وهم ديمقراطية المعرفة

عن الوجه المظلم لـ«الأخ الأكبر» غوغل

وهم ديمقراطية المعرفة
TT

وهم ديمقراطية المعرفة

وهم ديمقراطية المعرفة

من منّا لا يعرف «غوغل»؟ محرّك البحث الأشهر على الإنترنت، الذي أصبح عبر نافذته الصغيرة تلك التي تتوسط صفحته شديدة التواضع كما البوابة الأكبر والأقرب والأهم لولوج خُلاصة المعارف البشريّة المتراكمة بعد أن انتهت جلّها معلّقة في فضاء الشبكة العنكبوتية السيبيري الغامض. لقد أُسر مرتادو الإنترنت بكفاءة وسرعة وسهولة هذا «الغوغل»، كما قدرته الاستثنائية على التشبيك بين أنظمة معرفيّة متوازية ومن ثم تقديمه إجابات تبدو بشكل متزايد متفردة وشخصيّة ومتفهمة لطريقة تفكير مستخدمها واهتماماته، حتى أصبح اسم «غوغل» صنو كل بحث ممكن، وتحوّل في كثير من اللغات الدارجة بالعالم إلى صيغة «فعل» بديلة عن وصف تعامل الأشخاص مع محركات البحث على الإنترنت. بحضوره، فقدت الموسوعات قيمتها، وهُجرت القواميس ومسارد معاني الكلمات، ولم تعد هناك حاجة فعليّة للتعامل بالورق، أو تكديس الوثائق أو الكتب أو الاستعانة بالصحف والمجلات المطبوعة لتتبع الأحداث. بل وأصبحت بعده المفكرات الشخصيّة والتقاويم وحتى تلك الخربشات على قصاصات الورق والمكاتيب وأوراق الملاحظات اللاصقة والخرائط والآلات الحاسبة نوعاً من لزوم ما لا يلزم، إذ جمعها هذا الساحر كلّها في مكان واحد تظنّه ملكيتك الفردية وفضاءك الخاص بعد أن منحك وحدك مفتاحه السريّ، ومكّنك من تزيينه بألوان تختارها، وربما أيضاً بصورتك الشخصيّة أو صورة من تحب.
حتى سنة 1999 لم يكن «غوغل» شيئاً مذكوراً أقلّه لناحية قدرته على توريد عوائد مقنعة، نظير ما يستثمر به من أموال طائلة. بالتأكيد هو امتلك وقتها إمكانات تقنيّة متقدّمة ومحرك بحث فعالاً لركوب عباب الإنترنت المتسع باطراد، إلا أن منطق محرك البحث ذاته لم يسمح بتقاضي بدلات على خدماته التي كان من شأنها أن تفقده فرصة الانتشار العالمي حال فُرضت.
«غوغل» وقتها كان يحصد تغذية راجعة عن سلوكيّات مرتاديه ومعالم شخصياتهم الافتراضية كما هم على الشبكة في إطار منهجيته لتحسين خدمات البحث المقدّمة لهم وتسريعها وجعلها أكثر صلة بهم، وهي معلومات مجانيّة يتطوع المستخدمون بإعطائها لتفعيل الخدمة على أفضل مستوياتها بوعي أو من دون وعي، غافلين عن حقيقة أن أكبر منظومة ذكاء اصطناعي في العالم كانت تراكم تلك المعلومات بشكل هائل وتحللها وتصنفها وتتخذ قرارات بشأنها بأسرع من لمح البصر، ومكنّت «غوغل» من تطوير أدائه وإضافة خدماتٍ أخرى موازية بفضلها. لكن من دون التوفر على وسيلة ما لاستيفاء بدل مقابل تلك الخدمات، فإن المشروع العبقري كان يمشي بتسارع نحو المجهول.
مؤسسا «غوغل» سيرجي برين ولاري بيج، اللذان تبنيا شعار «لا تكن شريراً» أدركا أنّ عليهما إعادة صياغة نموذج العمل الكلّي الذي تقوم عليه شركتهما، إن هما أرادا لها تجاوزَ مرحلة انفجار فقاعة شركات الإنترنت التي تسببت بخروج الآلاف من الخدمة فترة عام 2000 لعجزها عن إيجاد منهجيّة فعالة تكفل تحصيل عوائد كافية مقابل خدماتها الذّكيّة المُكلفة. في تلك اللحظة التاريخيّة كان محيط المعلومات المتراكمة عن سلوكيات المستخدمين قد بدأ يؤتي ثماراً، إذ وجد «غوغل» أن مؤسسات رأسماليّة كثيرة تجد في معطيات خوارزمياته (وهي مجموعة من المعادلات الرياضية المترابطة لتنفيذ إجراء ما) منجم ذهب لا قرار له يمكنها تحقيق استهداف شديد الفعاليّة لقاعدة واسعة من المستهلكين المناسبين والتأثير عليهم لشراء منتجات تلك المؤسسات على اختلافها، ليتحول «غوغل» من وقتها إلى ما يشبه شركة إعلانات هائلة لخدمات الترويج المستهدف، تبيع محصولها من المواد الخام المجانيّة التي تحصل عليها من المستخدمين الغافلين بعد تعليبها وفق رغبات الزبائن مقابل مليارات الدّولارات. تلك الأموال الطائلة مكنت الشركة من إغراق موظفيها العباقرة بالرواتب والمنافع غير المسبوقة والاستثمار في تطوير القدرات التقنية وخوارزميّات المراقبة السلوكيّة إلى ما يفوق الخيال.
رؤية المؤسسين بأن يغدو «كل الإنترنت عبر (غوغل)» بدأت بالتحقق الفعلي شيئاً فشيئاً، مع سعي أكيد منهما دائماً للظهور بمظهر «العملاق» المحبوب والموثوق، أمين مكتبة المعارف البشريّة ونصير ديمقراطيّة الاطلاع والتواصل لجميع البشر وعبر الحدود، ومساعداً شخصياً لا يمكن الاستغناء عنه للعيش في المجتمع المعاصر، ومنصة توفر أدوات ثمينة لتطوير البرمجيّات المفتوحة مجاناً ودون مقابل. بل وحتى شرع بتوثيق التراث الفني والثقافي للعالم، كما عرض خرائط تفاعليّة ذكيّة وعالية الدّقة للاستخدامات المدنيّة وغيرها من الخدمات الأخرى الثمينة، مع تعمّد توفيرها دائماً دون مقابل لكل مريد. وهكذا مثلاً صار ممكناً بفضل «غوغل» مشاهدة صور عالية الجودة لأعمال الفنانين الكلاسيكيين الكبار المتوزعة على متاحف العالم كلّها من شاشة الكومبيوتر الشخصي، أو أخذ صورة جويّة لأي بقعة من بقاع الكوكب - تقريباً - أو الاستعانة باطلاعه الواسع ومعلوماته المحدّثة لاختيار دروب تنقلهم، وكل ذلك دون تكلفة تذكر.
لكن وراء هذي الصورة الحميدة والإيجابيّة التي يُشتغل عليها بعناية فائقة، ثمة وجه آخر داكن الظلمة لهذا «الغوغل»، تسكن فيه عند التدقيق أشباح كثيرة وتنانين لا ندري متى تنقلب - أو هي انقلبت بالفعل - على البشريّة التي بسذاجة المغفلين وبكل حسن النيّة سلّمته أسرارها، بينما أصبحت في الوقت ذاته رهينة له يبيعها لمن أراد أنّى شاء.
خذ مثلاً وهم ديمقراطية الوصول إلى المعرفة التي يدّعيها «غوغل»، بينما هو يدير خوارزميات متفوقة تُفلتر البحث على الإنترنت، وتُقدّم للمستخدم معلومات تقرر هي وحدها أنها ذات صلة وبترتيب معيّن تحسب أنه متناسق مع سلوكياته السابقة. المشكلة هنا بالطبع ليست فقط بشأن تقديم نتائج بحث أقرب للمستخدم، وهو ما يراه البعض مفيداً، بقدر ما هي أن يختار القائمون على تلك الخوارزميّات معايير عرقيّة أو دينية أو آيديولوجيّة أو عمريّة أو مكانيّة أو لغويّة معينة تحرف عرض النتائج بحيث تقدّم نوعاً من حقيقة مصنوعة - وفق إرادتهم حصراً عن - موضوع البحث وفق جداول أعمال مشبوهة وسريّة وربما غير قانونيّة من حيث المبدأ. خوارزميات «غوغل» لا توزع ديمقراطية المعرفة مجاناً، بقدر ما هي تمتص معلوماتنا مجاناً وتتربح من تقديمها لنا معارف مفلترة مقابلها.
حتى الآن، فإن هذا العملاق التزم دائماً بفصل شبه تام بين المستخدمين وزبائن المعلومات السلوكيّة عبر تشييد جدار عال من السريّة بينهما، سواء في نوعيّة المعلومات المتبادلة أو طريقة توظيفها للتأثير على سلوك هؤلاء المستخدمين وأفكارهم. لكن الأخطر دون أدنى شك يتأتى من حقيقة أن الانتشار المتشظّي للإلكترونيات الذكيّة في جميع مناحي الحياة المعاصرة، وتداخلها العضوي مع منظومة تواصل هائلة على الإنترنت تسمح تقنياً الآن لـ«غوغل» مثلاً، بالتحكّم بصفة فاعلة في تشكيل طبيعة سلوك المواطنين: التلفزيون يقرر أن هذا البرنامج لا يجب عرضه عليك، وربما إذا كنت يافعاً يتوقف عن العمل عند حلول موعد نومك، وبراد حفظ الأطعمة قد يقرر أنه من الأفضل امتناعك عن تناول الطعام بعد ساعة معينة فيغلق أجزاء منه، بينما يراقب «غوغل» ضغط دمك ويرسل إشارات لطبيبك عن تدهور وضعك، وهو قد يلجأ إلى إيقاف سيارتك عن العمل إن تأخرت عن دفع أقساط التأمين، أو هو يزيدها بناءً على أسلوبك في القيادة ومدى التزامك بقوانين السير وحدود السرعة على الطرقات.
صفة «الأخ الأكبر» - كما تنبأ بها الأديب البريطاني جورج أورويل قبل سبعين عاماً - ليست بالتأكيد مقتصرة على مسائل مدنيّة فحسب، مهما بلغت خطورتها على حريّة الأفراد، إذ لا بدّ أن من يبيع ملفك السلوكي لشركات المواد الاستهلاكية ويعمل معها لصياغة استجابتك لبضائعها، قادرٌ في أي لحظة على بيع الملف ذاته أيضاً لحكومات أو منظمات قد تتوخى مراقبة المستخدمين أو التأثير على أفكارهم وتصوراتهم لأغراض تتجاوز مجرد الربح التجاري المحض، لا سيما أن «غوغل» يخضع لقوانين دولة عظمى لها سياسات إمبراطوريّة جادة وتسعى للهيمنة على بقيّة العالم.
لقد تغيّر «غوغل» كثيراً في عشرين عاماً، وأصبح عملاقاً ذا كفاءة رهيبة، لكن وراء قناعه الرائق الجميل هذا، وجه مظلم لا يريدنا أن نعرف عن ملامحه شيئاً.



عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
TT

عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)

يشكو كثير من الناس من الشعور الدائم بأن الوقت لا يكفي، وأن يومهم يمضي في سباق متواصل لإنجاز المهام المتراكمة. ورغم محاولات تحسين الإنتاجية عبر تنظيم الجداول أو تقليل المشتتات، قد يكون الحل أبسط مما نتخيل: موعد نوم ثابت. فحسب الكاتبة وخبيرة إدارة الوقت لورا فاندركام، فإن غياب انتظام النوم لا يحرمك من الراحة فحسب، بل قد يكون سبباً رئيسياً في الشعور بالتسرع وضيق الوقت خلال النهار.

توضح فاندركام أن معظم الناس يستيقظون في وقت ثابت نسبياً بسبب التزامات العمل أو الدراسة، لكن قلة منهم يلتزمون بموعد نوم محدد. ونتيجة لذلك، قد يتمكن الشخص من الحفاظ على مستوى عام من الإنتاجية، لكنه يواجه صعوبة في التركيز المستمر طوال اليوم. ومع تراجع التركيز، تبدأ المهام في التراكم، ما يدفع إلى إنجازها على عجل. وعندما يسود التسرع، تزداد الأخطاء، فيضطر الشخص إلى إعادة العمل أو محاولة تدارك ما فاته، ليُهدر بذلك الوقت الذي كان يسعى إلى توفيره.

وتشير فاندركام، مؤلفة ثمانية كتب في إدارة الوقت، إلى أن المشكلة لا تكمن في قلة ساعات النوم على مدار الأسبوع، بل في عدم انتظامها. فقد يسهر الشخص لوقت متأخر في إحدى الليالي ويستيقظ مبكراً جداً، ثم يعوّض ذلك في الليلة التالية بالنوم في وقت عشوائي، بينما تكون عطلات نهاية الأسبوع غير منتظمة تماماً. هذا التذبذب المستمر، في رأيها، ينعكس سلباً على الأداء الذهني والتنظيم اليومي.

في ربيع عام 2021، أجرت فاندركام استطلاعاً شمل أكثر من 150 مشاركاً، أمضوا تسعة أسابيع في تطبيق تسع قواعد محددة مسبقاً لتعزيز الإنتاجية، من بينها الالتزام بموعد نوم ثابت. وتقول إن أحد المشاركين وصف تحديد موعد النوم بأنه «القاعدة الأقل جاذبية، لكنها الأكثر تأثيراً على الإطلاق»، في إشارة إلى الدور الكبير الذي يلعبه انتظام النوم في تحسين الأداء اليومي.

وتدعم نتائج علمية حديثة هذا الطرح؛ إذ توصلت دراسة نُشرت في يوليو (تموز) 2025 في مجلة «نيتشر» الطبية إلى نتيجة مماثلة. فقد تابع الباحثون أكثر من 79 ألف بالغ عامل في اليابان، ووجدوا أن عدم انتظام مواعيد النوم يرتبط بانخفاض الإنتاجية وزيادة الشعور بالانفصال عن العمل.

وترى فاندركام أن موعد النوم «يُحدد مسار اليوم بأكمله»؛ لأنه يساعد الفرد على معرفة عدد ساعات العمل المتاحة أمامه، ما يُسهّل تنظيم المهام بصورة واقعية. وتوضح أن الناس يدركون أن لليوم بداية واضحة، لكنهم غالباً ما يتعاملون مع نهايته على أنها مفتوحة وغير محددة. والحقيقة، كما تقول، أن اليوم له نهاية فعلية، وكل ما نخطط لإنجازه يجب أن يتناسب مع هذا الإطار الزمني، في عملية تشبه ترتيب قطع أحجية بحيث تتلاءم مع المساحة المتاحة.

وتشير فاندركام إلى أنها حددت لنفسها موعداً ثابتاً للنوم عند الساعة الحادية عشرة مساءً منذ سنوات، مؤكدة أن هذا الروتين يمكّنها من اتخاذ قرارات أكثر عقلانية بشأن كيفية استثمار وقتها خلال النهار.

