رولان بارت وموت البنيوية!

سيرته هي سيرة جيل بأكمله ومرحلة بأسرها

جان بول سارتر  -  ميشال فوكو
جان بول سارتر - ميشال فوكو
TT

رولان بارت وموت البنيوية!

جان بول سارتر  -  ميشال فوكو
جان بول سارتر - ميشال فوكو

صدرت أخيراً عن رولان بارت أضخم سيرة ذاتية حتى الآن: 715 صفحة من القطع الكبير. ومن كثرة ما طنطنوا بها وتحدثوا عنها طلبتها من مكتبة الألفية الثالثة الواقعة مقابل البرلمان تقريباً في وسط الرباط العامرة. فجلبوها لي بعد فترة قصيرة. من ميزات هذا البلد الجميل أنك تستطيع أن تحصل فيه على الكتب العربية والفرنسية في آن معاً. إنه بلد الانفتاح والتسامح وتلاقح الأفكار والحضارات وليس بلد الانغلاق والتعصب والجهل. إنه وريث الحضارة الأندلسية التي أشعت على العالم يوماً ما ووصلت بالعبقرية العربية الإسلامية إلى الذروة. لقد أمضيت وقتاً ممتعاً مع رولان بارت، إذ إن سيرته هذه شغلتني لعدة أيام متوالية ولا تزال. وأكاد أقول إنني قرأت سيرتي الذاتية أيضاً من خلال سيرته. فنحن الطلبة السوريين أو العرب الذين وصلوا إلى فرنسا في أواسط السبعينات من القرن الماضي لم نجد أمامنا تقريباً إلا رولان بارت وميشال فوكو. كانا آنذاك في أوج مجدهما. وكانت البنيوية تشغل الساحة كلياً من خلالهما. أما سارتر فكان على وشك الغروب. فقد مات عام 1980 بعد 4 سنوات من وصولي إلى العاصمة الفرنسية.
وبالتالي كان شريط الذكريات الباريسية يتوالى أمام عيني أو في ذاكرتي وأنا أقرأ هذه السيرة الضخمة التي هي سيرة جيل بأكمله ومرحلة بأسرها. بقي أن نقول إن مؤلفتها هي الباحثة تيفين سامويولت الأستاذة في جامعة السوربون الجديدة، باريس الثالثة. وهي الجامعة ذاتها التي تخرجت منها أنا شخصياً عام 1981 ونلت شهادة الدكتوراه عن اتجاهات النقد العربي الحديث بين عامي 1950 - 1975. باختصار كنت في بيتي إذا جاز التعبير أو في مناخي النفسي وأنا أتصفح هذا الكتاب. كانت ذكرياتي الشخصية تختلط بوقائع الكتاب ذاته. لا أزال أتذكر ببعض اللوعة والدهشة كيف صدمتني البنيوية آنذاك. بدت لي جافة، قاحلة، أكثر من اللزوم. لحسن الحظ، فإن بارت لم يتوقف عند المرحلة البنيوية وإنما تجاوزها ككل كاتب نابغ يعرف معنى الأدب و«متعة النص» إذا استعرنا أحد عناوين كتبه. تفتتح المؤلفة كتابها بفصل كامل عن موت رولان بارت. بمعنى أنها تبتدئ من النهاية لا من البداية. ومعلوم أنه مات بحادث سيارة لم يرها للأسف وهو يحاول أن يعبر الطريق. فقد كانت مختبئة وراء سيارة أخرى. وكان ذلك بعد غدائه الشهير والأخير مع زعيم الحزب الاشتراكي فرنسوا ميتران الذي سيقفز على رئاسة الجمهورية الفرنسية بعد بضعة أشهر فقط.
ومعلوم أن بعض السياسيين ملاعين ويحاولون دائماً استقطاب كبار المثقفين إلى دائرتهم لنيل مزيد من الشرعية والبريق. كل مرشح يتفاخر على منافسه بعدد المثقفين المشاهير الذين ينضمون إليه. ويبدو أن بارت قال لأحد أصدقائه بالتليفون: لا أعرف لماذا دعوني إلى هذا الغداء؟ أعتقد أنهم يريدون توريطي مع ميتران ضد جيسكار.
