رايت: هاتفني أحد أقارب الظواهري فتجسست عليَّ الـ {اف.بي.آي}

الصحافي الأميركي أحد أبرز خبراء مكافحة الإرهاب أكد لـ {الشرق الأوسط} وجود يأس كبير بين المسلمين في الغرب يدفع أبناءهم إلى التطرف

لورانس رايت أمام مقر دار الصحافة العربية في العاصمة لندن (تصوير: جيمس حنا)  -  لورانس رايت
لورانس رايت أمام مقر دار الصحافة العربية في العاصمة لندن (تصوير: جيمس حنا) - لورانس رايت
TT

رايت: هاتفني أحد أقارب الظواهري فتجسست عليَّ الـ {اف.بي.آي}

لورانس رايت أمام مقر دار الصحافة العربية في العاصمة لندن (تصوير: جيمس حنا)  -  لورانس رايت
لورانس رايت أمام مقر دار الصحافة العربية في العاصمة لندن (تصوير: جيمس حنا) - لورانس رايت

يعتقد لورانس رايت الصحافي الأميركي الكاتب في مجلة «نيويوركر» المتخصص في الكتابة عن «القاعدة» ومؤلف كتاب «البروج المشيدة.. (القاعدة) والطريق إلى 11 سبتمبر» أن «داعش» لن تختفي من المشهد السياسي بسهولة، ويتميز رايت باللقطة الصحافية، فقد استمد عنوان كتابه الأشهر من الآية القرآنية «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة» التي جاءت في رسالة بن لادن لمحمد عطا زعيم الانتحاريين في هجمات سبتمبر، وكان يقصد بها استهداف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.. كانت تلك إجابة الكاتب الأميركي رايت في حواره لصحيفة «الشرق الأوسط» حول سبب اختياره لعنوان كتابه الشهير «البروج المشيدة»، وقال رايت، إن بن لادن استخدم تلك الرسالة شفرة ملغزة تطلب من عطا أن يمضي في خطته المرسومة، مشيرا إلى استهداف برجي التجارة بنيويورك في سبتمبر 2011.
أمضى رايت 35 عاما من حياته المهنية في البحث وراء شخصية أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، وأجرى مقابلات مع أكثر من 500 شخص من أصدقاء وأقارب بن لادن ومسؤولين في 20 دولة، وخرج إلى العالم قبل ست سنوات بكتابه الذي حصل على جائزة «بوليتزر» (أرقى الجوائز الأميركية في الصحافة)، وعندما جاء إلى دار الصحافة العربية في العاصمة لندن قبل أيام، تحدث عن مسرحيته الأخيرة «كامب ديفيد»، التي عُرضت في الولايات المتحدة وحققت نجاحا على مدار ستة أسابيع متواصلة، وحضر عرضها الافتتاحي الرئيس الأسبق كارتر وزوجته وجيهان السادات قرينة الرئيس المصري الراحل.
وقال رايت: «كان الجميع يعتقد أنه كان رجلا ضعيفا ولن يستمر طويلا. سيبقى لوقت قصير حتى يأتي رئيس آخر قوي مكانه. ولكن السادات قلب الموازين. أثبت أنه الرئيس القوي»، وجاء معه الحوار على النحو التالي:

* لماذا يصبح من السهل على بعض المسلمين، أمثال أبو هريرة الأميركي والمتطرفين في بريطانيا وآسيا، التحول إلى مقاتلين؟
- أعتقد أن بعضا منهم، وخاصة في أوروبا، يجدون مجتمعات تضم جماعات ذات انتماء عرقي أو ديني مميز. في أميركا المجتمع أكثر اختلاطا. في أوروبا تجد جميع الأتراك يعيشون في ألمانيا وهكذا، بذلك يصبح لديك جاليات مختلفة من المسلمين الذين لا يتحدثون بلغة الدولة التي يعيشون بها جيدا أو لا يتحدثون بها على الإطلاق. على سبيل المثال، إذا كان شاب مسلم يعيش في بلجيكا أو فرنسا حيث توجد جالية مسلمة كبيرة، قد لا يتحدث الفرنسية أو الألمانية أو الهولندية، وربما أيضا لا يتحدث العربية جيدا. كذلك من الممكن أنه لم يزر مطلقا المغرب أو الجزائر موطنه الأم، لذا يكون تائها ويصبح دينه هو هويته، وكلما ازداد تطرفا نما لديه شعور بامتلاك الهوية. ولكني أعتقد أن هناك يأسا كبيرا داخل كثير من الدول المسلمة وفي الشتات الذي نراه بين المسلمين في الغرب، حيث يسري شعور بأنهم لم ينجحوا أو لم يتأقلموا، وأعتقد أن هذا يولّد نوعا من اليأس الانتحاري الذي نراه بين الشباب الذين يقتلون أنفسهم الآن.
* ما الجماعة الأخطر؛ «داعش» أم «النصرة» أم «القاعدة»؟
- في تقديري، الأمر الخطير بالفعل هو عدم وجود بديل، لأن كل من تلك الجماعات خطيرة، ولكنها لا تواجه مقاومة بالطريقة التي تحتاج إليها تلك الثقافات من أجل حماية ذاتها من داء التطرف. لا توجد حصانة كافية في العالم العربي والإسلامي في الوقت الراهن. يتنافس كل من تنظيمي «داعش» و«القاعدة» على الاستحواذ على أراضٍ تمتد من روسيا إلى المغرب. وأحيانا ما تجد التنظيمين موجودين على أرض دولة واحدة، وأحيانا أخرى في دول مختلفة، ولكن يجذب تنظيم «داعش» كثيرا من الشباب الذي يرغبون في الإيمان بفكره.
* متى تتوقع أن تختفي هذه الجماعات؟ بعد عشر سنوات أو 20 سنة؟
- لا أدري. لكي أكون صريحا ظننت أن هذا سوف يحدث بحلول الوقت الحالي، ولكن ثبت أنه أكثر قدرة على الاستمرار مما ظننت، وأعتقد أن ذلك يرجع إلى أن السبب الذي أدى إلى ظهور هذه الجماعات لم يتغير، وحتى تتخذ المجتمعات التي ظهرت بها تلك الجماعات بعض الإصلاحات وتحقق بعض التقدم، فسوف نستمر في مشاهدة التطرف وهو يخرج عبر الحدود.
إضافة إلى ذلك، كانت معلومات متناقضة ترد من أميركا بشأن «القاعدة» ومسلحيها، وأخبار عن أشخاص تقتلهم طائرات من دون طيار، ثم يتضح أنهم أحياء.
أعتقد أننا نبالغ باستمرار في تقدير حجم إمكانياتنا الاستخباراتية، وقد ثبت مرارا وتكرارا أننا لا نعلم الكثير عن الصراعات التي نخوضها.
* بعد كتابة العديد من المقالات والكتب، هل أصبحتَ تعرف كل شيء عن «القاعدة»؟
- لا، بالتأكيد لا أعرف، وكل شيء يتغير باستمرار كما ترى ما يحدث أمامنا.
* كم عدد الأشخاص الذين يتحدثون العربية في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أو مكتب التحقيقات الفيدرالية؟ وما قدراتهم اللغوية؟
- تمثل اللغة مشكلة حقيقة. لا أعرف ما إذا كان ذلك تغيرا، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر كان هناك عدد قليل ممن يجيدون التحدث بالعربية أو الأوردية أو الفارسية أو غيرها من أصحاب اللغة الأصليين. يوجد عدد كبير منهم في الولايات المتحدة، وكل من هؤلاء الناطقين بلغاتهم الأصلية لديه جالية كبيرة، ولكن لا يثق بهم مجتمع الاستخبارات الأميركي. أحد الأبطال الذين تحدثت عنهم في كتابي اسمه علي سفيان، وهو مولود في بيروت ويتحدث العربية وهي لغته الأم، ولكني في الوقت الحالي لا أدري إن كان يستطيع الحصول على الوظيفة في مكتب التحقيقات الفيدرالية في ظل التحيز ضد الأميركيين المولودين في الخارج، ولكن ذلك يلحق بنا ضررا. بالتأكيد لا أعرف، وكل شيء يتغير باستمرار كما ترى ما يحدث أمامنا.
