تزايد الضغوط على كابل بعد جولة موسكو للحوار

الرئيس السابق حامد كرزاي وقيادات من طالبان ظهروا جنبا إلى جنب خلال منتدى موسكو («الشرق الأوسط»)
الرئيس السابق حامد كرزاي وقيادات من طالبان ظهروا جنبا إلى جنب خلال منتدى موسكو («الشرق الأوسط»)
TT

تزايد الضغوط على كابل بعد جولة موسكو للحوار

الرئيس السابق حامد كرزاي وقيادات من طالبان ظهروا جنبا إلى جنب خلال منتدى موسكو («الشرق الأوسط»)
الرئيس السابق حامد كرزاي وقيادات من طالبان ظهروا جنبا إلى جنب خلال منتدى موسكو («الشرق الأوسط»)

بدأ الصراع في أفغانستان يأخذ منحنيات جديدة بعد الانقسام الحاد بين مواقف الحكومة الأفغانية والشخصيات السياسية المشاركة في الحوار مع طالبان في موسكو، فيما بدأ سير المفاوضات الأميركية مع طالبان يواجه المصاعب والعقبات بعد إعلان المسؤولين الأميركيين عدم إعطائهم جدولا لبدء انسحاب قواتهم من أفغانستان كما ذكرته طالبان. وتزامنت هذه التطورات مع تقلبات في الجبهة العسكرية بين قوات طالبان والقوات الحكومية الأفغانية، حيث أعلن الطرفان تحقيق نجاحات في عملية عسكرية قام بها كل طرف.
فقد أعلنت الحكومة الأفغانية إيقاع خسائر وصفتها بالفادحة في قوات طالبان بعد عمليات قام بها الجيش الأفغاني في ولايتي قندهار وزابل جنوب أفغانستان. وحسب مصادر عسكرية فقد أعلن الجيش أن عملياته في الأسبوع الماضي أسفرت عن مقتل 43 من مسلحي طالبان وجرح 22 آخرين. ونقلت وكالة «خاما» عن مصادر عسكرية قولها إن الفيلق 205 قام بعدة عمليات تسانده القوات المحلية في ولايتي زابل وقندهار بناء على معلومات استخباراتية عن قوات طالبان ومخابئ لها في الولايتين. حيث قامت قوات الجيش بهجمات جديدة لتمشيط المناطق المعنية وإعاقة حركة قوات طالبان في الولايتين مما نتج عنها مقتل 43 مسلحا من طالبان وجر اثنين وعشرين آخرين على مدى أسبوع كامل حسب بيان الجيش.
وأضاف بيان الجيش أن الهدف الآخر من العمليات كان فتح الطريق الرئيسية بين ولايتي قندهار وأروزجان الممتدة نحو 75 كيلومترا وأغلقتها طالبان بعملياتها منذ فترة. وحسب بيان الجيش فقد قتل اثنا عشر مسلحا من طالبان في عمليات إعادة فتح الطريق المذكور.
وأعلنت الاستخبارات الأفغانية تمكنها من أسر أحد قادة طالبان الميدانيين ويدعى سيف الجهاد مع ثلاثة من مرافقيه في ولاية لوغر جنوب العاصمة كابل.
وحسب بيان الاستخبارات الأفغانية فإن العملية قامت بها الوحدات الخاصة للاستخبارات الأفغانية. في محيط مدينة بولي علم مركز ولاية لوجر.
وفي نبأ آخر بثته وكالة «خاما» المقربة من الجيش الأفغاني قالت إن ثمانية من مسلحي تنظيم داعش ومقاتلي طالبان على الأقل لقوا مصرعهم في عمليات منفصلة قامت بها القوات الأفغانية وقوات حلف الأطلسي في أفغانستان.
وجاء في النبأ أنه بناء على معلومات عسكرية فإن المسلحين قتلوا في منطقة ميدان وردك وننجرهار وهلمند خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وقال بيان للجيش الأفغاني إن القوات الخاصة التابعة له شنت غارة على دايمرداد في ولاية وردك وقتلت اثنين من قوات طالبان كما دمرت مصنعا للمتفجرات في المكان.
وأضاف البيان أن قوات حلف الأطلسي شنت غارة جوية على منطقة خوكياني في ولاية ننجرهار مما أدى إلى مقتل اثنين من مسحلي تنظيم داعش، كما شنت القوات الخاصة الأفغانية هجوما آخر على موقع ثان في المنطقة أدى إلى مقتل اثنين من مسلحي تنظيم الدولة. وأدى هجوم آخر للقوات الخاصة الأفغانية على منطقة نهر السراج في ولاية هلمند إلى مقتل اثنين من مقاتلي طالبان، حسبما قال بيان الجيش الأفغاني. إلى ذلك نفى المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان زلماي خليل زاد ما قاله أحد مسؤولي طالبان في موسكو إن خليل زاد وعد ببدء سحب نصف القوات الأميركية هذا الشهر من أفغانستان على أن يتم سحب نصف عددها مع نهاية نيسان المقبل.
وقال خليل زاد في تغريدة له على «تويتر»: «في الأيام الأخيرة سمعت أن شخصا من مسؤولي طالبان ادعى وجود جدول زمني لسحب القوات الأميركية من أفغانستان. واليوم أعادوا نشر الادعاء ثانية. ولتوضيح المسألة: لا يوجد أي جدول زمني لسحب القوات الأميركية من أفغانستان».
