مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

توتر وتهديد طبعا التحضيرات لرئاسية 18 أبريل 2019

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة
TT

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

مواجهة مفتوحة بين «بوتين الجزائر» والجنرال حليف بوتفليقة

يتوقع مراقبون لانتخابات الرئاسة التي ستجري بالجزائر في 18 أبريل (نيسان) المقبل، انحصار المواجهة بين مرشحين: الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي لم يعلن رغبته تمديد حكمه... مع أن الأمر بات شبه مؤكد. واللواء المتقاعد علي غديري الذي يلقى عداءً شديداً من طرف الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش و«الرجل القوي» في النظام... الذي يبدي ولاءً شديداً للرئيس بوتفليقة ويريده أن يبقى في الحكم.
آخر فصل في المواجهة بين الرجلين أن صالح، الضابط العسكري الكبير في الرتبة والسن (يقترب من الثمانين)، منع غديري الضابط المتقاعد منذ ثلاث سنوات، من حضور جنازة الوزير المنتدب للدفاع، اللواء عبد المالك قنايزية الذي ووري التراب الأربعاء الماضي. إذ أغلقت سيارات تابعة لجهاز الأمن الطرق التي تربط «الإقامة الانتخابية» لغديري بالمقبرة؛ حيث جرى تشييع العسكري الراحل. وأبلغ رجل أمن غديري صراحة أن «السلطات العسكرية العليا في البلاد لا ترغب في رؤيتك بالمقبرة». وكان رجل الأمن، في الحقيقة، حاملاً لرسالة من قايد صالح مفادها أنه لا يريد أن يجمع بينه وبين غديري مكان واحد، والسبب أن الأخير «تجرأ وأعلن أنه سيترشح للرئاسة، بينما النظام وقلبه النابض الجيش، لم يختاراه لهذا المنصب». هذه هي الرسالة التي فهمتها الطبقة السياسية ووسائل الإعلام، من خلال منع غديري من حضور جنازة قنايزية.
يتساءل المتسائلون حول مآل انتخابات الرئاسية في الجزائر عن ذلك الرجل الذي يثير كل هذا الخوف في رجال النظام...
هل يمكن أن ينافس اللواء المتقاعد علي غديري، حقاً، مرشح النظام في انتخابات يعلم الجميع أن نتائجها محسومة سلفا لمن ينال رضى المؤسسة العسكرية؟
وهل تدعم أي جهة في السلطة اللواء المتقاعد الذي كان مدير الموارد البشرية بوزارة الدفاع سابقاً؟
محمد أرزقي فرّاد كاتب وناشط سياسي، يقرأ هذه الشخصية المثيرة للجدل، فيقول: «بعد حصول علي غديري على التقاعد عام 2015م، شرع في الكتابة لإبراز أفكاره السياسية الجريئة الساعية إلى التغيير، وأشار فيها إلى معارضته للعهدة الخامسة للرئيس الحالي، كما نبّه قائد أركان الجيش بلباقة إلى مسؤوليته أمام التاريخ في حالة قبوله بتمديد العهدة الرئاسية الحالية أو تزكية عهدة خامسة. وأمام إصراره على الترشح، بدا للرأي العام وكأنه يزحف إلى الساحة السياسية عن طريق (المرور بالقوة)، كما يقال بلغة الرياضة».

