عشرة كتب عالمية لا يمكن تجاهلها هذا العام

ثلاثة كتب من العشرة المرشحة وهي من اليمين إلى اليسار: «فتيان نيكيل» و «فريق العزل» و«فهد أسود، ذئب أحمر»
ثلاثة كتب من العشرة المرشحة وهي من اليمين إلى اليسار: «فتيان نيكيل» و «فريق العزل» و«فهد أسود، ذئب أحمر»
TT

عشرة كتب عالمية لا يمكن تجاهلها هذا العام

ثلاثة كتب من العشرة المرشحة وهي من اليمين إلى اليسار: «فتيان نيكيل» و «فريق العزل» و«فهد أسود، ذئب أحمر»
ثلاثة كتب من العشرة المرشحة وهي من اليمين إلى اليسار: «فتيان نيكيل» و «فريق العزل» و«فهد أسود، ذئب أحمر»

بعد تجاوز مرحلة الاحتفالات بالعام الجديد، وتحديد أهداف الشهور الـ12 المقبلة، ثم تعديلها عدة مرات، يمكن إلقاء نظرة على ترشيحات هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي.سي) لأفضل الكتب المنتظر طرحها بالأسواق خلال 2019.
- الترشيح الأول: «وحتى عند الموت، فإن الفتيان متعبون»، هكذا يبدأ الكاتب والروائي الأميركي كولسون وايتهيد، روايته الجديدة «فتيان نيكيل» أوThe Nickel Boys التي تشكل إضافة ستلاحق القارئ بأجوائها. وفي روايته الجديدة، يحكي وايتهيد، الحاصل على جائزة «بوليتزر» المرموقة لعام 2016 وجائزة الكتاب الوطنية عن روايته «السكك الحديدية السرية»، قصص مراهقين سود يتم إرسالهم إلى أكاديمية نيكيل، وهي كيان خيالي عبارة عن مدرسة تقع في ولاية فلوريدا لتعديل السلوك والتأهيل. والمدرسة التي يفترض أن نشاطها ازدهر في عهد «جيم كرو»، في إشارة إلى مرحلة تطبيق قوانين الفصل العنصري الأميركي، كانت تتعهد بمنح «تدريب جسدي، وذهني، وأخلاقي».
ولكنها في الواقع كانت تقدم دروسا وحشية تتنوع ما بين الجلد بشكل بدائي، والانتهاكات الجنسية، وفي بعض الحالات، الذهاب في رحلات إلى «المكان النائي»، من حيث لا يعود الفتيان أبدا. وتركز الرواية على سيرة إليوود الذي يؤمن بتعاليم مارتن لوثر كينغ ويتفوق في دراسته حتى يأتي خطأ بريء. وتتطرق أيضا إلى سيرة تيرنر، الذي يعود للأكاديمية نيكيل للمرة الثانية ويوفر الحماية لإليوود حتى النقطة التي لم يعد يمكنه فيها الاستمرار في حمايته. ويعد مصدر وايتهيد لكتابة روايته قصص وآثار الجثث التي عثر عليها مدفونة وعليها أمارات على ما تعرضت له من وحشية بالموقع الحقيقي لمدرسة فلوريدا للفتيان. والكتاب يصدر عن Doubleday.
- الترشيح الثاني: في إصدارها الجديد «مصدر احترام الذات» أو The Source of Self Regard، تقدم الروائية والكاتبة الأميركية توني موريسون مجموعة جديدة ورائعة من المقالات والكلمات والتأملات حول الثقافة والفنون والعدالة الاجتماعية التي تغطي أربعة عقود من الزمان، بما في ذلك محاضرتها البليغة التي ألقتها بمناسبة حصولها على جائزة نوبل في الآداب عام 1993، ومديحها المازج ما بين الحلاوة والمرارة لسيرة الأديب الأميركي الراحل جايمس بالدوين، وتعليقها على خطابات مارتن لوثر كينغ، ومراجعتها الكاشفة لأعمالها. فروايتها «سولا «أو Sula كانت من وحي ذكرى من عهد الطفولة عن سيدة نالت وبسهولة عفو باقي محيطها من السيدات. وفي «محبوبة» أو Beloved، كانت مهتمة بما يساهم بقوة في تحقيق احترام الذات لدى إحدى السيدات من العبيد. فتقول موريسون حول عملها: «في كتاباتي، للكشف عما أعتبره الأشياء الصعبة والحقيقية والأبدية، فأنا أميل إلى وصف الأشخاص وهم رهن الضغوط، وليس فيما يعايشونه من الظروف اليسيرة، الأشخاص تمت محاصرتهم في الزاوية وأصبحوا مخيرين ما بين القيام بالصيد أو التخلص من الطعم». والكتاب يصدر عن Knopf.