المهم أنه لا أحد ينجو من قدره ومصيره. والمكتوب مكتوب كما يقال. فلو تخلف عن هذا الغداء المشؤوم الذي حضره مثقفون آخرون من بينهم جاك بيرك لما كان حادث السيارة ولما توقفت حياة رولان بارت عام 1980 عند 64 عاماً فقط. وهو عمر قصير قياساً إلى متوسط العمر في الدول المتقدمة: 80 عاماً أو أكثر. جاك بيرك عاش 85 عاماً وأتيح له الوقت الكافي لوضع كتبه وقول كل ما يريد قوله عن العرب والإسلام.
على أي حال، لنعد إلى البنيوية والنقد الجديد الذي دشنه بارت وآخرون. في الماضي كان غوستاف لانسون أستاذ طه حسين هو المسيطر على النقد الأدبي في السوربون. فجاءت البنيوية لتحطيمه. لماذا؟ لأنه كان يركز كثيراً قبل قراءة النص على مؤلفه وحياته والأحداث التي مر بها في حياته ومحاولة ربطها. فكلها بحسب رأيه ذات تأثير كبير على تأليف النص؛ شعراً كان أم نثراً. بمعنى لكي أفهم أعمال بلزاك ينبغي أولاً أن أقرأ حياة بلزاك والتجارب التي مر بها؛ كبيرة أو صغيرة. فلا يمكن فهم النص قبل فهم المؤلف الذي كتبه. قد تقولون: وما العيب في ذلك؟ إنه تحصيل حاصل. إنه كلام منطقي لا غبار عليه. وأنا معكم تماماً. ولكن صرعة البنيوية أوهمتنا بالعكس. لقد حاولت أن تقنعنا ضد كل منطق أنه لكي ندرس نصاً ما ينبغي أن نشطب على مؤلفه تماماً. فهذا شيء ثانوي لا أهمية له في نظرها! وقد وفدت هذه الفكرة على الساحة الباريسية من جهة الشكلانيين الروس الذين كانوا يقولون ما معناه: ليس المهم الكاتب وإنما الأدب أو بالأحرى أدبية النص. ولكي نكتشف سر هذه الأدبية أو الشحنة الشعرية ينبغي أن نشرَح النص تشريحاً علمياً بلاغياً لا هوادة فيه.
وهذا يشبه نظرية النظم عند ناقدنا العربي الكبير عبد القاهر الجرجاني. وحتى هنا فإن النظرية صحيحة وموفقة. ولكن المشكلة هي أن البنيويين الباريسيين بالغوا في هذا الاتجاه حتى حولوا النص إلى مجرد تعداد للفواصل والنقط والحروف كما فعل كلود ليفي سشتروس في تحليله الشهير والبغيض لقصيدة بودلير «القطط»، وهذا ما أدى إلى انحسار البنيوية في نهاية المطاف. فقد ملت الناس منها ومن جفافها ومن تحويلها الأدب إلى معادلات رياضية جافة وغير مقنعة في نهاية المطاف بعد أن فقدت مصداقيتها. بمعنى آخر فإنهم قضوا نهائياً على أدبية الأدب، على طراوة الشعر وجمال الإبداع الخلاق.
ولهذا السبب تخلى عنها بارت نفسه وانتقل إلى مرحلة استذواق النص أو متعته. وذلك لأنه كان كاتباً كبيراً وليس فقط مجرد ناقد أدبي أكاديمي بارد. أو قل كان هذا وذاك في الوقت ذاته أو تباعاً.
لقد أخذ على بارت في عز الصرعة البنيوية أنه وقع في عدة مطبات. والدليل على ذلك تصريحاته الارتجالية الصاعقة التي تقول مثلاً إن اللغة فاشية! ما هذا الهراء يا سيد بارت؟ اللغة ليست فاشية إلا إذا استخدمت بشكل فاشي من قبل موسوليني أو هتلر أو أشكالهما. اللغة يمكن أن تعبر عن الفاشية والديمقراطية. كل شيء يعتمد على طريقة استخدامه والأفكار التي نعبر عنها فيه. فمن الواضح أننا لا نستطيع أن نعبر عن أي فكر إلا من خلال اللغة. ولذلك قال أرسطو إن الإنسان حيوان ناطق على عكس الحيوان الذي يعبر بالإشارات والأصوات ولا يستطيع أن يصل إلى مستوى اللغة. وهنا يمكن الفرق الأساسي بين الحيوان/ والإنسان. ثم أتحفنا بارت بعبارة أخرى لا تقل صرعة وغرابة وهي موت المؤلف. وهي تشبه عبارة فوكو عن موت الإنسان التي اختتم بها كتابه الشهير «الكلمات والأشياء». وكلتاهما تعيدنا إلى عبارة نيتشه الشهيرة في القرن التاسع عشر عن «موت الله». معاذ الله! فالله حي لا يموت. ولكن الشيء الذي مات هو التصور القمعي الظلامي التكفيري للأصولية المسيحية عنه. بهذا المعنى فعبارة نيتشه صحيحة. إذا كان بارت يقصد بموت المؤلف موت الفكرة التقليدية المشكلة عنه التي تعتبره خالقاً مطلقاً للنص الموقع باسمه فلا اعتراض لنا على ذلك. فالواقع أن النص، أي نص، يحيلنا إلى شبكة فسيفسائية من الاستشهادات المأخوذة عن نصوص أخرى قرأها المؤلف وتأثر بها قبل أن يكتب نصه. لا يوجد مؤلف يخلق نصه من العدم مهما كان إبداعه خارقاً. كلنا نتأثر بمن سبقنا أو جايلنا. نقول ذلك على الرغم من أن المبدعين الكبار أقل تقليداً لسواهم من المبدعين الصغار.
بهذا المعنى، فإن نظرية موت المؤلف لا تنطبق على شاعر ضخم مثل المتنبي مثلاً. فهو فعلاً خلق نصه بعبقريته الخارقة التي لا تضاهى. إنه لا يتكئ على سواه مثل الآخرين من صغار الشعراء. الكلام نفسه يقال عن أبي تمام أو المعري بعد أن تخلص من تأثير المتنبي، إلخ... وبالتالي فإذا كان المقصود بموت المؤلف موته مؤلفاً وحيداً للنص دون أي تأثر صريح أو ضمني بمن سبقوه فلا غبار على الفكرة. ولكن إذا كان المقصود به موته في المطلق أو نفي أهميته فهذا هراء لا يصمد أمام الامتحان. اذهب وقل لبلزاك إن نصه ليس نصه، أو لتولستوي، أو لرامبو، أو لبودلير... إلخ. سوف يبصقون عليك في وجهك. اذهب وقل لهم إنه لا علاقة لنصوصهم بسيرتهم أو بتجاربهم الحياتية المعاشة. سوف ينظرون إليك شزراً. هذا أقل ما يقال. فنصوصهم هي عصارتهم، هي زبدة حياتهم، هي جوهر وجودهم على هذه الأرض. من يستطيع أن ينفي العلاقة بين روايات دوستويفسكي العبقرية والتجارب الحياتية الهائلة والمرعبة التي مر بها؟ الشيء نفسه يقال عن كل المبدعين الكبار. لهذا السبب سقطت البنيوية موضةً بعد أن طغت وعربدت وزادت على حدها حتى انقلبت إلى ضدها واشمأزت الناس منها. وقد شهدت سقوطها بأم عيني في باريس في المنعطف الفاصل بين الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وقلت بيني وبين نفسي: سبحان الله؛ في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح. وقلت أيضاً: «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». صدق الله العظيم. ولكن المشكلة هي أن النقد العربي البنيوي لا يدرك كل هذه التفاصيل فيظل سائراً خلف الصرعات الباريسية بنوع من التقليد الأعمى والعبودي. متى سيستفيق البنيويون العرب من غفلتهم؟
أخيراً؛ كنت أتمنى لو أمتلك الوقت الكافي للتوقف عند علاقة بارت بسارتر، أو بميشال فوكو، أو بفيليب سوليرز، إلخ. ومعلوم أن المؤلفة خصصت فصولاً مطولة لكل واحدة من هذه العلاقات المهمة. كنت أتمنى أيضاً لو أستطيع التوقف عند علاقته بأمه التي كان يعبدها عبادة والتي كانت الحب الأساسي وربما الوحيد في حياته. ولها كرس كتابه الأخير: الغرفة المضيئة.



هل تحتفظ القهوة منزوعة الكافيين بفوائد «السمراء» الصحية؟

تُظهر القهوة السوداء فوائد مفاجئة تتعلّق بتقليل معدلات الوفاة بشكل عام (بكسلز)
تُظهر القهوة السوداء فوائد مفاجئة تتعلّق بتقليل معدلات الوفاة بشكل عام (بكسلز)
TT

هل تحتفظ القهوة منزوعة الكافيين بفوائد «السمراء» الصحية؟

تُظهر القهوة السوداء فوائد مفاجئة تتعلّق بتقليل معدلات الوفاة بشكل عام (بكسلز)
تُظهر القهوة السوداء فوائد مفاجئة تتعلّق بتقليل معدلات الوفاة بشكل عام (بكسلز)

لطالما ارتبطت القهوة بتأثيرات فورية تعزّز اليقظة وتحسّن المزاج، إلى جانب فوائد صحية بعيدة المدى، أبرزها خفض مخاطر الإصابة بأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، فضلاً عن أمراض مزمنة أخرى.

وفي هذا الإطار، يؤكد إدوارد جيوفانوتشي، أستاذ علم الأوبئة والتغذية في كلية «هارفارد تي. إتش. تشان» للصحة العامة، أن «الأدلة العلمية الداعمة للفوائد الصحية للقهوة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم»، وذلك في مقال بمجلة «Consumer Report»، استعرض فيه طيفاً واسعاً من المنافع المرتبطة باستهلاك هذا المشروب واسع الانتشار.

غير أن التساؤل يظل مطروحاً: هل تتمتع القهوة منزوعة الكافيين بالفوائد الصحية ذاتها التي توفرها القهوة العادية؟

يذهب جيوفانوتشي إلى أن الكافيين ليس العنصر الحاسم في هذه المعادلة، موضحاً أن «معظم التأثيرات الأيضية الإيجابية للقهوة لا ترتبط بالكافيين بحد ذاته، إذ إن كثيراً من الخصائص الوقائية التي تُلاحظ عند شرب القهوة المحتوية على الكافيين تظهر أيضاً لدى مستهلكي القهوة منزوعة الكافيين». وفقاً لموقع «هارفارد. تي آش. تشان».

ويشير المقال إلى أن كلا النوعين يحتويان على مركبات البوليفينول، وهي مضادات أكسدة يُعتقد أنها تلعب دوراً مهماً في دعم عمليات الأيض وتحسين صحة الجهاز الهضمي، ما يعزز القيمة الصحية للقهوة بصرف النظر عن محتواها من الكافيين.

كما تطرق التقرير إلى جملة من الإرشادات الصحية المدعومة بالدراسات، من بينها أن طرق التحضير غير المُفلترة قد تسهم في رفع مستويات الكوليسترول الضار (LDL)، وأن توقيت شرب القهوة قد يكون عاملاً مؤثراً، إذ إن استهلاكها بعد منتصف النهار قد يقلل من بعض فوائدها الصحية.

بهذا، تبدو القهوة منزوعة الكافيين خياراً لا يقل قيمة من الناحية الصحية، لا سيما لمن يسعون إلى تجنّب تأثيرات الكافيين، من دون التخلي عن فوائد «السمراء» المثبتة علمياً.


نجومية «لابوبو» تُخفي وجهاً آخر

ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)
ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)
TT

نجومية «لابوبو» تُخفي وجهاً آخر

ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)
ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)

زعمت منظّمة معنيّة بحقوق العمال عثورها على أدلة تشير إلى استغلال العمال في مصنع صيني يُنتج دمى «لابوبو» التي اكتسبت شهرة واسعة حول العالم.

وزعمت منظّمة «مراقبة العمل في الصين»، وهي منظّمة غير حكومية مقرّها الولايات المتحدة، أن تحقيقها كشف عن قيام أحد مورّدي شركة «بوب مارت» بإجبار الموظفين على العمل لساعات إضافية مُفرطة، وإلزامهم بتوقيع عقود عمل غير مكتوبة أو غير مكتملة، فضلاً عن حرمانهم من الإجازات مدفوعة الأجر.

وشهدت دمى «لابوبو» المغطَّاة بالفرو إقبالاً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، وتُعرف الشركة المُنتجة لها بأسلوب بيع يعتمد على «الصناديق العمياء»، التي لا تتيح للمشتري معرفة محتواها إلا بعد فتح العبوة.

وقالت شركة «بوب مارت» لـ«بي بي سي»، إنها بصدد التحقيق في هذه المزاعم. وأوضحت شركة التجزئة، التي تتّخذ من بكين مقراً لها، أنها تُقدّر المعلومات الواردة في التقرير، وستُلزم «بحزم» الشركات المصنّعة لمنتجاتها بتصحيح مسار ممارساتها في حال ثبوت صحة الادّعاءات.