بصمات المخابرات القديمة في الرئاسية
ويرى فرّاد، وهو برلماني سابق، أن «ما يثير الحيرة في تصريحات المترشح علي غديري وتصرفاته أنه، رغم ما سببه من قلق لمسؤول المؤسسة العسكرية، فإن هذا الأخير قد اكتفى بتنبيهه بما يحفظ له ماء الوجه فقط!! ولذا كثرت علامات الاستفهام حول الجهة التي تحميه؟ وهل يعتبر غديري واجهة للمخابرات السابقة (تحديداً، محمد مدين، مدير المخابرات المعزول عام 2015) التي لا تزال تتمتع بالقدرة على المناورة؟ وهل يستفيد من دعم قوى خارجية؟
هل يسير وفق خريطة طريق مرسومة في جهة ما؟ وما هي الجهة التي تموّل حملته الانتخابية؟ وهل يمكن حصرها في رجل أعمال معروف؟
هل يندرج ترشحه ضمن صراع العُصب النافذة في النظام السياسي الجزائري؟ وهل يترشح غديري للفوز بمنصب الرئيس... أم أن هدفه التموضع تأهباً للاستحقاقات القادمة؟ إنها أسئلة كثيرة ومهمة... لكن الإجابة عنها عصيّة حتى الآن».
وأضاف فرّاد: «بالنسبة للرأي العام، فقد انقسم بين معجب بهذه الشخصية التي يراها البعض هبة من الله لإنقاذ الجزائر، وبين رافض لها على أساس أن الحلّ لا يمكن أن يأتي من أحد أبناء المؤسسة العسكرية، التي كانت هي السّبب في إحداث أزمة سياسية حادة حول الحكم، غداة استرجاع الاستقلال. ذلك أن الرافضين لترشح غديري يعتبرون أن ترشّحه يندرج ضمن صراع العُصب على السلطة وليس إلاّ. أيضاً هؤلاء يستذكرون مسؤوليته في دعم نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، باعتباره رقما بارزا في الفريق النافذ سابقاً، ويشكّون كذلك في قدرته على إحداث القطيعة التامة مع النظام الحالي المدعّم من الخارج». ثم تابع: «... أمّا المعجبون بترشح علي غديري، فهم لا يرون غضاضة في أن يترشح ضابط سابق لمنصب رئيس الدولة، فهو مواطن قبل كلّ شيء. أضف إلى ذلك أنه يتمتع بثقافة الدولة والوطنية الصادقة والكفاءة العالية والشخصية القويّة. ثم إنه ليس من الإنصاف تصنيف كل المنتمين إلى المؤسسة العسكرية في خانة المستبدين. بل وأكثر من ذلك فإن المعجبين المؤيدين يرون أن المؤسسة العسكرية تُعَدّ في طليعة المؤسسات العمومية التي تضمن تكويناً علمياً ومهنياً راقياً، مع تحصين المنتسبين إليها بالوطنية الصادقة. وفضلا عن ذلك فهناك بعض الشخصيات السياسية ذات الوزن الثقيل، تؤمن بدور العسكر في صناعة الحل للأزمة السياسية الحادة، ما دامت الطبقة السياسية الحالية ضعيفة وعاجزة عن تحقيق ذلك بمفردها. هذا ولم يتوان بعض أنصاره عن إضفاء صفة (بوتين الجزائر) عليه، كناية عن قوة شخصيته».
ومن ثم، يعتقد فرّاد أن «ظهور غديري فتح نقاشاً سياسيا قد يطول. وفي الحقيقة فإن ما يُهِمّ المواطن، هو إحداث نقلة سياسية نوعية تعيد الاعتبار للسيادة الشعبية في اختيار المسيّرين للشؤون العامة، وفق القواعد الديمقراطية المعروفة، ولا تهم صفة الجهة التي يتحقق على يدها هذا المكسب، مدنيّة كانت أو عسكريّة. وصدق سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وكرّم وجهه) حين قال: لا تنظر إلى مَنْ قال، بل انظر إلى ما قال».

بين «كاريزما» الجنرال وحرية السياسي
في السياق نفسه، يقول الكاتب ذو التوجه الإسلامي، الأخضر رابحي، إنه تابع إطلالات غديري في الإعلام، وآخرها كان في مقابلة بالفيديو بثتها صحيفة إلكترونية، وقد انتهيت إلى الملاحظات التالية:
- الرجل متحفظ جداً حتى في أسئلة الشؤون الاجتماعية وقضايا الفساد، بل أكاد أجزم أنّ التحفظ غلب عليه وظهرت شخصيته العسكرية التي غطّت على الشخصية السياسية.
- لا يتحكّم جيداً في لغة الحوار والتواصل، ومرتبك جداً... يبدو عليه الخوف والاضطراب في لحن القول وفي ملامحه.
- لا يتحكّم في أي ملف لا اقتصادي ولا ثقافي ولا سياسي، وعباراته كلها تقليدية ذات صبغة عمومية مثل «نهيكل المؤسسات» و«نصلح المؤسسات».
- لا يتمتع بـ«كاريزما» الجنرال ولا حرية السياسي، بل هو ضائع بينهما... وتغلب عليه صفة الإداري التابع الذي يكثر من الإحالات على غرار «اسأله هو» و«اسألهم هم».
- لا يملك المصطلحات الكفيلة بالإجابة عن كل سؤال، بل هو كثير التأجيل يكثر من قول «سنرى» و«سننظر» و«سأجيبك أثناء الحملة».
- ظهر «رماديا»... حاول كسب الجميع وتحاشى استعداء أي أحد بما فيها بوتفليقة وعائلته.
وأضاف رابحي، وهو متتبع حذق للأحداث السياسية: «سجّلت ملاحظات... وعليه يمكن أن أقول ومن خلال متابعتي له، إنه لم يظهر بشخصية السياسي ولا بشخصية العسكري وضاع بينهما، ولم يظهر بمظهر الرئيس الواثق من نفسه ويما يقوله. ربما هي الحمولة الآيديولوجية التي سوّق بها وهي ما أعطته الزخم. وفي تقديري سينطفئ وهجه سريعاً، لأنه شخصية مأمورة أو قل متضخمة فقط، تفتقر لـ(كاريزما) السياسي المتحرر، مع احترامي له».

ماذا عن بوتفليقة؟
وفي الجهة المقابلة، يظهر الترقب كبيرا حيال موقف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فهل «سيفعلها» ويعلن رغبته في تمديد حكمه، وهو الذي أمضى 5 سنوات كاملة هي طول مدة الولاية الرابعة، عاجزاً عن الكلام وعن الحركة؟ هذا السؤال يتداوله قطاع واسع من الجزائريين، كما يتساءلون عمّا إذا كان هو مَن سيختار خليفته في حال عزف عن الترشح للرئاسة.
المعروف أن أربعة أحزاب، تسمى «أحزاب التحالف الرئاسي»، ناشدت الرئيس تمديد حكمه، على رأسها «جبهة التحرير الوطني»، التي هي بيته السياسي منذ أيام ثورة التحرير (1954 - 1962). ولقد استعدت آلاف الجمعيات والتنظيمات، التي تعيش من المال العام، لحملة إشهار كبيرة لصالحه، بمجرد أن يعلن ترشحه. والشائع حالياً أن ذلك سيكون «في غضون أيام»، بمناسبة تدشين «الجامع الكبير»، والمطار الدولي الجديد، وهما مشروعان كبيران مُصنّفان ضمن «إنجازات الولاية الرابعة».