- الترشيح الثالث: «فريق العزل» أو The Impeachers للكاتبة بريندا واين آبل، يتناول واقعة تاريخية جرت في 25 فبراير (شباط) عام 1868 عندما بدأ ثادوث ستيفينز، عضو مجلس النواب الأميركي، بدعم من التصويت الإيجابي للمجلس، بإجراءات عزل الرئيس السابع عشر للولايات المتحدة أندرو جونسون، لاتهامه بـ«ارتكاب جرائم جسيمة وجنح أثناء توليه السلطة». ويتطرق الكتاب إلى رفض جونسون الذي كان سابقا نائبا للرئيس الأميركي الذي تم اغتياله إبراهام لينكولن، القبول بقرار الكونغرس، وقام بانتهاك امتيازاته، فيما خالف القوانين التي نحاها جانبا واعتبرها غير دستورية. ووفقا للكتاب، عبر جونسون عن موقفه قائلا: «هذه بلد للرجال من أصحاب العرق الأبيض، وما دمت الرئيس، فستظل بلدا للرجال من أصحاب العرق الأبيض». في كتابها، أعادت ويان آبل، كاتبة السيرة الذاتية الحاصلة على جائزة رابطة نقاد الكتاب الوطني، بعث أجواء التوتر السياسي، والمكائد، والتداعيات التشريعية التي صاحبت أول محاولة لعزل رئيس الولايات المتحدة. وكان السيناتور الأميركي حينذاك تشارلز سامنر، قد وصف ما جرى بأنه «من آخر أعظم المعارك في مجابهة العبودية». والكتاب يصدر عن Random House.
- الترشيح الرابع: «فهد أسود، ذئب أحمر» أو Black Leopard، Red Wolf للكاتب جامايكي الأصل والحائز على جائزة الـ«مان بوكر» مارلون جيمس، الذي يزيح الستار عن ثلاثيته العجائبية التي يسميها «صراع العروش الأفريقية». والبطولة في روايته للفتى المرتزق المسمى «تراكر» الذي يتمتع بحاسة شم استثنائية وقدرة هائلة على تتبع الروائح، وإن كان ينقصه كثيرا ليتعلمه. ومهمة «تراكر» أن يتتبع أثر فتى مفقود. وعلى مدار تسعة أعوام، فإن مساعي «تراكر» تجمع بينه وبين الفهد المتفنن بالصيد والمبدع في تغيير مظهره، ونيكا، المأجور الذي تتساقط طبقات جلده، وسانجوما، المعالج صاحب القدرات التي تجعل منه عرافا لا يشق له غبار، والساحرة رفيقة القمر التي يبلغ عمرها عدة قرون، وراوي القصص والشعر، بخلاف العشرات من الشخصيات غيرهم. وخلال رحلته، يواجه «تراكر» تهديدات ملوك ذهبت عقولهم، وفرسانا، ومستحضري أرواح، ولا يسلم أيضا مما يعرف بـ«أومولوزو» محترفي السير على الأسطح، والضباع المنتقمة التي تتبدل أشكالها، والـ«أبندولو» المقتاتين على الدماء، الذين يعتقد أنهم وراء اختفاء الفتى المفقود. ويمنح جيمس إشارة إلى الفكرة الرئيسية لروايته عندما يذكر في بدايتها: «الحقيقة يتغير شكلها، كما يأكل التمساح القمر». والكتاب يصدر عن Riverhead.