* هل أصبح الغرب أكثر معرفة بالمسلمين والإسلام في الوقت الحالي؟
- نعم، بالطبع، انظر إلى لندن، عندما بدأت في المجيء إلى هنا مراسلا شابا، لم أكن أرى سيدة واحدة محجبة، والآن نراهم في كل مكان، لذلك يعرفهم الناس جيدا، ويرجع الأمر في الغالب إلى اضطرار عدد كبير من المسلمين إلى الفرار من بلدانهم والسعي إلى الإقامة في الغرب. تسبب ذلك في إثارة توترات كثيرة، ولكنهم في المقابل جاءوا إلى مناطق يمكنهم الحصول على عمل بها، في حين أنهم لا يستطيعون العمل في أوطانهم، وهم هنا أكثر حرية في أن يكونوا كما يريدون. وربما يؤثر ذلك في النهاية على سكان الدول التي غادروها.
* من وجهة نظركم.. هل يمكن أن تختفي جماعة الإخوان المسلمين نهائيا من مصر؟
- أولا وقبل أي شيء، ازدهرت جماعة الإخوان لأنها كانت السبيل الوحيدة أمام كثير من المصريين للاحتجاج ضد الحكومة، ثم نشأ مزيد من الحركات الراديكالية بعد ذلك، انظر مثلا إلى الظواهري الذي كان يكره «الإخوان». كانت هناك حكومة، ثم تظاهر الإسلاميون ضدها، وكانوا الوحيدين الذين يملكون الجرأة للوقوف ضدها. كانت «الإخوان» جماعة سرية وصلت إلى الحكم ولكنها الآن عادت إلى العمل تنظيما سريا مرة أخرى، بعد عزل الرئيس محمد مرسي. إذا تخلصت من الإخوان المسلمين، وإذا كانت لديك حكومة استبدادية ومتطرفون فقط، من دون وجود الإخوان المسلمين في المنتصف، أعتقد أنك سوف تشهد ارتفاعا في أعداد المتطرفين.
* هل سيُغلق معتقل غوانتانامو يوما ما؟
- يجب أن يُغلق يوما ما. لقد مر على وجوده وقت طويل للغاية، وأصبح يمثل عقبة سياسية، ولم يعد هناك سبب حقيقي جيد لعدم الانتهاء من توزيع هؤلاء المحتجزين الذين لا سبب لوجودهم هناك، ثم محاكمة الآخرين.
* ما أصعب موقف واجهته في حياتك المهنية؟ هل استشعرت يوما بسبب طبيعة عملك أنك تحت رقابة الأجهزة الأمنية؟
- أول مرة ألحظ أن اتصالاتي الهاتفية كانت مراقبة من خلال مصدر لي في محطة «أليكس»، وهي محطة افتراضية لمتابعة ورصد تحركات بن لادن، وكانت مشتركة ما بين الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي. وقتها تلقيت اتصالا من أحد أقارب الظواهري يطلب مني معرفة ما إذا كانت بناته أحياء أم لا، لأنهم لم يكونوا يعلمون عنهن شيئا. وسألني القريب إذا كنت أستطيع البحث عن الأمر، فأخبرته أنني أستطيع أن أسأل، فاتصلت بعميل مسؤول عن ملف الظواهري في مكتب التحقيقات الفيدرالية، الذي أخبرني بوفاتهن، وهي معلومة خاطئة. فاتصلت بالقريب وأخبرته آسفا بأن بنات الظواهري توفين بعد ضربة «درون» في الشريط القبلي، وتسببت في حزن هؤلاء الأقارب من دون داعٍ. بعد فترة، كنت أتحدث مع مصدري في محطة بن لادن، وأخبرته أنني قمت بتلك المكالمة المؤسفة، فقال لي: «نعم، لقد رأيت نصها على جهازي منذ فترة». ظننت على الفور أن المصريين يراقبون عائلة الظواهري، ثم يمررون المكالمات الهاتفية إلى الاستخبارات الأميركية أو ما إلى ذلك من تفسيرات. هذا ما حدثتني نفسي به، ولكني بعد عدة شهور تلقيت اتصالا من مكتب التحقيقات الفيدرالي في أوستن حيث أقطن، يطلب فيه فريق عمل في مكافحة الإرهاب مقابلتي. كنت قد تحدثت مع مكتب التحقيقات الفيدرالي من قبل لأقدم لهم خلفية عن تاريخ «القاعدة» وما إلى ذلك، لهذا ظننت أن الأمر يتعلق بشيء من هذا القبيل. وعندما جاءوا إلى منزلي، كان شخص منهم يحمل حقيبة صغيرة فتحها، وأخرج منها بعض المواد، وبدأ يسألني: «هل تعرف.. ثم ذكر رقما». قلت إن ذلك الرقم يبدو في لندن. فنظرت إلى جهاز الكومبيوتر لدي ووجدت أنه رقم غاريت بيرس، المحامية التي تدافع عن كثير من الجهاديين الذين كنت أتحدث إليهم. كان الأمر متعلقا بطبيعة المحادثات التي أجريها مع عملائها، وكانت تطلب مني ألا أتحدث مع عملائها. لم تكن تريدني أن أتحدث مع أي منهم، ثم سألوني من هي كارولين رايت، فقلت إنها ابنتي. كانوا يعتقدون أنها الشخص الذي يجري هذه الاتصالات الهاتفية، وبدأت أفكر بشأن كيفية عمل مكتب التحقيقات الفيدرالية. إنهم يرسمون روابط متصلة، يرسمون في النهاية خطوات كثيرة ويقولون: «إنك تبعد عن تنظيم القاعدة بثلاث خطوات»، إذن فأنت داخل الدائرة، وسوف نضعك على قائمة الممنوعين من السفر، وإلا فسوف نتعقبك. قلت لهم: كيف وصلتم إلى اسم ابنتي، واسمها ليس مسجلا على هواتفي، وأدركت أنه لا بد أنهم يتنصتون على مكالماتي. وبمجرد أن بدأت في التساؤل عن ذلك وجدتهم قد أغلقوا الحقيبة الصغيرة وغادروا المنزل. ثم بدأت التفكير من جديد في الاتصال الهاتفي الذي جرى مع عائلة الظواهري، واتصلت بمصدري مرة أخرى، وسألته: هل كان ما قرأه «نصا لمحادثتي أم موجزا». وفي ذلك اختلاف مهم، نظرا لأنه في الولايات المتحدة، إذا كان مواطن أميركي متورطا في محادثة، فليس من المفترض أن تكشف عن هويته. لذلك تشير حقيقة أنهم حددوا هويتي إلى أمر ما. بالإضافة إلى ذلك، تقدم «ناسا» ملخصات بالمحادثات التي تجري فقط وليس نصا لها، وقد قال لي المصدر إنه قرأ الملخص، لذلك كان من الواضح أن «ناسا» تتنصت على مكالماتي. كانت هذه هي التجربة التي مررت بها، وانتابتني مشاعر مختلطة بشأنها، لأنهم خلطوا بين كل الأمور. يمكنني أن أتفهم تصورهم لأني على اتصال بأشخاص من «القاعدة»، وأني أود أن أتحدث مع أشخاص في «القاعدة»، فهذا هو عملي، وذلك هو عملهم.
* ما عدد المسرحيات التي كتبتها حتى اليوم.. وهل حققت «كامب ديفيد» النجاح المرجو؟
- كامب ديفيد، تدور المسرحية عن قمة 1978 التي جمعت بين جيمي كارتر وبيغن وأنور السادات وهؤلاء هم شخصيات المسرحية، بالإضافة إلى روزفلت وكارتر وزوجة جيمي كارتر. تتعلق المسرحية بثلاثة رجال يتميزون بأنهم شديدو التدين، اجتمعوا معا وأبرموا معاهدة السلام الوحيدة الدائمة في الشرق الأوسط، وتدور المسرحية عن كيفية حدوث ذلك.
استمر عرض المسرحية لمدة ستة أسابيع، وفي ليلة الافتتاح جاء الرئيس كارتر وزوجته وزوجة السادات. كنت أشعر بالقلق، لأن كارتر لم يكن قد قرأ المسرحية، ولم أعرف ما إذا كانت ستعجبه أم لا. كان ممثلو المسرحية يجدون الرئيس والشخصيات التي يؤدون أدوارها تجلس في الخارج وسط الجمهور، وبعد أن أسدل الستار، صعد الرئيس كارتر وزوجته وزوجة السادات على خشبة المسرح، واحتضنوا جميع الممثلين. وذهبت زوجة السادات إلى رون ريفكين، الذي أدى دور بيغن لتحيته وهي تناديه باسم «بيغن»!



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».