وأضافت «بوب مارت» أنها تُجري عمليات تدقيق منتظمة لمورّديها، بما في ذلك مراجعات سنوية مستقلّة من أطراف ثالثة تنفّذها جهات تفتيش مُعترف بها دولياً.

وأفادت منظّمة «مراقبة العمل في الصين» في تقريرها بأنها أجرت تحقيقاً مُعمّقاً في شركة «شونجيا للألعاب المحدودة» الواقعة في مقاطعة غوانغدونغ بجنوب الصين.

وقالت المنظّمة إنّ باحثيها أجروا 51 مقابلة مباشرة مع عمال المصنع لمناقشة قضايا التوظيف والعقود وظروف العمل. ووفق التقرير، يُعدّ المصنع منشأة تصنيع «محورية» لمنتجات «بوب مارت»، ويعمل فيه أكثر من 4500 موظف.

وأضاءت المنظّمة على عدد من المشكلات العمالية في مصنع «شونجيا» الواقع في مقاطعة شينفينغ، من بينها ما وصفته بساعات عمل إضافية غير قانونية، وممارسات تعاقدية غير واضحة، ونقص في التدريب على السلامة وإجراءات الحماية.

وأشارت إلى أنها لم ترصد عمالة أطفال في المصنع، وإنما جرى توظيف عمال يبلغون 16 عاماً، خضعوا لظروف العمل نفسها المفروضة على البالغين، من دون توفير الرعاية الخاصة التي ينصّ عليها القانون الصيني لهذه الفئة العمرية.

ودعت «مراقبة العمل في الصين» شركة «بوب مارت» إلى اتخاذ «إجراءات فورية» لمعالجة هذه القضايا في سلسلة التوريد الخاصة بها، مطالبةً بتعويض العمال المتضرّرين وضمان امتثال خطوط الإنتاج لقوانين العمل الصينية والمعايير العمالية المُعترف بها دولياً.

وأوضحت المنظّمة أنّ هذه المصانع، المعروفة باسم «مُصنّعي المعدات الأصلية» («أو إي إم»)، تنتج السلع وفق الأسعار وجداول الإنتاج التي يُحدّدها العميل. وقالت: «نتيجة لذلك، فإنّ ظروف العمل في منشآت (أو إي إم) تتأثَّر بشكل مباشر بممارسات التوريد التي تعتمدها العلامات التجارية».

وتُعدّ دمى «لابوبو»، وهي كائنات خيالية ذات أسنان مسنّنة، من أكثر الألعاب رواجاً حالياً، إذ تسبَّبت موجة الإقبال عليها في صفوف انتظار طويلة أمام المتاجر حول العالم. كذلك أسهمت توصيات عدد من المشاهير ودعمهم، من بينهم كيم كارداشيان، وليزا من فرقة «بلاكبينك» الكورية، في ترسيخ مكانة «بوب مارت» لتصبح من كبرى شركات بيع الألعاب عالمياً.


«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
TT

«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)

أضاء باحثون على القرون الأخيرة من حياة وحيد القرن الصوفي، بعد دراستهم كتلة لحم مكسوّة بالشعر عُثر عليها في معدة جرو ذئب قديم تحنّط طبيعياً في جليد سيبيريا الدائم (الأرض دائمة التجمّد).

ووفق «الغارديان»، كانت البقايا المحفوظة بشكل مدهش لجرو ذئب أنثى يبلغ من العمر شهرين قد اكتُشفت عام 2011 قرب قرية تومات في شمال شرقي سيبيريا. ويُعتقد أن الحيوان قد نفق قبل نحو 14 ألفاً و400 عام، بعدما أدّى انهيار أرضي إلى تدمير جحره واحتجاز الجرو وأفراد آخرين بداخله.

وقد ساعدت الظروف شديدة البرودة على حفظ جسد الذئب لآلاف السنوات، وعند فحص البقايا لاحقاً، تبيَّن للعلماء أنّ محتويات معدته كانت محفوظة أيضاً. وكان جزء من آخر وجبة تناولها الذئب قطعة من لحم وحيد القرن الصوفي، وهو حيوان عاشب ضخم انقرض قبل نحو 14 ألف عام.