- الترشيح الخامس: «فوق الأرض، نكون رائعين لوقت قصير» أو On Earth، We are Briefly Gorgeous، للكاتب والشاعر الأميركي الفيتنامي المولد أوشن فونج، الحاصل على جائزة «تي إس إليوت». «أكتب في محاولة لوصالك». يكتب ليتل دوج، اللاجئ المولود في سايجون الذي ينتقل للاستقرار في الولايات المتحدة طفلا، يكتب مخاطبا والدته التي لا تستطيع القراءة. يتناول فونج في أولى روايته التي تشبه التعويذة السحرية سيرة ليتل دوج، وخفايا أمور العرق، والطبقة الاجتماعية، والنوع، وواقع اللاجئين، وكل ذلك عبر استعراض ليتل دوج لوقائع طفولته الحانية والعنيفة منها، وحقائق سنوات مراهقته، عندما تبادل المكاشفات الحميمية مع تريفور، زميله بالعمل. أما جدته لان فتحكي قصصا عن صباها في فيتنام، وسنوات الحرب عندما كان جسدها سببا في إبقائها على قيد الحياة، وسيرة زوجها الجندي بالقوات الأميركية الذي أصبح لاحقا جد ليتل دوج. يدير فوج تاريخ الذاكرة عبر لغة متقنة في حسيتها، فيخلق محيطا حلزونيا يجمع حكايات الابن، والأم، والجدة، والحب الأول، وبدايات تجربة الكتابة. الكتاب يصدر عن Penguin Press.
- الترشيح السادس: باولاواي أو Bowlaway، إليزابيث ماكراكين، رواية متميزة ذات طابع كوميدي تدور داخل بلدة صغيرة بولاية نيو إنغلاند الأميركية، حيث يتم العثور على بيرثا تروات، وهي فاقدة الوعي داخل مقابر سالفورد بولاية ماساتشوستس، فبدت وكأنها سقطت على البلدة من السماء. وتحكي الرواية عن تراوت، السيدة ممتلئة الجسم التي تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم آخر. يدفعها ولعها بمضمار رياضة «البولينغ»، فتنشئ مضمارا خاصا لممارسة اللعبة، وتقوم بتوظيف شخصين، وتجمع نساء البلدة لتكوين فريق يعد الأول من نوعه لممارسة البولينغ. تقترن تراوت بليفيتيسيس سبراجو، وهو رجل أسود واسع الاطلاع من مقاطعة نيو برونزويك. أما ابنتهما ميانا، فإن موهبتها ترفعها إلى أعلى مراتب عالم الموسيقى في نيويورك. ولكن الأمور لا تسير على ما يرام إلى النهاية، فمضمار تراوت للبولينغ بدأ في جذب نوع جديد من الجمهور، وهو هذا النوع الذي يستهدف تحريم اللعبة على النساء. تستدعي ماكراكين ما يشبه اللزمات الموسيقية التي قلما يتم الاستماع لها عن النوع، والاختلافات بالبلدات الصغرى، والتطلعات، والأبعاد السحرية للحياة اليومية. الكتاب يصدر عن Ecco.
- الترشيح السابع: «ولد صغير» أو Little Boy، لورانس فيرلنجيتي. يستحضر الروائي والكاتب المسرحي ومؤسس دار نشر وبيع كتب City Lights فيرلنجيتي حضور صاموئيل بيكت وجيمس جويس وآلان جينسبرج، ومارسيل بروست في «روايته التجريبية» التي يتم نشرها بالتزامن مع عيد ميلاده المائة. فالرواية عبارة عن مزيج من السيرة الذاتية، والفلسفة والشعر. إثر مولده في برونكسفيل، نيويورك، وتنشئته لفترة من الوقت في فرنسا، فإن بطل الرواية يشهد تبعات ما بعد إسقاط القنبلة النووية على ناغازاكي. لاحقا، وفيما كان في مرحلة الدارسة للحصول على درجة الدكتوراه في العاصمة الفرنسية باريس، فكر في نفسه كــ «ما يشبه الشاعر الجامح أو الفنان». وعاد إلى الولايات المتحدة للإفراج عن مكنون صدره، بما ساهم في إطلاق ما يعرف بعهد الـBeat الأدبي في أميركا. ومن منظور خاص عقب عقود من هذه التجربة، «وفي هذا المقهى الوجودي على الساحل الأيسر»، يرى الحقيقة بـ«عينين جامحتين». هذه العاصفة من الحكي الوافر، التي تتدفق بأسلوب فيرلنجيتي الاستثنائي المنفتح والكاشف لكل شيء، تساعد في اقتناص «اللحظات البلورية من الزمن». الكتاب يصدر عن Viking.