من جانب آخر، توضح راشيل سالاس، اختصاصية طب الأعصاب وأستاذة في جامعة جونز هوبكنز، أن اضطراب النوم قد يؤثر سلباً في إيقاع الساعة البيولوجية، أي النمط الطبيعي للنوم والاستيقاظ في الجسم. وتنصح سالاس بمراقبة الوقت الذي يستيقظ فيه الجسم تلقائياً من دون منبه لبضعة أيام، ثم إجراء تعديلات تدريجية بمقدار 30 دقيقة عند الحاجة للوصول إلى جدول أكثر اتساقاً.

وتشدد سالاس على أن النوم حاجة إنسانية أساسية، وأن تأثيره يمتد إلى مختلف جوانب الصحة، من الإدراك والذاكرة إلى الهضم. وتؤكد أنه من الصعب التفكير في جانب من جوانب الصحة لا يتأثر بجودة النوم وكفايته.

وحسب «مايو كلينك»، يحتاج معظم البالغين إلى نحو سبع ساعات من النوم ليلاً، مع الإقرار بأن احتياجات النوم تختلف من شخص لآخر. وتنصح فاندركام بأنه بعد تحديد عدد الساعات التي تجعلك تشعر باليقظة والنشاط الذهني يومياً، يمكنك استخدام هذا الرقم لتحديد موعد نومك المثالي.

وتختم بقاعدة بسيطة: انظر إلى وقت استيقاظك اليومي، ثم اطرح منه عدد الساعات التي تحتاجها للنوم، لتحصل على موعد نوم واضح وثابت. فتنظيم نهاية اليوم، في نظرها، هو الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة على بدايته.

الرأي


مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
TT

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

في الوقت الذي كانت مصر تتوقع فيه تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجَّرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية في هذا القطاع الحيوي، خصوصاً بعد تحذير أميركا لرعاياها من عدم السفر إلى 14 دولة بمنطقة الشرق الأوسط.

وأعرب خبراء سياحة ومرشدون سياحيون عن مخاوفهم من تأثيرات إلغاء بعض الحجوزات السياحية، خصوصاً من دول غرب ووسط آسيا التي تمر رحلاتها عادة بمنطقة الخليج العربي.

ووفق ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر (جنوب مصر) فإن «الصراع الحالي لا بد أن يكون له تأثير في مصر، وإن كان لم يظهر حتى الآن بشكل واضح، لكن هناك مؤشرات تؤدي لمخاوف من هذه التأثيرات من بينها وضع الولايات المتحدة مصر ضمن 14 دولة حذرت من زيارتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا الآن مجموعات من السائحين الأميركيين من المتوقع أن يكملوا برنامجهم السياحي، ويسافروا لكن بعد التحذير الأميركي أعتقد أن فرص مجيء أفواج أخرى في المدة القليلة المقبلة ستكون ضعيفة».

ونشرت السفارة الأميركية بالقاهرة بياناً على صفحتها بـ«فيسبوك» ذكرت فيه أنه «يجب على الأفراد الذين يخططون للسفر أن يكونوا على استعداد للتغييرات في خططهم؛ حيث قد تحدث إغلاقات في الأماكن الجوية في البلدان المجاورة»، وأكد البيان أنه «نظراً للتوترات العالية في المنطقة، تظل بيئة الأمن معقدة، ويمكن أن تتغير بسرعة».

حركة الطيران بالشرق الأوسط تأثرت بأحداث حرب إيران (وزارة الطيران المدني)

وأشار الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، إلى «تزايد المخاوف في القطاع السياحي المصرى من أن تلقي تداعيات الحرب في إيران بظلالها على مؤشرات الانتعاشة السياحية التي بدأت تتشكل مؤخراً».

وقال الطرانيسي لـ«الشرق الأوسط» إن «إلغاء عدد من السائحين القادمين من شرق آسيا حجوزاتهم بسبب اضطراب حركة الطيران يعكس حساسية القطاع لأي توترات إقليمية حتى إن كانت خارج الحدود المباشرة. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه شركات السياحة تعول على تنوع الأسواق لتعويض سنوات التراجع».

ووجَّه وزير السياحة المصري، شريف فتحي، رسالة طمأنة حول أوضاع السياحة المصرية مع بدء اندلاع الصراع، وقال في كلمة أمام لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب (البرلمان المصري)، قبل يومين، إن «مصر دولة آمنة ومستقرة، وإن التطورات الإقليمية والأحداث الجيوسياسية الحالية التي تشهدها المنطقة لم تؤثر في الحركة السياحية الوافدة إليها».

ولفت رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر إلى أن السوق السياحية الأوروبية تعد مصر بعيدة عن مناطق الاضطرابات، ورغم ذلك فإن التحذير الذي أطلقته أميركا لرعاياها سيؤثر في بقية الأسواق خصوصاً الصينية منها».

وخلال اللجنة البرلمانية التي ناقشت استراتيجية وزارة السياحة للترويج للأنماط المختلفة، وتعظيم فرص الاستثمار السياحي، أكدت النائبة سحر طلعت مصطفى، رئيس لجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب، أنه في ضوء المستجدات الإقليمية الراهنة بالمنطقة، تبرز أهمية تعزيز جاهزية قطاع السياحة للتعامل بكفاءة مع أي تطورات محتملة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الحركة السياحية الوافدة لمصر.

وتعوّل مصر على قطاع السياحة كواحد من أهم مصادر الدخل القومي، حيث حققت في العام الماضي دخلاً يصل إلى 24 مليار دولار، وفق مركز معلومات مجلس الوزراء، وحصلت على جائزة أفضل وجهة تراثية من منتدى السياحة العالمي، وتطمح مصر في جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء، وينتمي الفيلم، الذي حصد تنويهاً من لجنة تحكيم مسابقة «أجيال» بمهرجان «برلين السينمائي» في نسخته الماضية، للأعمال ذات الإنتاج المشترك مع تقديمه بشراكة هندية سنغافورية.

تدور أحداث الفيلم خلال صيف مفصلي في حياة طفل في الحادية عشرة يُدعى «ميفان»، يجد نفسه مُقتلعاً من إيقاع المدينة السريع إلى قرية أجداده البعيدة، حيث الزمن أبطأ، والعلاقات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لنشاهد في افتتاحية الفيلم، صدمة الانتقال لطفل اعتاد على الراحة والسرعة والاتصال الدائم، يُلقى به في فضاء لا يعترف بالعجلة ولا بالمكافآت الفورية.

حصد الفيلم تنويهاً من لجنة التحكيم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

القرية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي عالم مغاير بقوانينه الخاصة، حيث كل شيء يتطلب انتظاراً، وكل علاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل، من هنا، يبدأ الصراع الصامت بين «ميفان» والمحيط الجديد، ويتجسد في علاقته المتحفظة بعمته الشابة «باهي»، وهي علاقة مثقلة بمشاعر غير منطوقة وماضٍ لم يُحسم بعد.

تنسج المعالجة الدرامية خيوطها عبر تفاصيل الحياة اليومية، والذهاب إلى المدرسة، والاحتكاك بأطفال القرية، ومراقبة الحيوانات والطبيعة، والانخراط تدريجياً في روتين يبدو بسيطاً لكنه يحمل دروساً عميقة، فلا يعتمد الفيلم على أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة، بل يراهن على التراكم البطيء للحظات الصغيرة التي تُعيد تشكيل وعي الطفل بذاته وبالآخرين.

العلاقة بين ميفان وعمته تشكل العمود الفقري العاطفي للفيلم، فالتوتر بينهما لا يُحل عبر مواجهات مباشرة، ولكن من خلال صمت طويل يسمح للمشاعر الدفينة أن تطفو تدريجياً إلى السطح، حضور «ميفان» الهادئ داخل المنزل يُعيد فتح جراح قديمة، ويكشف هشاشة الكبار بقدر ما يكشف ارتباك الصغار.

صناع الفيلم خلال حضورهم في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

تطرح المعالجة أيضاً ثنائية لافتة بين العالم الرقمي وإيقاع القرية البطيء، فالطفل «ميفان»، ابن المدينة، يحمل داخله ضجيج التكنولوجيا وتوقعات الإنجاز السريع، بينما تفرض عليه القرية زمناً مختلفاً، بلا شاشات تُكافئه فوراً ولا مقارنات تُحفزه على السباق، هذا الاحتكاك بين السرعة والسكون لا يُدان فيه أي طرف، بل يُقدَّم بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول ما نكسبه وما نخسره حين يتغير إيقاع حياتنا.

تقول مخرجة الفيلم ريما داس لـ«الشرق الأوسط» إن «ليس بطلاً» يمثل بالنسبة لها امتداداً لمسار فني تنشغل فيه دائماً بالطفولة بوصفها مساحة صدق خالص، مشيرة إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من تساؤل بسيط لكنه عميق، وهو ماذا لو لم تكن البطولة مرتبطة بالإنجازات الكبرى أو التحولات الصاخبة؟ وماذا لو كانت البطولة في القدرة على البقاء، والتحمل؟

وأوضحت أن شخصية «ميفان» لم تُكتب على أنها بطل تقليدي، بل هي شخصية طفل يعيش ارتباكه بالكامل، من دون أن يملك أدوات تحليل مشاعره، بل يختبرها كما هي، بعفوية وتناقض، لافتة إلى أن اسم الفيلم «ليس بطلاً» يحمل موقفاً فكرياً واضحاً مرتبطاً بـ«مقاومة لفكرة الانتصار الدائم».

مخرجة الفيلم خلال حديثها في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم قصة نضج تقوم على التغلب أو الفوز، بل على التعلم البطيء، وعلى تقبل الفشل والانتظار والارتباك باعتباره جزءاً طبيعياً من النمو، لافتة إلى أن أكثر أشكال الشجاعة التي تلمسها في الحياة اليومية هي تلك الهادئة، التي لا تُعلن نفسها، بل تظهر في تفاصيل صغيرة متمثلة في الإصغاء، والصبر.

وعن اختيارها السرد من منظور طفل في الحادية عشرة، أوضحت أن الأطفال يرون العالم بلا فلاتر جاهزة، كما أنهم قادرون على احتضان التناقضات من دون الحاجة إلى تبريرها، مشيرة إلى أن «ميفان» لا يحلل مشاعره، بل يعيشها، وهو ما منح الفيلم مساحة لمراقبة علاقات معقدة من دون إصدار أحكام، عبر هذا المنظور الطفولي الذي سمح بأن يظهر الانتماء بوصفه تجربة تُكتسب تدريجياً، وليس مفهوماً يُشرح أو يتم فرضه.

قدم الفيلم جانباً إنسانياً (مهرجان برلين)

وتطرقت إلى حضور التكنولوجيا في الفيلم، مؤكدة أنها لم تكن تسعى إلى إدانتها، بل إلى مراقبة ما يحدث حين يلتقي إيقاع السرعة الرقمية بسكون القرية، مشيرة إلى أن الأطفال اليوم يتعرضون لضغط الضوضاء، والآراء المتدفقة، والمقارنات المستمرة، والمكافآت الفورية، حتى لو لم يدركوا أثر ذلك بشكل واعٍ.

وأوضحت أن الفيلم يحاول عكس هذه الحالة، وطرح سؤال حول ما نفقده وما نكسبه حين يتغير إيقاع الزمن من حولنا، لافتة إلى أن تجربتها في العمل مع الأطفال تغيّرت عبر السنوات، فبعدما كان الأطفال ينصتون إليها باعتبارها المخرجة التي تقود المشهد في تجاربها السابقة، أصبحت اليوم تشعر بأنها مطالبة بالإنصات إليهم أكثر، لأن عالمهم تغيّر، وأصواتهم باتت تحمل وعياً مختلفاً.