وكان الناطق باسم القوات الأميركية في أفغانستان المقدم ديفيد باتلر قال إنه لا صحة لادعاء طالبان بوجود انسحاب للقوات الأميركية. وأضاف: «لم نتلق أي أوامر بالانسحاب».
وكان نائب رئيس المكتب السياسي لطالبان مولوي عبد السلام حنفي قال للصحافيين في موسكو إن نصف القوات الأميركية سينسحب حتى نهاية أبريل (نيسان) المقبل. مضيفا أن التأكيد بسحب نصف القوات الأميركية تم إعطاؤه من قبل الجانب الأميركي في المحادثات التي أجراها المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد مع المكتب السياسي لطالبان في الدوحة.
وأعلن رئيس وفد طالبان للمفاوضات مع الشخصيات الأفغانية السياسية في موسكو أن المحادثات مع الحكومة الأفغانية تتطلب فتح مكتب مستقل لطالبان داخل أفغانستان، ونقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية عن محمد عباس ستانكزي رئيس وفد طالبان قوله: «من أجل السلام نرى من الضروري فتح مقر للتفاوض وإجراء الاتصالات في أفغانستان».
ورحب الرئيس الأفغاني بدور بعض القيادات في محادثات موسكو خاصة الرئيس السابق حامد كرزاي وقال الرئيس أشرف غني: «من يشاركوا في محادثات موسكو فهم أفراد مستقلون وعندما يعود كرزاي من موسكو فسنرى ما الذي حققه، أتمنى له الأفضل».
وكانت طالبان رفضت مقترحا من الرئيس الأميركي ترمب حول وجود طويل المدى للقوات الأميركية في أفغانستان لمحاربة ما سماه الإرهاب، وشددت طالبان على موقفها الرافض وجود أي قوات أجنبية في أفغانستان. وفيما طالب الرئيس الأميركي في خطابه أمام الكونغرس الأميركي عن حالة الاتحاد بتسريع المفاوضات حول إنهاء الحرب في أفغانستان، فإن لم يحدد موعدا للبدء والانتهاء من سحب القوات الأميركية من أفغانستان مع أنه حرص على القول إنه يسعى لعودة هذه القوات للديار.
وردا على ذلك أبلغ مسؤول من طالبان وكالة «رويترز» أنه «على كل القوات الأجنبية أن ترحل من أفغانستان. وأضاف سهيل شاهين عضو المكتب السياسي والناطق باسم المكتب في الدوحة: «كخطوة أولى نريد مغادرة جميع القوات الأجنبية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في بلادنا، لكن بعد إنهاء وجود القوات الأجنبية يمكن لأشخاص غير عسكريين الحضور والمساعدة في إعادة الإعمار وعملية التنمية».
من جانبه، أصر الرئيس الأفغاني أشرف غني على أن حكومته هي صاحبة القرار في أي اتفاق يتم التوصل إليه بين طالبان والمبعوث الأميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد، وعلق الناطق باسم الرئاسة الأفغانية هارون تشاخ نسوري على خطاب الرئيس ترمب بالقول إنه «يعكس الشراكة الاستراتيجية بين الحكومة في كابل وواشنطن». مضيفا أن الولايات المتحدة أقوى حلفاء الحكومة الأفغانية وهما يعملان معا من أجل القضاء على تهديد الإرهاب.
لكن طالبان من جانبها وجهت رسالة جديدة للفصائل الأفغانية التي التقت بها في موسكو بالقول إن طالبان لا تسعى للانفراد بالحكم في أفغانستان بعد رحيل القوات الأجنبية منها. وقال عباس ستانكزي رئيس وفد طالبان في موسكو إن ما يهم الحركة هو نظام حكم يقوم على مبادئ الإسلام والمصالح الوطنية الأفغانية والمجد التاريخي والعدالة الاجتماعية، مطالبا في الوقت نفسه وقف الدعاية المضادة لطالبان والسماح لقياداتها بالسفر رسميا، وأوضح موقف الحركة من مسألة حقوق المرأة بالقول: «طالبان ملتزمة بكل الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة من الإرث والتعليم والعمل واختيار الزوج والأمن والحق في الحياة الكريمة».
وكانت طالبان أجرت محادثات سياسية حول مستقبل أفغانستان مع أربعين شخصية أفغانية سياسية ليس من بينها أي ممثل عن الحكومة الأفغانية. وحضر الجلسات التي امتدت على مدى يومين الرئيس السابق حميد كرزاي ورئيس مجلس النواب وزير الداخلية السابق يونس قانوني، وزعيم حزب الوحدة الشيعي محمد محقق، ومسؤولون من أحزاب «الجمعية الإسلامية»، وعدد من قيادات الأفغان التاريخية وممثلو أحزاب أخرى من كابل.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended