عشرة كتب عالمية لا يمكن تجاهلها هذا العام

ثلاثة كتب من العشرة المرشحة وهي من اليمين إلى اليسار: «فتيان نيكيل» و «فريق العزل» و«فهد أسود، ذئب أحمر»
ثلاثة كتب من العشرة المرشحة وهي من اليمين إلى اليسار: «فتيان نيكيل» و «فريق العزل» و«فهد أسود، ذئب أحمر»
TT

عشرة كتب عالمية لا يمكن تجاهلها هذا العام

ثلاثة كتب من العشرة المرشحة وهي من اليمين إلى اليسار: «فتيان نيكيل» و «فريق العزل» و«فهد أسود، ذئب أحمر»
ثلاثة كتب من العشرة المرشحة وهي من اليمين إلى اليسار: «فتيان نيكيل» و «فريق العزل» و«فهد أسود، ذئب أحمر»

بعد تجاوز مرحلة الاحتفالات بالعام الجديد، وتحديد أهداف الشهور الـ12 المقبلة، ثم تعديلها عدة مرات، يمكن إلقاء نظرة على ترشيحات هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي.سي) لأفضل الكتب المنتظر طرحها بالأسواق خلال 2019.
- الترشيح الأول: «وحتى عند الموت، فإن الفتيان متعبون»، هكذا يبدأ الكاتب والروائي الأميركي كولسون وايتهيد، روايته الجديدة «فتيان نيكيل» أوThe Nickel Boys التي تشكل إضافة ستلاحق القارئ بأجوائها. وفي روايته الجديدة، يحكي وايتهيد، الحاصل على جائزة «بوليتزر» المرموقة لعام 2016 وجائزة الكتاب الوطنية عن روايته «السكك الحديدية السرية»، قصص مراهقين سود يتم إرسالهم إلى أكاديمية نيكيل، وهي كيان خيالي عبارة عن مدرسة تقع في ولاية فلوريدا لتعديل السلوك والتأهيل. والمدرسة التي يفترض أن نشاطها ازدهر في عهد «جيم كرو»، في إشارة إلى مرحلة تطبيق قوانين الفصل العنصري الأميركي، كانت تتعهد بمنح «تدريب جسدي، وذهني، وأخلاقي».
ولكنها في الواقع كانت تقدم دروسا وحشية تتنوع ما بين الجلد بشكل بدائي، والانتهاكات الجنسية، وفي بعض الحالات، الذهاب في رحلات إلى «المكان النائي»، من حيث لا يعود الفتيان أبدا. وتركز الرواية على سيرة إليوود الذي يؤمن بتعاليم مارتن لوثر كينغ ويتفوق في دراسته حتى يأتي خطأ بريء. وتتطرق أيضا إلى سيرة تيرنر، الذي يعود للأكاديمية نيكيل للمرة الثانية ويوفر الحماية لإليوود حتى النقطة التي لم يعد يمكنه فيها الاستمرار في حمايته. ويعد مصدر وايتهيد لكتابة روايته قصص وآثار الجثث التي عثر عليها مدفونة وعليها أمارات على ما تعرضت له من وحشية بالموقع الحقيقي لمدرسة فلوريدا للفتيان. والكتاب يصدر عن Doubleday.
- الترشيح الثاني: في إصدارها الجديد «مصدر احترام الذات» أو The Source of Self Regard، تقدم الروائية والكاتبة الأميركية توني موريسون مجموعة جديدة ورائعة من المقالات والكلمات والتأملات حول الثقافة والفنون والعدالة الاجتماعية التي تغطي أربعة عقود من الزمان، بما في ذلك محاضرتها البليغة التي ألقتها بمناسبة حصولها على جائزة نوبل في الآداب عام 1993، ومديحها المازج ما بين الحلاوة والمرارة لسيرة الأديب الأميركي الراحل جايمس بالدوين، وتعليقها على خطابات مارتن لوثر كينغ، ومراجعتها الكاشفة لأعمالها. فروايتها «سولا «أو Sula كانت من وحي ذكرى من عهد الطفولة عن سيدة نالت وبسهولة عفو باقي محيطها من السيدات. وفي «محبوبة» أو Beloved، كانت مهتمة بما يساهم بقوة في تحقيق احترام الذات لدى إحدى السيدات من العبيد. فتقول موريسون حول عملها: «في كتاباتي، للكشف عما أعتبره الأشياء الصعبة والحقيقية والأبدية، فأنا أميل إلى وصف الأشخاص وهم رهن الضغوط، وليس فيما يعايشونه من الظروف اليسيرة، الأشخاص تمت محاصرتهم في الزاوية وأصبحوا مخيرين ما بين القيام بالصيد أو التخلص من الطعم». والكتاب يصدر عن Knopf.
- الترشيح الثالث: «فريق العزل» أو The Impeachers للكاتبة بريندا واين آبل، يتناول واقعة تاريخية جرت في 25 فبراير (شباط) عام 1868 عندما بدأ ثادوث ستيفينز، عضو مجلس النواب الأميركي، بدعم من التصويت الإيجابي للمجلس، بإجراءات عزل الرئيس السابع عشر للولايات المتحدة أندرو جونسون، لاتهامه بـ«ارتكاب جرائم جسيمة وجنح أثناء توليه السلطة». ويتطرق الكتاب إلى رفض جونسون الذي كان سابقا نائبا للرئيس الأميركي الذي تم اغتياله إبراهام لينكولن، القبول بقرار الكونغرس، وقام بانتهاك امتيازاته، فيما خالف القوانين التي نحاها جانبا واعتبرها غير دستورية. ووفقا للكتاب، عبر جونسون عن موقفه قائلا: «هذه بلد للرجال من أصحاب العرق الأبيض، وما دمت الرئيس، فستظل بلدا للرجال من أصحاب العرق الأبيض». في كتابها، أعادت ويان آبل، كاتبة السيرة الذاتية الحاصلة على جائزة رابطة نقاد الكتاب الوطني، بعث أجواء التوتر السياسي، والمكائد، والتداعيات التشريعية التي صاحبت أول محاولة لعزل رئيس الولايات المتحدة. وكان السيناتور الأميركي حينذاك تشارلز سامنر، قد وصف ما جرى بأنه «من آخر أعظم المعارك في مجابهة العبودية». والكتاب يصدر عن Random House.
- الترشيح الرابع: «فهد أسود، ذئب أحمر» أو Black Leopard، Red Wolf للكاتب جامايكي الأصل والحائز على جائزة الـ«مان بوكر» مارلون جيمس، الذي يزيح الستار عن ثلاثيته العجائبية التي يسميها «صراع العروش الأفريقية». والبطولة في روايته للفتى المرتزق المسمى «تراكر» الذي يتمتع بحاسة شم استثنائية وقدرة هائلة على تتبع الروائح، وإن كان ينقصه كثيرا ليتعلمه. ومهمة «تراكر» أن يتتبع أثر فتى مفقود. وعلى مدار تسعة أعوام، فإن مساعي «تراكر» تجمع بينه وبين الفهد المتفنن بالصيد والمبدع في تغيير مظهره، ونيكا، المأجور الذي تتساقط طبقات جلده، وسانجوما، المعالج صاحب القدرات التي تجعل منه عرافا لا يشق له غبار، والساحرة رفيقة القمر التي يبلغ عمرها عدة قرون، وراوي القصص والشعر، بخلاف العشرات من الشخصيات غيرهم. وخلال رحلته، يواجه «تراكر» تهديدات ملوك ذهبت عقولهم، وفرسانا، ومستحضري أرواح، ولا يسلم أيضا مما يعرف بـ«أومولوزو» محترفي السير على الأسطح، والضباع المنتقمة التي تتبدل أشكالها، والـ«أبندولو» المقتاتين على الدماء، الذين يعتقد أنهم وراء اختفاء الفتى المفقود. ويمنح جيمس إشارة إلى الفكرة الرئيسية لروايته عندما يذكر في بدايتها: «الحقيقة يتغير شكلها، كما يأكل التمساح القمر». والكتاب يصدر عن Riverhead.
- الترشيح الخامس: «فوق الأرض، نكون رائعين لوقت قصير» أو On Earth، We are Briefly Gorgeous، للكاتب والشاعر الأميركي الفيتنامي المولد أوشن فونج، الحاصل على جائزة «تي إس إليوت». «أكتب في محاولة لوصالك». يكتب ليتل دوج، اللاجئ المولود في سايجون الذي ينتقل للاستقرار في الولايات المتحدة طفلا، يكتب مخاطبا والدته التي لا تستطيع القراءة. يتناول فونج في أولى روايته التي تشبه التعويذة السحرية سيرة ليتل دوج، وخفايا أمور العرق، والطبقة الاجتماعية، والنوع، وواقع اللاجئين، وكل ذلك عبر استعراض ليتل دوج لوقائع طفولته الحانية والعنيفة منها، وحقائق سنوات مراهقته، عندما تبادل المكاشفات الحميمية مع تريفور، زميله بالعمل. أما جدته لان فتحكي قصصا عن صباها في فيتنام، وسنوات الحرب عندما كان جسدها سببا في إبقائها على قيد الحياة، وسيرة زوجها الجندي بالقوات الأميركية الذي أصبح لاحقا جد ليتل دوج. يدير فوج تاريخ الذاكرة عبر لغة متقنة في حسيتها، فيخلق محيطا حلزونيا يجمع حكايات الابن، والأم، والجدة، والحب الأول، وبدايات تجربة الكتابة. الكتاب يصدر عن Penguin Press.
- الترشيح السادس: باولاواي أو Bowlaway، إليزابيث ماكراكين، رواية متميزة ذات طابع كوميدي تدور داخل بلدة صغيرة بولاية نيو إنغلاند الأميركية، حيث يتم العثور على بيرثا تروات، وهي فاقدة الوعي داخل مقابر سالفورد بولاية ماساتشوستس، فبدت وكأنها سقطت على البلدة من السماء. وتحكي الرواية عن تراوت، السيدة ممتلئة الجسم التي تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم آخر. يدفعها ولعها بمضمار رياضة «البولينغ»، فتنشئ مضمارا خاصا لممارسة اللعبة، وتقوم بتوظيف شخصين، وتجمع نساء البلدة لتكوين فريق يعد الأول من نوعه لممارسة البولينغ. تقترن تراوت بليفيتيسيس سبراجو، وهو رجل أسود واسع الاطلاع من مقاطعة نيو برونزويك. أما ابنتهما ميانا، فإن موهبتها ترفعها إلى أعلى مراتب عالم الموسيقى في نيويورك. ولكن الأمور لا تسير على ما يرام إلى النهاية، فمضمار تراوت للبولينغ بدأ في جذب نوع جديد من الجمهور، وهو هذا النوع الذي يستهدف تحريم اللعبة على النساء. تستدعي ماكراكين ما يشبه اللزمات الموسيقية التي قلما يتم الاستماع لها عن النوع، والاختلافات بالبلدات الصغرى، والتطلعات، والأبعاد السحرية للحياة اليومية. الكتاب يصدر عن Ecco.
- الترشيح السابع: «ولد صغير» أو Little Boy، لورانس فيرلنجيتي. يستحضر الروائي والكاتب المسرحي ومؤسس دار نشر وبيع كتب City Lights فيرلنجيتي حضور صاموئيل بيكت وجيمس جويس وآلان جينسبرج، ومارسيل بروست في «روايته التجريبية» التي يتم نشرها بالتزامن مع عيد ميلاده المائة. فالرواية عبارة عن مزيج من السيرة الذاتية، والفلسفة والشعر. إثر مولده في برونكسفيل، نيويورك، وتنشئته لفترة من الوقت في فرنسا، فإن بطل الرواية يشهد تبعات ما بعد إسقاط القنبلة النووية على ناغازاكي. لاحقا، وفيما كان في مرحلة الدارسة للحصول على درجة الدكتوراه في العاصمة الفرنسية باريس، فكر في نفسه كــ «ما يشبه الشاعر الجامح أو الفنان». وعاد إلى الولايات المتحدة للإفراج عن مكنون صدره، بما ساهم في إطلاق ما يعرف بعهد الـBeat الأدبي في أميركا. ومن منظور خاص عقب عقود من هذه التجربة، «وفي هذا المقهى الوجودي على الساحل الأيسر»، يرى الحقيقة بـ«عينين جامحتين». هذه العاصفة من الحكي الوافر، التي تتدفق بأسلوب فيرلنجيتي الاستثنائي المنفتح والكاشف لكل شيء، تساعد في اقتناص «اللحظات البلورية من الزمن». الكتاب يصدر عن Viking.
- الترشيح الثامن: «الأشباح» أو Phantoms، كريستيان كيفير. تدور الرواية حول راي كواساكي، الذي يتطوع للقتال في الحرب العالمية الثانية، يعود إلى منزله في مقاطعة بلاسير بولاية كاليفورنيا عام 1945، ليكتشف أنه لم يعد مرحبا به. بعد مرور نحو أربعين عاما، يقوم جون فرازير، وهو طبيب بيطري فيتنامي، برحلة لاكتشاف كيف انتهت سيرة كواساكي، التي تتداخل مع تاريخ أسرة فرازير. ويستجيب فرازير لرغبة خالته إيفيلين ويلسون في أن يصبح سائقها وييسر لها زيارة والدة كواساكي، كيميكو تاكاهاشي، المقيمة في أوكلاند. فالمرأتان، اللتان كانتا جارتين من قبل، لم يقابلا بعضهما منذ أن تم ترحيل كيميكو وعائلتها عام 1942. وخلال سلسلة من الزيارات، يشهد فرازير الكشف المتبادل للأسرار التي باعدت بين العائلتين. وعبر أسلوب قصصي هو أقرب إلى القصائد المغناة، تستعرض الرواية أحزان ومشاعر الذنب المرتبطة بالحروب، ومخاطر النسيان. الكتاب يصدر عن Liveright.
- الترشيح التاسع: «المجرى القديم» أو The Old Drift، ناموالي سيربيل، في هذه الرواية الإبداعية التي تعد أولى روايات سيربيل، الحائزة من قبل جائزة كاين للقصة القصيرة المنشورة بالإنجليزية لكتاب أفارقة، تتناول قرنين من تاريخ زامبيا. تمزج الرواية ما بين أساليب القوطية والأفرو - المستقبلي. تبدأ الرواية في عام 1850، لتتبع سيرة ثلاث عائلات في زامبيا، تنحدر لمهاجرين من بريطانيا، والهند، وإيطاليا، واستقروا جميعهم عند «المجرى القديم»، أكثر بقاع المياه ركودا في زامبيا، وحيث تقطن أفواج البعوض التي تحمل داء الملاريا. حتى إن مجموعة من البعوض ترتفع صوتها ما بين الحين والآخر كراوية لوقائع الرواية. في البداية، تحكي هذه المجموعة عن «واقعة فوضى محدودة» أطلقت دائرة مدمرة تتصاعد بين أجيال العائلات الثلاث لسنوات وسنوات. وختام الرواية يتضمن «مثلث حب» بين نشطاء في عام 2050، عندما أصبحت حياة الأفراد يوثق لها عبر جزيئات مستزرعة في أجسادهم، وأسراب من الطائرات الموجهة عن بعد التي أطلق عليها اسم Moskeetoze تبدأ في نشر الكوارث. الكتاب يصدر عن Hogarth.
- الترشيح العاشر: «الأميركيون الآخرون» أو The Other Americans، ليلى لامي. دريس جوراوي يغلق مطعمه في ليلة ويقطع الطريق السريع ليلقى حتفه بواسطة سيارة مسرعة. ويأتي مقتل جوراوي ليجمع عددا متنوعا من الشخصيات، تقاوم كلها من أجل تحقيق التوازن ما بين الحب، والعائلة، والعمل. فهناك، نورا، ابنته المولودة في المغرب التي شبت لتصبح عازفة بيانو متخصصة في موسيقى الجاز، وتتخذ من أوكلاند مقرا لها. وزوجته التي تتطلع إلى الوطن في كازابلانكا. وجيرمي، محارب سابق في العراق وكان زميل نورا الدراسي. وكوليمان، محقق الشرطة المبتدئ، وأندرسون، الذي يعتبر مطعم دريس مصدر منافسة. وإيفرين، العامل غير المسجل رسميا الذي يعد الشاهد الوحيد على الجريمة. وفي الحبكة الروائية التي وضعتها لامي، نجحت في جمع صراع الإخوة، والتحقيق في جريمة، وقصة حب، والأسرار العائلية، لتقدم رواية متعددة النغمات تتسم بالحنكة والحميمية وتكشف عن الحيوات الخاصة بكل شخصية على حدة، بما في ذلك دريس نفسه. الكتاب يصدر عن Pantheon.


مقالات ذات صلة

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».