«بذور ثورية»
وليد عبد الحي (فلسطيني)، متخصّص في القضايا الدولية، وأستاذ درّس العلوم السياسية بجامعة الجزائر في تسعينات القرن الماضي، كتب عن الظروف التي تحيط بالانتخابات، من موقع الخبير في شؤون الجزائر. ومما يقوله: «تشكل إعادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مماحكة لتاريخ وثقافة المجتمع الجزائري، فهذا المجتمع كنت قد عايشته، بل وأنجزت بحثاً مرهقاً عنه وتحاورت مع نخبته السياسية (من رؤساء أو رؤساء حكومات) ونخبته العسكرية (في أكاديمية شرشال وقادة مختلف الأسلحة) ونخبته الفكرية (لا سيما في المؤسسات العلمية) ونخبته الدينية (بخاصة من «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» التي كتبتُ الكثير من المقالات لصحيفتها «العقيدة») ولحركة حماس (زمن المرحوم محفوظ نحناح)، ناهيك من قيادات في جبهة التحرير وفي الصحف الرسمية وغير الرسمية والصحف المختلفة. هذه الخلفية، تجعلني أؤكد على الملامح التالية في المجتمع والثقافة الجزائرية والتي يبدو أن جبهة التحرير تماحكها».
ويشرح عبد الحي ما رمى إليه بالقول إنه في المجتمع الجزائري «بذور ثورية يمكن تلمّسها في ثقافة كراهية ما يسميه المجتمع الجزائري بلهجته (الحُقْرة)، والمتمثلة في التعالي على الآخرين. وتشبّث جبهة التحرير برجل مقعد ومريض - مع كل الاحترام لتاريخه السياسي - هو شكل من (الحقرة) للنخب الجديدة التي أفرزتها مرحلة ما بعد الاستقلال الذي مضى عليه نحو ستة عقود. وهو ما يعني أن الفارق بين معدل جمهور ما بعد الاستقلال وعمر الرئيس المُعاد ترشيحه وهو 82 سنة كبير للغاية، فهل يعقل أن 60 سنة من جيل ما بعد الاستقلال بكل ما يعنيه من تحوّلات اجتماعية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي لم يفرز من هو مؤهّل لشغل المنصب؟ وأجزم، استناداً لمعرفتي بأن في الجزائر عقولاً وقدراتٍ علمية ذات مستوى عالمي... قادرة على إدارة الدولة بما يتناسب مع التطور العالمي، لكنها نخب (محقورة) بفعل منظومة القيود التي صنعها جيل الثورة».
وأردف عبد الحي: «موقع الجزائر في التصنيفات الدولية، خلال السنوات العشر الماضية، لا يشير إلى أنها تسير نحو الأفضل لكي يجري تبرير تشبث نخبة جبهة التحرير بالسلطة. ودعوني ألق نظرة على هذا الترتيب للجزائر عالمياً (استنادا لمقاييس دولية متعددة وحساب المعدل العام لتقييماتها):
- مؤشر الديمقراطية: ترتيب الجزائر هو 126 بين 167 دولة، وحصيلتها هي 3.5 من عشرة وتقع ضمن الدول السلطوية.
- مؤشر الفساد: تحتل الجزائر المرتبة 105 من بين 180 دولة وبمعدل نزاهة هو 35 من مائة.
- مؤشر الاستقرار السياسي: تحتل المرتبة 104 في معدل الاستقرار الحكومي بين 178 دولة وبمعدل 63.16 من مائة (وتشمل المؤشرات الفرعية لهذا المقياس 12 مؤشرا هي تدخل الأجهزة الأمنية، وحراك النخب الفئوية، وتظلمات الفئات الاجتماعية، والتراجع الاقتصادي، واللاتساوي في توزيع الثروة بين الأقاليم الجغرافية للدولة، ونقص مراعاة حقوق الإنسان وهجرة الأدمغة، ومدى شرعية السلطة، ومستوى الخدمات العامة، ومدى العدالة في تطبيق القانون، والضغوط السكانية، والهجرات الأجنبية نحو الدولة والضغط السكاني، وحجم التدخل الخارجي في سلوك الدولة).
- مؤشر العسكرة (militarization) ونفقات التسلح: تحتل الجزائر في مستوى العسكرة (وهو معدل الأنفاق العسكري قياساً لإجمالي الناتج المحلي وعدد الجيش قياساً لعدد السكان ومقارنة النفقات الصحية بالنفقات العسكرية) المرتبة 14 في العالم بمعدل 74.3 من مائة، وفي الإنفاق العسكري قياسا لمعدل الناتج المحلي تحتل الجزائر المرتبة الخامسة عالمياً بمعدل 5.7 من مائة، وهو ما يشكل 16.1 من مائة من إجمالي نفقات الحكومة ما يضعها في المرتبة الثامنة عالمياً في نسبة الأنفاق العسكري من مختلف نفقات الحكومة الأخرى (الصحة والتعليم والبنية التحتية...الخ).
- في مؤشر مستوى التعليم تحتل الجزائر المرتبة 102 بين 149 دولة (ويجري قياسه من خلال نوعية التعليم، والقدرة على الالتحاق المدرسي، وحجم رأس المال البشري)
ثم استدرك موضحاً: «ما سبق لا ينفي بعض المؤشرات الإيجابية، مثل الفروق في الدخل وحجم الطبقة الوسطى، والذي تحقق فيه الجزائر موقعاً لا باس به، طبقا لمؤشرات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة دون المبالغة في دلالاته وتداعياته السياسية والاقتصادية. وأغلب ما اطلعت عليه من دراسات غربية وعربية وآسيوية، يشير إلى أن إعادة ترشيح بوتفليقة في ظروفه الصحية الحالية، وفي ظل عمره (يزيد على معدل عمر الرجال في الجزائر بنحو 9 سنوات) قد ترك انطباعا سيئا عن بنية السلطة، وعن حيوية النخب السياسية الجزائرية».
وخلص عبد الحي إلى القول: «يبدو أن الثورات تفقد خصوبتها بعد المولود الأول لها، وعليه تبقى مصرة على رعايته دون غيره... الجزائر دولة لها بريقها في الوعي الجمعي العربي والأفريقي بل والعالم الثالث كله، فلماذا تصرّ بعض نخبها التاريخية على حرمانها من تجديد دورها التاريخي عبر نخب جديدة؟ هل هي ثقافة مماحكة التاريخ؟ أم بريق الكرسي؟ أم مصالح الدولة العميقة؟ أم المساندة الخارجية الكاملة؟.. أم كلها معا.. ربما».

عبد الرزاق مقري.. يطرح نفسه مرشحاً لـ«التوافق الوطني»
- في سياق المواجهة الجارية، بين اللواء المتقاعد علي غديري وأنصاره والفريق الذي يدعم الرئيس بوتفليقة، يتنقل عبد الرزاق مقري رئيس «حركة مجتمع السلم» («حمس» حالياً، وحماس سابقا) الإسلامية، بين الولايات ليشرح رؤيته لحل أزمات البلاد.
ولقد بدأ بالفعل في جمع التواقيع (60 ألفا) الخاصة بالترشح مبديا عزما على الفوز. وقال بهذا مقري الخصوص: «إن أمر الوطن جد وليس بالهزل. إنه وديعة الشهداء والمجاهدين. إنه وطن واحد ليس لنا غيره.. صلاحه صلاحنا وسلامته سلامتنا. هو أمانة بين أيدينا. قد يُعذر في التفريط فيه بسطاء أهله ممن لا يعرفون الأمور على حقيقتها، ولكن لا يعذر أبدا خلّصه ونخبه وقادته الذين يعرفون الحقائق ومآلات الأوضاع».
ويقول مقري إن الجزائر «تملك من الخيرات ما يجعلها بلداً مزدهراً ومتطوراً قوياً بين الأمم ومع ذلك لم تتطور. السبب ليس بالبرامج والأفكار التي هي متوافرة وموجودة بكثرة، أو تجارب نجاحات الدول التي كانت في مستوانا قبل سنوات مكتوبة ومرصودة وموثقة في متناول الجميع، إنما الأمر يتعلق بعدم الرشد في الحكم، وقلة كفاءة المسؤولين، وغياب إرادة الإصلاح وسيطرة الفساد وهيمنة المصالح الخارجية على حساب المصلحة الوطنية».
ويصف مقري نفسه بـ«مرشح التوافق الوطني... فإذا انتخبني الشعب لرئاسة الجمهورية، فسيكون أول مشروع لي التوافق الوطني وجمع الجزائريين، والطبقة السياسية حول رؤية سياسية واقتصادية تخرج البلد من الأزمة».



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.