر في التفريط فيه بسطاء أهله ممن لا يعرفون الأمور على حقيقتها، ولكن لا يعذر أبدا خلّصه ونخبه وقادته الذين يعرفون الحقائق ومآلات الأوضاع».
ويقول مقري إن الجزائر «تملك من الخيرات ما يجعلها بلداً مزدهراً ومتطوراً قوياً بين الأمم ومع ذلك لم تتطور. السبب ليس بالبرامج والأفكار التي هي متوافرة وموجودة بكثرة، أو تجارب نجاحات الدول التي كانت في مستوانا قبل سنوات مكتوبة ومرصودة وموثقة في متناول الجميع، إنما الأمر يتعلق بعدم الرشد في الحكم، وقلة كفاءة المسؤولين، وغياب إرادة الإصلاح وسيطرة الفساد وهيمنة المصالح الخارجية على حساب المصلحة الوطنية».
ويصف مقري نفسه بـ«مرشح التوافق الوطني... فإذا انتخبني الشعب لرئاسة الجمهورية، فسيكون أول مشروع لي التوافق الوطني وجمع الجزائريين، والطبقة السياسية حول رؤية سياسية واقتصادية تخرج البلد من الأزمة».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.