مشادات كلامية بين أعضاء مجلس النواب ورئيس أركان الجيش الليبي

سكان في طرابلس لـ («الشرق الأوسط») : سقوط قتلى وجرحى في تصاعد للاشتباكات بين الميليشيات في منطقة المطار

جلسة استماع مجلس النواب لرئيس أركان الجيش الليبي في طبرق أول من أمس («الشرق الأوسط»)
جلسة استماع مجلس النواب لرئيس أركان الجيش الليبي في طبرق أول من أمس («الشرق الأوسط»)
TT

مشادات كلامية بين أعضاء مجلس النواب ورئيس أركان الجيش الليبي

جلسة استماع مجلس النواب لرئيس أركان الجيش الليبي في طبرق أول من أمس («الشرق الأوسط»)
جلسة استماع مجلس النواب لرئيس أركان الجيش الليبي في طبرق أول من أمس («الشرق الأوسط»)

بينما واصل مجلس النواب الليبي مناقشة الوضع الأمني والعسكري في البلاد، كشفت وزارة الخارجية الليبية أمس النقاب عن أن وفد الأمم المتحدة الزائر أبدى استعدادها لإرسال مراقبين دوليين لمراقبة وقف القتال، وتحديد الجهات التي تستهدف المدنيين في الأحياء السكنية والتي أدت إلى نزوح الآلاف من سكان العاصمة إلى مناطق آمنة.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن مصدر بوزارة الخارجية الليبية قوله إن الوفد بدأ مشاورات مع الأطراف المتقاتلة في العاصمة طرابلس من أجل التوصل لوقف إطلاق النار، وإيجاد آليات تنفيذه، مشيرا إلى أن رئيس الوفد ولد الشيخ أحمد الذي يشغل أيضا منصب المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية في ليبيا يركز اهتمامه خلال هذه المهمة على تقييم الوضع الإنساني في مدينة طرابلس والأضرار التي ترتبت على القتال المستمر منذ زهاء الشهر، ومعاناة السكان واحتياجاتهم وظروفهم المعيشية الصعبة في ظل نقص الوقود والمواد الغذائية في البلاد، وظروف النازحين من جراء هذا القتال.
لكن الميليشيات التي تتصارع للسيطرة على مطار طرابلس الدولي لم تتوقف أمس في المقابل عن تبادل القصف فيما بينها في منطقة محيط المطار، حيث أبلغ رامي كعال، الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية الليبية، أن القصف استمر أمس بالأسلحة الثقيلة في طريق المطار، مشيرا إلى عدم توفر أي إحصائيات رسمية تفيد بسقوط ضحايا أو تحدد حجم الأضرار الناتجة عن هذه الاشتباكات.
وقال سكان في العاصمة لـ«الشرق الأوسط» إن القصف العنيف تواصل منذ صباح أمس بشكل متقطع، بالإضافة إلى اندلاع اشتباكات بين الميليشيات التي حولت منطقة المطار إلى ساحة قتال حقيقية للأسبوع الرابع على التوالي من دون توقف.
وتحدث السكان عما وصفوه بكارثة إنسانية في عدة أحياء سكنية نتيجة القصف العشوائي باستخدام صورايخ غراد وقذاف الهاون، خاصة في أحياء الأكواخ والسراج وجنزور.
وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط»: «القصف لم يتوقف علي محيط طريق المطار، وثمة هجوم على حي الأكواخ بالأسلحة الثقيلة». فيما قالت مواطنة أخرى: «صاروخ سقط في منطقة الهضبة الشرقية على منزل ومات طفل، وتم أيضا قصف محطة وقود الطيران ما أدى لحدوث انفجار». وأضافت: «اليوم (أمس).. القصف مستمر منذ الصباح ونسمع انفجارات، أكيد هناك كوارث».
ورغم تأكيد السكان ورود أنباء عن سقوط قتلى وجرحى، فإن السلطات الرسمية الليبية لم تصدر أي إحصائيات رسمية.
كما سقطت عدة قذائف على منازل بمنطقة القادسية بغوط الشعال مساء أول من أمس، ما أدى إلى أضرار جسيمة دون حدوث إصابات بشرية، وفقا لشهود عيان في المنطقة، فيما رصدت وكالة الأنباء الرسمية نزوح ومغادرة عدد من المواطنين الذين تضررت منازلهم، المنطقة، تحسبا لوقوع صواريخ أخرى، إلى مناطق آمنة.
بموازاة ذلك، وفي إشارة واضحة باعترافها بمجلس النواب الليبي الذي يتخذ من أحد فنادق مدينة طبرق بأقصى شرق ليبيا، مقرا له، أوفدت السلطات المصرية وفدا دبلوماسيا التقى مساء أمس مع صالح عقيلة رئيس المجلس طبقا لما أكدته مصادر مقربة من المجلس لـ«الشرق الأوسط».
واستغل سامح شكري وزير الخارجية المصري اجتماعه أمس مع ديفيد ساترفيلد مدير عام القوة متعددة الجنسيات والمبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، للتأكيد على حرص مصر على تحقيق تطلعات الشعب الليبي في بناء دولته الحديثة بما يصون وحدة التراب الليبي، مشيرا إلى ترحيب مصر بإجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة في ليبيا وانعقاد أولى جلسات مجلس النواب في مدينة طبرق.
كما أعرب شكري، وفقا لبيان أصدره مكتبه، عن أمله في أن ينجح المجلس في تشكيل حكومة وطنية في أقرب وقت ممكن لاستكمال خطوات بناء باقي مؤسسات الدولة، مؤكدا على ضرورة استمرار التنسيق الكامل من جانب المجتمع الدولي مع دول الجوار الجغرافي لليبيا باعتبارها المعنية في المقام الأول بتحقيق الاستقرار هناك.
ولفت البيان إلى أن المسؤول الأميركي أعرب عن اهتمامه البالغ للاستماع إلى الرؤية المصرية للوضع في ليبيا، آخذا في الاعتبار الدور الإقليمي المحوري لمصر واعتبارها أحد أهم دول الجوار الجغرافي لليبيا.
في غضون ذلك، عقد مجلس النواب الليبي أمس جلسة مغلقة خصصها للاستماع إلى اللواء عبد السلام العبيدي رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، ومساءلته حول أحداث الاقتتال الجاري في عدة مناطق ليبية.
وقال فتح الله السعيطي عضو المجلس النواب إن العبيدي أقر خلال الجلسة بأنه عاجز عن إصدار أوامره بوقف إطلاق النار، وأن القوات المهاجمة لمطار طرابلس لا تتبعه، مؤكدا أن الجيش الليبي على وشك الانهيار.
وقال النائب إن أعضاء المجلس دخلوا في مناقشات حامية مع العبيدي ووجهوا له كلمات شديدة اللهجة وحملوه مسؤولية كل ما يحدث في ليبيا من انتهاكات وتعدٍّ على أملاك الدولة وأملاك الشعب الليبي.
وقال أعضاء آخرون إن العبيدي اعترف أيضا بمسؤوليته عن تزويد ميليشيات مسلحة لا تتبع الجيش بالذخيرة.
وكان يفترض أن يستمع المجلس لاحقا إلى كل من سالم الحاسي رئيس المخابرات، وعبد الله الثني رئيس الحكومة الانتقالية، بعدما قدم عدد من وزراء الحكومة معلومات مفصلة عن الوضع الأمني في البلاد والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمعالجة تداعيات هذا الوضع، كما استعرض المجلس المشاكل والصعوبات التي تواجه الوزارات في أداء عملها بتقديم الخدمات للمواطنين والتخفيف من مضاعفات الأزمة الإنسانية التي تواجهها بعض المناطق في ليبيا.
وكان الثني قد طالب عناصر الجيش الليبي بضرورة الالتزام بالضوابط والقوانين العسكرية، والاعتزاز به وبالانتماء إليه لحماية الوطن وحدوده.
وأكد الثني في كلمة ألقاها بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لتأسيس الجيش تحت قيادة العاهل الليبي الراحل إدريس السنوسي، على ضرورة مشاركة أفراد الجيش لضباط وأفراد الشرطة من أجل إرساء دعائم الأمن والاستقرار في ربوع ليبيا.
وأشاد الثني بتاريخ الجيش الليبي الذي استطاع إبان تأسيسه ورغم قلة الإمكانيات المادية والبشرية أن يساهم في تحرير ليبيا من الاحتلال الإيطالي ويصبح جيشا يمثل كل مناطق ليبيا ويجمعهم جميعا تحت راية الوطن، معربا عن أسفه لما يحدث الآن بعد مرور هذه السنوات الطويلة من هدم لهذا الصرح العظيم، واعتداء على هيبته، وتغيير لولائه وانتمائه.
من جهتها، دعت وزارة الداخلية الليبية أمس رؤساء الأجهزة والمصالح ومديري الإدارات العامة ومديري الأمن ومن في حكمهم كافة إلى ضرورة الوجود بمقار أعمالهم والالتزام بتنفيذ مهامهم الوطنية.
وشددت الوزارة في بيان لها على ضرورة دعوة عناصرها للالتحاق بأعمالهم واتخاذ ما يلزم من إجراءات تضمن استمرارهم في أداء واجباتهم تجاه أمن الوطن والمواطن، محذرة بتحويل كل من يتخلف للمحاكمة التأديبية.
وفى بنغازي بشرق البلاد، نفى العقيد علي العمامي مدير الأمن الوطني لمنفذ بنغازي البحري وصول أي تهديد بضرب الموانئ من قبل السلاح الجوي التابع لقوات اللواء المتقاعد حفتر، مؤكدا أن المنفذين البحريين «الرئيسي» و«جليانة» يعملان بصورة طبيعية. ولفت إلى أن الحركة خفت عن ذي قبل بسبب الأحداث الجارية بالمدينة، وخوف بعض الدول على رعاياها، مؤكدا ترحيل 383 فردا من الجالية الهندية إلى بلادهم تحت إشراف إدارة الجوازات وبمساعدة الهلال الأحمر الليبي.
وكان العقيد محمد حجازي الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الوطني قد أعلن إغلاق ميناء بنغازي البحري واستهداف أي قطعة بحرية تقترب منه اعتبارا من أول من أمس لأنه تحت سيطرة ما يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي» التابع للجماعات المتطرفة في المدينة.
وهدد حجازي باستهداف أي قطعة بحرية أو أي جسم يتحرك في المياه الإقليمية بالقرب من بنغازي بالطائرات، مطالبا مصلحة الموانئ بنقل کل سفنها إلى ميناء طبرق البحري، حتى لا يجري استخدامها من قبل المجموعات وتصبح بهذا هدفا مشروعا لقواتهم.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.