لم تفاجأ الحكومة المكسيكية يوم الجمعة الماضي عندما أعلن زعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو رفضه المشاركة في اجتماع «الدول المحايدة» الذي دعت إليه المكسيك والأوروغواي في السابع من هذا الشهر لمناقشة الوضع في فنزويلا. لم تُفاجأ لمعرفتها بأن الأزمة خرجت منذ فترة من إطارها الإقليمي ودخلت نفق التدويل الواسع بعد قرار الإدارة الأميركية الاعتراف بشرعية «الرئيس بالوكالة»، كما لم تبذل أي جهد لإقناع الرئيس الفنزويلي «بالوكالة» للعدول عن موقفه، لعدم رغبتها في فتح مواجهة مع واشنطن في مستهل العهد «اليساري» للرئيس الجديد مانويل لوبيز أوبرادور الذي تنتظره ملفات شائكة على طاولة العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة.
قال مصدر دبلوماسي مكسيكي معني بالملف الفنزويلي لـ«الشرق الأوسط»، إن الخطوة الأخيرة التي أقدمت عليها الإدارة الأميركية عندما أعقبت قرار الاعتراف بغوايدو بحزمة من العقوبات القاسية على قطاع النفط الذي يعتمد عليه نظام مادورو بشكل شبه كلي للصمود في وجه العزلة المتزايدة التي يتعرّض لها، هي ثمرة جهود متواصلة بدأها فريق مقرب من نائب الرئيس مايك بنس منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، لكنها لم تدخل مرحل التفعيل إلا بعد تنحية المعتدلين وفتح الأبواب أمام الصقور لإدارة السياسة الخارجية مع جون بولتون في مجلس الأمن القومي ومايك بومبيو في وزارة الخارجية.
وذكر المصدر المكلف إدارة الوساطة المكسيكية في الأزمة الفنزويلية، أنه في 21 يناير (كانون الثاني) الماضي استدعى البيت الأبيض عضو مجلس النواب ماريو دياز وعضو مجلس الشيوخ ماركو روبيو لمقابلة الرئيس ترمب في اليوم التالي لمناقشة الوضع في فنزويلا مع فريق الأمن القومي. ومعروف أن دياز وروبيو، المتحدرين من أصل كوبي، يضغطان علناً على الإدارة الأميركية لتعديل الاتفاق الذي وقّعته إدارة باراك أوباما مع كوبا، ولإدراج نظام مادورو على لائحة الدول المموّلة للإرهاب التي تقتصر حالياً على إيران وكوريا الشمالية والسودان وسوريا.
بعد ذلك الاجتماع بيوم واحد، أعلن رئيس البرلمان الفنزويلي خوان غوايدو توليه رئاسة الجمهورية بالوكالة، لتسارع واشنطن بعد ساعات إلى الاعتراف به وعقبتها كندا وأستراليا ثم معظم الدول الوازنة في أميركا اللاتينية، باستثناء المكسيك والأوروغواي، مطالِبة مادورو بالرحيل فوراً، فيما كانت واشنطن تحذّر من أن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة».
ويُذكّر المصدر المكسيكي بأن بداية التحوّل في الموقف الأميركي تعود إلى مطلع عام 2017 بعد وصول الإدارة الجديدة إلى البيت الأبيض، عندما جمع نائب الرئيس مايك بنس فريق الأمن القومي وكلفه بوضع خارطة طريق حول الأزمة الفنزويلية، واجهت خطواتها التنفيذية عقبات كثيرة لاحقاً بسبب البيروقراطية في وزارة الخارجية، وعدم تحمّس الوزير آنذاك ريكس تيلرسون للمواقف المتشددة في معالجة الأزمة. لكن بعد تعيين جون بولتون مستشاراً للأمن القومي ومايك بومبيو في وزارة الخارجية، حدث تغيير جذري في موقف واشنطن تزامن مع وصول اليمين إلى الحكم في كولومبيا والبرازيل، ومع تدهور خطير في الوضع المعيشي واستياء شعبي كبير في فنزويلا، بحيث تجمّعت كل العناصر اللازمة لهبوب العاصفة. ويضيف المصدر أن بولتون يعتمد في معالجة الملف الفنزويلي على مستشار متشدد من أصل كوبي هو ماوريسيو كلافير الذي ينتمي إلى إحدى العائلات النافذة في المنفى، وتربطه صلة قرابة بالزوجة الأولى لفيديل كاسترو. ويشرف كلافير على فريق عمل لبولتون لعب دوراً حاسماً في لمّ شمل المعارضة الفنزويلية المشتّتة، والذي كان أحد الشروط الأساسية للتحوّل في موقف واشنطن التي رأت أن تجمّع كل هذه الظروف يشكّل فرصة لن تتكرّر لإسقاط نظام مادورو قبل أن تتحوّل فنزويلا إلى كوبا كاسترية ثانية.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، توجّه غوايدو إلى واشنطن حيث عقد سلسلة من الاجتماعات مع قياديين من المعارضة ومع لويس آلماغرو الأمين العام لمنظمة البلدان الأميركية للبحث عن «منافذ دستورية» لمواجهة إصرار مادورو على تولي الرئاسة لولاية ثانية. ثم توجّه إلى العاصمة الكولومبية بوغوتا للمشاركة في اجتماع «فريق ليما» المكلف بمعالجة الأزمة الفنزويلية، الذي يضمّ 14 بلداً رفضت جميعها، باستثناء المكسيك، الاعتراف بنظام مادورو. تلك كانت خطوة هامة بالنسبة لواشنطن التي اعتبرت أن ثمة كتلة كبيرة من دول أميركا اللاتينية مستعدة للسير وراءها، ثم جاءت الخطوة الكندية التي اعتبرتها واشنطن «كفالة معنوية» لهجومها على نظام مادورو، نظراً لكون كندا من الدول المتحمسة في تأييدها لمبدأ «التدخل الإنساني» في الأزمات.
ويقول المصدر المكسيكي إن التهديد الأميركي بالتدخل العسكري في فنزويلا ليس بجديد، إذ سبق للرئيس ترمب أن غرّد على حسابه في صيف عام 2017 بعد استقباله زوجة المعارض الفنزويلي المعتقل ليوبولدو لوبيز، العرّاب السياسي لغوايدو، قائلاً: «لا أستبعد الحل العسكري. فنزويلا جارتنا ولدينا قوات في كل أنحاء العالم، والشعب هناك يعاني كثيراً».
ولا يخفي المسؤولون المكسيكيون خشيتهم من التصعيد الأخير في هذه الأزمة، ويتخوّفون من تحوّلها إلى حرب أهلية مفتوحة، مُذكرين بالدور الذي لعبه جون بولتون في حرب العراق عام 2003، وتصريحاته منذ شهرين عندما تحدّث عن «ترويكا الطغيان» في هافانا وكاراكاس وماناغوا، وعن «مثلث الرعب الذي يتسبب بمعاناة إنسانية كبيرة ويزعزع الاستقرار الإقليمي ويشكّل حاضنة لولادة الشيوعية مجدداً في المنطقة»، وتمنياته بأن «تسقط كل زوايا هذا المثلث حتى ينهار كلياً».
المكسيك لم تفاجأ بتصعيد الأزمة الفنزويلية وتخشى «حرباً أهلية مفتوحة»
صورة نشرتها الرئاسة الفنزويلية لمادورو وهو يحيي أنصاره في كراكاس أول من أمس (أ.ف.ب)
المكسيك لم تفاجأ بتصعيد الأزمة الفنزويلية وتخشى «حرباً أهلية مفتوحة»
صورة نشرتها الرئاسة الفنزويلية لمادورو وهو يحيي أنصاره في كراكاس أول من أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