- الترشيح الثامن: «الأشباح» أو Phantoms، كريستيان كيفير. تدور الرواية حول راي كواساكي، الذي يتطوع للقتال في الحرب العالمية الثانية، يعود إلى منزله في مقاطعة بلاسير بولاية كاليفورنيا عام 1945، ليكتشف أنه لم يعد مرحبا به. بعد مرور نحو أربعين عاما، يقوم جون فرازير، وهو طبيب بيطري فيتنامي، برحلة لاكتشاف كيف انتهت سيرة كواساكي، التي تتداخل مع تاريخ أسرة فرازير. ويستجيب فرازير لرغبة خالته إيفيلين ويلسون في أن يصبح سائقها وييسر لها زيارة والدة كواساكي، كيميكو تاكاهاشي، المقيمة في أوكلاند. فالمرأتان، اللتان كانتا جارتين من قبل، لم يقابلا بعضهما منذ أن تم ترحيل كيميكو وعائلتها عام 1942. وخلال سلسلة من الزيارات، يشهد فرازير الكشف المتبادل للأسرار التي باعدت بين العائلتين. وعبر أسلوب قصصي هو أقرب إلى القصائد المغناة، تستعرض الرواية أحزان ومشاعر الذنب المرتبطة بالحروب، ومخاطر النسيان. الكتاب يصدر عن Liveright.
- الترشيح التاسع: «المجرى القديم» أو The Old Drift، ناموالي سيربيل، في هذه الرواية الإبداعية التي تعد أولى روايات سيربيل، الحائزة من قبل جائزة كاين للقصة القصيرة المنشورة بالإنجليزية لكتاب أفارقة، تتناول قرنين من تاريخ زامبيا. تمزج الرواية ما بين أساليب القوطية والأفرو - المستقبلي. تبدأ الرواية في عام 1850، لتتبع سيرة ثلاث عائلات في زامبيا، تنحدر لمهاجرين من بريطانيا، والهند، وإيطاليا، واستقروا جميعهم عند «المجرى القديم»، أكثر بقاع المياه ركودا في زامبيا، وحيث تقطن أفواج البعوض التي تحمل داء الملاريا. حتى إن مجموعة من البعوض ترتفع صوتها ما بين الحين والآخر كراوية لوقائع الرواية. في البداية، تحكي هذه المجموعة عن «واقعة فوضى محدودة» أطلقت دائرة مدمرة تتصاعد بين أجيال العائلات الثلاث لسنوات وسنوات. وختام الرواية يتضمن «مثلث حب» بين نشطاء في عام 2050، عندما أصبحت حياة الأفراد يوثق لها عبر جزيئات مستزرعة في أجسادهم، وأسراب من الطائرات الموجهة عن بعد التي أطلق عليها اسم Moskeetoze تبدأ في نشر الكوارث. الكتاب يصدر عن Hogarth.
- الترشيح العاشر: «الأميركيون الآخرون» أو The Other Americans، ليلى لامي. دريس جوراوي يغلق مطعمه في ليلة ويقطع الطريق السريع ليلقى حتفه بواسطة سيارة مسرعة. ويأتي مقتل جوراوي ليجمع عددا متنوعا من الشخصيات، تقاوم كلها من أجل تحقيق التوازن ما بين الحب، والعائلة، والعمل. فهناك، نورا، ابنته المولودة في المغرب التي شبت لتصبح عازفة بيانو متخصصة في موسيقى الجاز، وتتخذ من أوكلاند مقرا لها. وزوجته التي تتطلع إلى الوطن في كازابلانكا. وجيرمي، محارب سابق في العراق وكان زميل نورا الدراسي. وكوليمان، محقق الشرطة المبتدئ، وأندرسون، الذي يعتبر مطعم دريس مصدر منافسة. وإيفرين، العامل غير المسجل رسميا الذي يعد الشاهد الوحيد على الجريمة. وفي الحبكة الروائية التي وضعتها لامي، نجحت في جمع صراع الإخوة، والتحقيق في جريمة، وقصة حب، والأسرار العائلية، لتقدم رواية متعددة النغمات تتسم بالحنكة والحميمية وتكشف عن الحيوات الخاصة بكل شخصية على حدة، بما في ذلك دريس نفسه. الكتاب يصدر عن Pantheon.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً