مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

عينات كونية تتيح للعلماء التعرف على بداية النظام الشمسي وأصل الحياة

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض
TT

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

تسعى اليابان والولايات المتحدة إلى الحصول على عينات من كويكبات عريقة في القدم للتعرف على أصل نشوء الكون.
في اليابان رحّب العالم شوغو تاشيبانا بالكويكب «ريوغو» Ryugu، فقد أمضى عالم الكيمياء الكونية من جامعة طوكيو عشر سنوات يساعد في تصميم مهمة للهبوط على سطحه. وللهبوط بسلام، تحتاج سفينة «هيابوسا 2» إلى العثور على مساحات واسعة ومسطحة من الغبار الناعم على الكويكب. ولكن في السابع والعشرين من يونيو (حزيران) الماضي، وعندما بلغت المركبة أخيراً هدفها بعد رحلة امتدّت لثلاث سنوات ونصف، أصيب العالم تاشيبانا بالصدمة عندما علم أنّ «ريوغو» مغطّى بصخور ذات حجم هائل. ويقول تاشيبانا: «لا يمكننا العثور على مكان آمن مائة في المائة للهبوط. يبدو أن هذا الكويكب مكان خطير».

دراسة الكويكبات
في حال نجحت «هيابوسا» في التعامل مع هذه الصخور، وأي تحديات أخرى قد تطرأ، فإنها ستصبح السفينة الثانية التي تعود بأجزاء من كويكب إلى سطح الأرض، وقد تتمكّن هذه البعثة من الإجابة على أسئلة لم تستطع بعثات سابقة الإجابة عليها. وكانت بعثة «هيابوسا» الأولى قد زارت كويكباً مغطى بالصخور والرمال يعرف باسم «إيتوكاوا» Itokawa عام 2015. ولكن المشكلة في ذلك الكويكب كانت أن تركيبته الكيميائية غير مناسبة للإجابة على أسئلة كبيرة ومهمة حول نوع الحياة التي يناسبها كويكب «ريوغو» الغني بالكربون. وكانت «هيابوسا» قد عانت أيضاً من مشاكل عديدة تسببت في تأخير عودتها إلى الأرض لسنوات مع كمية أقلّ من ألفي ذرّة من تراب الكويكب.
ولكنّ تاشيبانا وزملاءه من وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (جاكسا) يعوّلون على «هيابوسا 2» للعودة بعينات من سطح «ريوغو» إلى الأرض عام 2020. وفي حال نجحت خطّتهم الطموحة التي تقضي بتفجير فوهة بركان على الكويكب، ستعود المركبة ببعض العينات الترابية منها أيضاً.
في المقابل، وصلت بعثة مشابهة لـ«هيابوسا 2» تابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» تحمل اسم «أوزيريس - ريكس»OSIRIS - Rex) ) إلى كويكب اسمه «بينو» Bennu في ديسمبر (كانون الأول) ومن المقرر أن تعود بعينات منه عام 2023.
تواجه المركبتان الفضائيتان تحديات منهكة، إذ يتوجب على كليهما البحث عن أجسام قليلة الجاذبية ومعرّضة للخروج عن مدارها بفعل أشعة الشمس. وفي حال نجحتا في أخذ عينات التراب المطلوبة، عليهما الحفاظ عليها كما هي خلال رحلة عودتهما إلى الأرض. وللحصول على أفضل النتائج من البعثتين، يعمل الفريقان الياباني والأميركي سوية متجاوزين الانقسامات الثقافية والبيروقراطية.

أجرام سماوية قديمة
ولكنّ البعثتين تستحقان عناء الشكوك والقلق المحيطة بهما. إذ إنّ كويكبي «ريوغو» و«بينو» يعتبران من أقدم الأجسام وأكثرها إثارة للاهتمام في النظام الشمسي، وقد يحملان إجابات على أهمّ الأسئلة الكونية: مم كان يتألف هذا الكون قبل تكوّن الكواكب؟ ما هي جذور الحياة؟ وما هو حجم المخاطر التي ترتّبها الكويكبات على الحياة على الأرض اليوم؟
يملك علماء الكواكب اليوم عشرات آلاف قطع الكويكبات لدراستها، في ظلّ هبوط النيازك بالمئات سنوياً على كوكبنا، بما تحمله للعلماء من مواد وفيرة لتحليلها ومعاينتها للحصول على أدلّة حول تاريخ النظام الشمسي.
أمضى دانتي لوريتا، المحقق الرئيسي في بعثة «أوزيريس - ريكس»، من جامعة أريزونا في تاكسون، القسم الأوّل من حياته المهنية وهو يحاول الاستفادة من النيازك لتبيان ما إذا كانت بداية الذرّات الحياتية الأساسية كالأحماض النووية والأحماض الأمينية والفوسفور، أي المكونات الأساسية للحمض النووي، تعود إلى الكويكبات الغنية بالكربون كـ«ريوغو» و«بينو».
ويُعتقد أنّ الكويكبات الغنية بالكربون لم تتغيّر بمعظمها منذ تكوّنها أي قبل 4.6 مليار سنة على الأقلّ، مما يجعلها كبسولات زمنية مثالية. وقد تساهم بضع حبّات من هذه الكويكبات في الكشف عن تكوين النظام الشمسي في بداياته.
وترجّح بعض دراسات الكويكبات التي أجريت عن مسافات بعيدة أنّ المكوّنات الحياتية الخام، وربّما حتى التفاعلات الكيميائية الضرورية لبداية الحياة، كانت موجودة على الكويكبات الغنية بالكربون قبل اكتمال نموّ الكواكب حتى.
يقول لوريتا في حديث نقلته مجلة «ساينس نيوز»: «نظنّ أنّ كويكباً كهذا قد أوصل هذه المواد الأساسية إلى سطح الأرض في بداية تكوّنها، وأمّن البذور أو اللبنات الأساسية لنشوء الحياة. وفي حال تمكّنا من إثبات ظهور بشائر الحياة قبل تكوّن كوكب الأرض، لا شكّ في أن فرضية وجود حياة أخرى في النظام الشمسي ستتعزز بشكل كبير».
لكنّ دراسة النيازك للتحقيق في هذه الفرضية غير مجدٍ لسببين: الأول هو أنّه يصعب تحديد مصدرها والثاني هو وصولها ملوّثة إلى الأرض، إذ إنّ الصخور الفضائية تبدأ بمراكمة مؤشرات الحياة الأرضية فور سقوطها على كوكبنا. لهذا السبب، يمكن لأي مركّب عضوي مهم موجود على النيزك أن يكون مصدره الأرض، وليس وليداً على الكوكب، الأمر الذي لا يمكن التثبّت من حقيقته. ويقول لوريتا: «نحن بحاجة إلى عينات من كويكبات غنية بالكربون للإجابة عن هذه الأسئلة التي أطرحها».

استخلاص العينات
إن الوصول إلى أصل بداية النظام الشمسي، وربّما أصل بداية الحياة، يجعل من إحضار عينات نظيفة ومختارة بعناية من الكويكبات إلى المختبرات الأرضية أمراً ضرورياً. ولكنّ السفينة الفضائية لا يمكنها الحفر بالمجرفة، وبالطبع، لا يمكنها التقاط صخرة بواسطة مخلب كما يحصل في الألعاب الإلكترونية.
الكويكبات صغيرة جداً، إذ يمتد «ريوغو» إلى 800 متر من القطب إلى القطب، بينما يبلغ امتداد «بينو» نحو 510 أمتار، وجاذبيتهما ضعيفة إلى درجة أنّ الوصول إليهما ومحاولة التقاط شيء منهما قد يسحب السفينة خارج مسار الكويكب.
لذا بدل الحفر والالتقاط، ستتصل المركبة بالكويكب بواسطة أنابيب تشبه أنابيب الشفط، سواء للهبوط على سطحه لفترة قصيرة أو للتجوّل في أجوائه. هذه المحاولة الصعبة تمّت تجربتها مرّة واحدة قبلاً، وكانت أشبه بكارثة.
وقد كان من المفترض بمركبة «هيابوسا» الأولى أن تستخدم عجلاتها الثلاث الطائرة لتأمين توازنها أثناء تجوّلها بالقرب من سطح «إيتوكاوا»، ونشر مجموعة من الأنابيب لملامسة السطح وإطلاق رصاصة صغيرة في قلب الأنبوب لتحريك ذرّات التراب، ودفعها نحو رأس الأنبوب لتدخل في علبة معقّمة مخصصة للتخزين خلال رحلة العودة إلى الأرض.
ولكنّ الأمور اتجهت نحو الأسوأ... فقبل وصول «هيابوسا» إلى الكويكب، حصل أكبر توهّج شمسي تمّ تسجيله حتى اليوم، وأتلف ألواح المركبة الشمسية وواحداً من محركاتها، مما أبطّا حركتها وأخّر زيارتها للكويكب ثلاثة أشهر.
بعد الهبوط على «إيتوكاوا»، فشلت اثنتان من عجلات المركبة في الفتح، مما صعّب على المركبة تحقيق توازنها. كما فوّتت عربة جوالة أطلقتها «هيابوسا» وظيفتها الهبوط على سطح الكويكب وقياس تركيبته، نقطة هبوطها وطافت في الفضاء. أمّا الرصاصة التي تستهدف تحريك التراب، فلم تشتعل، لذا لم يتضح في البداية ما إذا كانت السفينة استطاعت الحصول على أي عينات. كما تعطّلت محركات السفينة الأربعة واحداً بعد الآخر في رحلة العودة، مما أجبر «هيابوسا» على سلوك طريق طويلة نحو الأرض. ويقول ماكوتو يوشيكاوا، مدير البعثتين «هيابوسا 1 و2» من «جاكسا» إنّ الأولى انطوت على مشاكل كبيرة.
ولكنّ مع كلّ الأحداث السيئة التي واجهتها «هيابوسا»، كانت نهايتها سعيدة. فعلى عكس كلّ التوقعات، عادت المركبة إلى الأرض عام 2010 وهي تحمل 1534 ذرّة تراب من «إيتوكاوا».

تصاميم أفضل
> «هيابوسا 2». تعلّم مخططو البعثة الجديدة من الهفوات التي حصلت في الأولى. وتملك «هيابوسا 2» اليوم أربع عجلات طائرة، ومحركات ذات فعالية عالية، ونظام تواصل أكبر لإرسال بيانات أكثر ستساعد العلماء في وضع خطط أفضل لجمع العينات. أمّا أنبوب الجمع، فهو اليوم مصمم بأسنان في رأسه لرفع الحصى إلى داخله حتى ولو لم تشتعل الرصاصة. وفي سبتمبر (أيلول) ، أنزلت «هيابوسا 2» ثلاث سفن هبوط صغيرة على سطح «ريوغو» لجمع البيانات حول تركيبة الكويكب ودرجة حرارته وخصائصه المغنطيسية.
> «أوزيريس - ريكس». وبتدابير وقائية مشابهة، ستعمد سفينة «أوزيريس - ريكس» إلى جمع عينة من «بينو»، وستهبط على سطح الكويكب لمدّة قصيرة. يقول لوريتا: «ستكون العملية عبارة عن خمس ثوانٍ من الاحتكاك: الحصول على العينة والخروج من هناك».
تحمل آلية «الهبوط السريع ثمّ الإقلاع لاستحواذ العينات»TAGSAM) ) التي ستعتمدها مركبة «أوزيريس - ريكس» طائر على محرك نتروجين نفاث يوضع في نهاية ذراع آلية. وعندما تلمس هذه الذراع سطح «بينو»، ستطلق دفعة من غاز النيتروجين لإحداث تموجات على سطح الكويكب كفيلة بنفخ الدقائق إلى داخل أنبوب جمع العينات، الذي يأتي مغطى بالفولاذ الصلب لالتقاط التراب الموجود على السطح عند الاحتكاك.
تعفي استراتيجية الوصول البعيد المركبة من جلبة التعلّق بالكويكب، ولكنّها أيضاً تنطوي على مشكلتها الخاصة، إذ لا أحد يعلم كيف سيتفاعل التراب الناعم عندما يُنفخ في جاذبية منخفضة. يفتح هذا الأمر الباب أمام أسئلة جديدة تقلق المهندسين. ويسأل لوريتا: «ما الذي سيحصل حقاً عندما يحتك سطح الكويكب بمنطقة مجهولة الخصائص الفيزيائية؟» مضيفاً: «أظنّ أنّ السطح سيكون أشبه بسائل. إنّه مشهد غريب حقاً».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.