«غياب الديمقراطية والقوانين التعسفية والعوامل المادية» دوافع هجرة العقول التركية

أكثر من 1000 أكاديمي تركي طلبوا اللجوء إلى هولندا خلال العام 2018

نائبة البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي ليلى جوفان بعد الإفراج عنها بشروط بعد تدهور حالتها الصحية في السجن لإضرابها عن الطعام منذ 11 أسبوعا (رويترز)
نائبة البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي ليلى جوفان بعد الإفراج عنها بشروط بعد تدهور حالتها الصحية في السجن لإضرابها عن الطعام منذ 11 أسبوعا (رويترز)
TT

«غياب الديمقراطية والقوانين التعسفية والعوامل المادية» دوافع هجرة العقول التركية

نائبة البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي ليلى جوفان بعد الإفراج عنها بشروط بعد تدهور حالتها الصحية في السجن لإضرابها عن الطعام منذ 11 أسبوعا (رويترز)
نائبة البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي ليلى جوفان بعد الإفراج عنها بشروط بعد تدهور حالتها الصحية في السجن لإضرابها عن الطعام منذ 11 أسبوعا (رويترز)

كشف رئيس مجلس إدارة شركة الصناعات الإلكترونية العسكرية التركية (أسيلسان)، خلوق غورجون، عن أن أكثر من 200 مهندس تركوا عملهم في الشركة التي يترأسها، وهاجروا إلى خارج البلاد، مشيرا إلى أن الشركة تأكدت من أن «العوامل المادية» كانت أبرز الدوافع وراء اتجاه بعضهم إلى الهجرة. وتقول المعارضة بأن غياب الديمقراطية والملاحقات والاعتقالات هي من الأسباب الأخرى المهمة وليس العوامل الاقتصادية فقط وراء هجرة العقول. وما زالت السلطات التركية تشن حملات اعتقال شبه يومية، مثيرة لانتقادات طالت عشرات الآلاف منذ المحاولة الانقلابية وحتى الآن على خلفية اتهامهم بالانتماء إلى حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن.
ونقلت صحيفة «جمهوريت» عن غورغون أن هجرة العقول طالت كلا من معهد بحوث وتطوير الصناعات الدفاعية ومؤسسة لأبحاث التكنولوجية والعلمية (توبيتاك)، والشركة التركية لصناعات الفضاء (تاي). وذكر غورغون أيضا أن العام الماضي شهد كذلك ترك ما يقدر بـ200 كادر عملهم داخل هذه المؤسسات تحت ظروف الضغوط المادية نتيجة الوضع الاقتصادي الذي تمر به البلاد. وقال إلهامي أوزجان أيغون النائب بالبرلمان عن حزب الشعب الجمهوري المعارض تعليقا على هذه التصريحات إن تركيا «لا تمتلك رفاهية فقد أسماء مهمة قامت بإعدادها في مجال الصناعات الدفاعية، وإن هجرة هذه العقول تلحق أضرارا كبيرة بتركيا بالكامل وليس القطاع التكنولوجي والدفاعي فقط، وعلى النظام الحاكم أن يفكر جيدا ليجد حلولا واقعية وحقيقية للتصدي لهجرة العقول». وأضاف أن «حل هذا الأمر لن يكون بزيادة الرواتب فقط، فالموضوع له أبعاد أخرى غير البعد المادي، علينا أن نضع بعين الاعتبار أوضاع الديمقراطية، والقوانين، والتعليم التي تعيشها تركيا». وأعلنت إدارة الهجرة والتجنيس الهولندية، الأسبوع الماضي، أن أكثر من 1000 أكاديمي تركي تقدموا إليها بطلبات لجوء خلال العام 2018. كما ارتفعت أعداد المهاجرين وطالبي اللجوء من تركيا إلى العديد من بلدان العالم خلال العام الماضي 253 ألفا و640 شخصا، مقابل 69 ألفا و326 شخصا عام 2016. وخلال فترة تمتد ما بين عامين وثلاثة أعوام، لم تقتصر الهجرة من تركيا على الطلاب والأكاديميين فقط، بل انضم إليهم أيضاً رواد الأعمال وآلاف الأثرياء الذين باعوا ممتلكاتهم ونقلوا عائلاتهم وأموالهم إلى الخارج. وأرجعت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية انتشار الهجرة بين الأتراك إلى خوفهم من الاضطهاد السياسي والملاحقة بتهمة الإرهاب وانعدام الثقة المتعمق بالقضاء والتعسف القانوني، فضلاً عن تدهور مناخ الأعمال المدفوع بمخاوف من تحكم الرئيس رجب طيب إردوغان بإدارة الاقتصاد من أجل مصالحه الشخصية ودائرته المقربة.
ونفذت قوات الأمن حملات دهم متزامنة في العديد من الولايات بينها أنقرة وإسطنبول للقبض على من تتهمهم بالانتماء إلى حركة غولن. وأصدر الادعاء العام التركي مذكرات توقيف بحق 27 شخصا أول من أمس، لاتهامهم باستخدام تطبيق «بايلوك» المشفر للتراسل، الذي حظرته السلطات بعد محاولة الانقلاب مشيرة إلى أن أنصار غولن استخدموه أثناءها. وسجنت السلطات أكثر من 77 ألف شخص انتظارا لمحاكمتهم، وفضلت أو أوقفت عن العمل أكثر من 175 ألفا من العاملين في الحكومة وأفراد الجيش وغيرهم عقب محاولة الانقلاب.
وفي سياق متصل، قال اللاعب التركي في الدوري الأميركي لكرة السلة أنس كانتر، الذي أصدر الادعاء العام التركي بحقه مذكرة جلب عبر الإنتربول مطالبا الولايات المتحدة بتسليمه، في مقابلة مع مجلة «تايم»، إنه يسعى إلى مقابلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشيرا إلى أنه يعيش حالة من الخوف بسبب التهديدات بالقتل التي يتلقاها يوميا، وهو ما دفعه للتخلف عن المشاركة في مباراة فريقه «نيويورك نيكس» ضد فريق واشنطن ويزاردز، التي جرت في لندن قبل أيام. وتتهم سلطات تركيا كانتر (26 عاما) بالانضمام إلى «جماعة إرهابية»، وقامت بإلغاء جواز سفره منذ العام 2017. وقال كانتر، الذي حظي قبل المحاولة الانقلابية باهتمام واسع في تركيا وإعلامها كونه أحد الرموز الرياضية الكبيرة في هذا البلد، إن زملاءه في الفريق الأميركي ينفجرون ضحكاً كلما تذكروا أن حكومة تركيا أصدرت بيانا تعتبره فيه «إرهابيا»، ويسخرون من هذا الاتهام «السخيف والمجافي للحقيقة».
وأصبح كانتر يخشى مغادرة الأراضي الأميركية ولو برفقة زملائه في الفريق لأداء مباراة رياضية بالخارج خشية اغتياله أو اختطافه. وقال إنه يلتزم بتعليمات مسؤولي الأمن عن فريق نيويورك نيكس، الذين شددوا عليه بعدم التحرك بمفرده، سواء عند الذهاب إلى سوبر ماركت للتسوق أو للنادي لحضور التدريبات أو إلى المباريات... وبرر ذلك، بأن هناك تخوفا من أن يقوم واحد ممن وصفهم بـ«أتباع إردوغان المجانين»، يتحرك كـ«ذئب هائم»، بعيداً عن القطيع، ليرتكب اعتداء ما ضده.
كما قررت محكمة في ديار بكر جنوب شرقي تركيا الجمعة الإفراج المشروط عن نائبة البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي (مؤيد للأكراد) ليلى جوفان بعد تدهور حالتها الصحية في السجن لإضرابها عن الطعام منذ 11 أسبوعا احتجاجا على ظروف الحبس الانفرادي لزعيم حزب العمال الكردستاني (المحظور) عبد الله أوجلان، الذي يمضي عقوبة السجن مدى الحياة في سجن بجزيرة إيمرالي في بحر مرمرة شمال غربي تركيا.
وتضمن قرار الإفراج وضع جوفان (55 عاما)، التي كانت بدأت إضرابها عن الطعام في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تحت الرقابة الأمنية.
ونجح إضراب جوفان، التي حصلت على مقعد برلماني في الانتخابات البرلمانية المبكرة في 24 يونيو (حزيران) الماضي، من خلال الإضراب عن الطعام في حمل السلطات التركية على السماح لشقيق أوجلان، المسجون منذ العام 1999. بزيارته في سجنه للمرة الأولى منذ أكثر من عامين.
واعتقلت جوفان في يناير (كانون الثاني) 2018 مع نحو 600 شخص بسبب مشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي واحتجاجات تنتقد العملية العسكرية التركية التي نفذت في عفرين العام الماضي لطرد وحدات حماية الشعب الكردية السورية المدعومة من الولايات المتحدة والتي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية.
وعلى صعيد آخر، أعلن حزبا الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وحزب «الجيد» استمرار «تحالف الأمة» الذي خاضا به الانتخابات البرلمانية المبكرة في يونيو (حزيران) الماضي، في الانتخابات المحلية التي ستجرى في 31 مارس (آذار) المقبل. ووافق الحزبان على دعم مرشحيهما في 49 بلدية تضم 22 بلدية كبرى و27 بلدية عادية، بحيث يدعم الحزب الجيد بزعامة ميرال أكشنار حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كليتشدار أوغلو في 12 بلدية كبرى و16 بلدية عادية بينما يدعم الشعب الجمهوري الحزب الجيد في 10 بلديات كبرى و11 بلدية عادية. وتنقسم بلديات الولايات التركية إلى 30 بلدية كبرى و51 بلدية عادية.
ويتحالف حزب العدالة والتنمية الحاكم مع حزب الحركة القومية في الانتخابات المقبلة، ضمن تحالف الشعب الذي تأسس قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة في 24 يونيو (حزيران) الماضي.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».