وقال الدكتور كاميلو تشاكون دوكي، الباحث السابق في «مركز علم الوراثة القديمة»، وهو تعاون بين جامعة استوكهولم والمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي، إنّ هذا الاكتشاف شكّل فرصة نادرة. وأضاف أنه إذا أمكن استخراج التركيب الوراثي لوحيد القرن من هذه القطعة من اللحم المهضوم جزئياً، فقد يتيح ذلك فهماً أعمق لحالة هذا النوع في لحظاته الأخيرة قبل الانقراض.

وأوضح تشاكون دوكي أن الحصول على عيّنات محفوظة جيداً من الأيام الأخيرة لعدد من الأنواع المُنقرضة يُعدّ أمراً نادراً، كما أنّ استعادة التركيبات الوراثية لحيوانات عاشت قبيل انقراضها مباشرةً تُعد «مهمّة صعبة». ومع ذلك، قد تحمل الشيفرة الوراثية، لجهة المبدأ، دلائل مهمّة حول الأحداث التي أدَّت إلى انقراض هذه الكائنات.

وفي دراسة نُشرت في مجلة «بيولوجية التركيب الوراثي والتطوّر»، شرح الباحثون كيف تمكّنوا من فكّ شيفرة التركيب الوراثي لوحيد القرن الصوفي من قطعة اللحم المتشابكة. وتُعدّ هذه المرة الأولى التي يتحقَّق فيها مثل هذا الإنجاز الخاص بكائن من العصر الجليدي يُعثَر عليه داخل معدة حيوان آخر. وقال تشاكون دوكي: «وفق علمنا، يُعدّ هذا أصغر وحيد قرن صوفي نعرف تركيبه الوراثي حتى الآن».

وكان العلماء يتوقّعون العثور على دلائل لما يُعرف بـ«تآكل الجينوم»، وهي ظاهرة تفقد فيها الأنواع المتراجعة تنوّعها الوراثي نتيجة تقلّص أعدادها، والتزاوج الداخلي، والضغوط البيئية في أسوأ الأحوال، وهو ما يؤدّي غالباً إلى تراكم طفرات ضارّة تجعل الأنواع أكثر عرضة للانقراض. مع ذلك، جاءت هذه النتائج مُخالفة للتوقعات.

وتابع تشاكون دوكي: «ما وجدناه لم يكن كذلك إطلاقاً». وبعد مقارنة الحمض النووي لوحيد القرن الصوفي مع التركيب الوراثي لعيّنتين أقدم تعودان إلى 18 ألفاً و49 ألف عام، خلص الباحثون إلى أنّ أعداد هذا النوع ظلّت كبيرة ومستقرّة نسبياً قبل أن تنقرض بسرعة لافتة. وأضاف: «أيّاً كان السبب الذي قضى على هذا النوع، فقد حدث على نحو سريع نسبياً»، مُرجّحاً أن يكون ذلك خلال 300 إلى 400 عام سبقت اختفاء وحيد القرن الصوفي.

من جانبه، قال أستاذ علم الجينوم التطوّري في مركز علم الوراثة القديمة، لوف دالين، إنّ وحيد القرن الصوفي يبدو أنه احتفظ بتعداد قابل للحياة لمدة 15 ألف عام بعد وصول البشر الأوائل إلى المنطقة، ممّا يشير إلى أنّ التغيُّر المناخي، وليس الصيد، كان السبب الرئيسي لانقراضه. ولفت إلى أنّ العامل الأبرز كان مرحلة الاحترار المفاجئ في أواخر العصر الجليدي، المعروفة باسم «المرحلة الدافئة بولينغ أليرود»، التي غيَّرت ملامح المشهد الطبيعي بين 14 ألفاً و700 و12 ألفاً و900 عام مضت.

ولا يزال من غير الواضح كيف انتهى الأمر بجرو الذئب إلى التهام لحم وحيد القرن الصوفي، وإنما الباحثون يرجّحون أنه ربما تغذَّى على جثة الحيوان بعدما اصطاده قطيع من الذئاب، أو أنه تلقّى هذه «الوجبة» من أحد أفراد القطيع الذي تقيّأ قطعة اللحم ذات الشعر.

وعام 2015، عُثر في الموقع نفسه على بقايا جرو ذئب ثانٍ يُعتقد أنه شقيق الأول. وأظهرت الفحوص أنّ كليهما كانا قد بدآ بتناول الطعام الصلب، لكنهما ظلّا يعتمدان أيضاً على حليب الأم.